في خطوة جديدة تؤكد تصاعد القبضة السلطوية في تونس، أعلنت منظمة “المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية” اليوم الاثنين عن تلقيها قرارا رسميا بتعليق نشاطها لمدة شهر، في ما يبدو أنه جزء من حملة أوسع يقودها الرئيس قيس سعيّد ضد منظمات المجتمع المدني المستقلة. يأتي القرار بعد أيام فقط من إجراء مماثل طال “الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات”، ما يثير مخاوف واسعة من دخول البلاد مرحلة جديدة من التضييق على الحريات العامة، وإعادة إنتاج أجواء القمع التي كانت سائدة قبل الثورة.

المنتدى، المعروف بدفاعه عن حقوق العمال والمهاجرين ومناهضته لسياسات التهميش الاجتماعي، أكد في بيان أنه تلقى مراسلة رسمية مساء 27 أكتوبر/تشرين الأول تُعلمه بتعليق نشاطه، مستخدمة الصيغة نفسها التي وُجهت سابقا إلى جمعيات أخرى، دون تقديم مبررات واضحة. وأشار البيان إلى أن المنظمة تتعرض منذ أبريل/نيسان الماضي لسلسلة طويلة من “التدقيقات المالية والجبائية”، رغم التزامها بجميع الإجراءات القانونية والإدارية.

تمويل أجنبي ذريعة لتصفية المنظمات المستقلة

السلطات التونسية لم تُقدّم مبررات صريحة لقرارها، غير أن التسريبات الإعلامية أوحت بأن القضية تتعلق بملف التمويل الأجنبي. فقد ذكرت وسائل إعلام محلية أن تحقيقا قضائيا فُتح مؤخرًا حول تمويلات تلقتها منظمات من الخارج، شملت إلى جانب المنتدى كلًا من “أنا يقظ”، و”البوصلة”، والموقع الاستقصائي “إنكفاضة”. ورغم أن هذه المنظمات كانت من أبرز القوى الرقابية التي كشفت عن ملفات فساد وتجاوزات حكومية، فإنها تواجه اليوم اتهامات مبهمة تهدف –بحسب مراقبين– إلى “شيطنتها” وتبرير محاصرتها.

رمضان بن عمر، أحد مسؤولي المنتدى، صرّح لوكالة رويترز بأن ما يجري هو محاولة لإسكات كل صوت حر، موضحا أن الحديث عن “تدقيق مالي” ليس سوى ستار سياسي يخفي نية النظام في إخضاع المجتمع المدني. وأضاف أن القرار يمثل حلقة جديدة من سياسة قمع الأصوات المستقلة، التي تحاول السلطة الحالية تصويرها كأدوات خارجية تهدد الأمن الوطني، في حين أنها تقوم بدور أساسي في الدفاع عن الشفافية والحقوق.

وفي سياق موازٍ، نقل موقع “بيزنس نيوز” أن القضاء أصدر أوامر بتجميد أصول بعض الجمعيات لحين انتهاء التحقيقات، مشيرا إلى أن الحملة أدت حتى الآن إلى حل 47 جمعية وتجميد أصول 36 أخرى، في مؤشر على اتساع نطاق استهداف المنظمات غير الحكومية في البلاد.

تضييق شامل منذ استحواذ سعيّد على السلطة

منذ قرارات الرئيس قيس سعيّد في يوليو/تموز 2021 بتجميد البرلمان وإقالة الحكومة، دخلت تونس مرحلة وُصفت بأنها “انقلاب ناعم” على النظام الديمقراطي الذي أفرزته ثورة 2011. فبينما قدم سعيّد نفسه كمنقذ من “الفوضى السياسية”، تحولت وعوده بالإصلاح إلى حكم فردي مطلق، شمل اعتقالات واسعة للمعارضين، وتقييد حرية الصحافة، وإغلاق المجال أمام الأحزاب والمنظمات المدنية.

وفي هذا السياق، تُعتبر حملة التعليق الحالية استكمالا لمسار قمعي ممنهج يستهدف كل ما يرمز إلى التعددية أو الرقابة المستقلة. فالمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية كان من أبرز المنصات التي وثقت الانتهاكات ضد المهاجرين الأفارقة، ونددت بسياسات الحكومة الاقتصادية، كما كان صوتا حاضرا في الدفاع عن الحق في الاحتجاج ضد الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ويرى محللون أن قيس سعيّد يسعى من خلال هذه الإجراءات إلى فرض هيمنة تامة على الفضاء العام، بالتوازي مع خطاب تعبوي يتهم المنظمات المدنية بأنها “أذرع أجنبية” أو “خونة للوطن”، في محاولة لإقناع الرأي العام بأن القمع ضروري لحماية الدولة. لكن هذه السياسة، وفق مراقبين دوليين، تهدد بتقويض ما تبقى من صورة تونس كـ”نموذج ديمقراطي” في العالم العربي.

تنديد محلي ودولي وتحذيرات من عودة الاستبداد

القرارات الأخيرة أثارت ردود فعل غاضبة في الأوساط الحقوقية. فقد اعتبرت منظمة “محامون بلا حدود” أن ما يجري يمثل “تراجعًا خطيرًا عن مكتسبات الثورة”، فيما حذرت منظمة العفو الدولية من أن تونس “تنزلق نحو حكم بوليسي”، داعية السلطات إلى احترام التزاماتها الدولية في مجال حرية التنظيم والتعبير. كما عبّر الاتحاد الأوروبي وعدة سفارات غربية عن “قلق عميق” من استمرار التضييق على المجتمع المدني، معتبرين أن التمويل الأجنبي في حد ذاته ليس مبررًا للعقاب، طالما يتم بشفافية وبعلم السلطات.

أما في الداخل، فقد بدأت منظمات المجتمع المدني التي لم تُستهدف بعد، في التعبير عن تضامنها مع “المنتدى” و”النساء الديمقراطيات”، محذّرة من أن السكوت على هذه الإجراءات سيقود إلى إغلاق المجال المدني بالكامل، وتحويل تونس إلى دولة بوليسية لا مكان فيها لأي صوت معارض.

خاتمة: مشهد قاتم ومستقبل غامض

تعليق نشاط المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بعد أسبوع واحد من تعليق نشاط “النساء الديمقراطيات”، لا يُعد حادثا معزولا بل جزءا من سلسلة خطوات ممنهجة تهدف إلى تفريغ المشهد المدني من أي جهة رقابية مستقلة. وبينما يبرر النظام ذلك بالحديث عن “شفافية التمويل”، فإن المراقبين يرون أن الهدف الحقيقي هو السيطرة على المجال العام وتكميم الأفواه التي توثّق فشل السلطة وتكشف تجاوزاتها.

وفي ظل استمرار هذا النهج، تبدو تونس –التي كانت مهد الربيع العربي– ماضية نحو انغلاق سياسي خطير، يعيد البلاد إلى حقبة ما قبل الثورة، حيث تُدار الدولة من قصر قرطاج فقط، ويُخنق المجتمع المدني باسم الأمن والسيادة.

اقرأ أيضًا : إجرام الاحتلال ضد الصحافة.. إسرائيل تواصل منع دخول الصحفيين إلى غزة رغم الضغوط الدولية