أصدرت محكمة تونسية، الجمعة، حكمًا بالسجن لمدة 12 عامًا بحق رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي، في واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل منذ انقلاب الرئيس قيس سعيّد على المسار الديمقراطي في 25 تموز/يوليو 2021. الحكم، الذي صدر عن الدائرة الجنائية الرابعة بالمحكمة الابتدائية بتونس، شمل كذلك القيادية في الحزب مريم ساسي، التي حُكم عليها بالسجن عامين في القضية ذاتها، المعروفة إعلاميًا بـ”ملف مكتب الضبط”.
ويعيد هذا الحكم تسليط الضوء على مسار قضائي متسارع بات يستهدف شخصيات سياسية معارضة، في سياق يتهمه منتقدو السلطة بتحويل القضاء إلى أداة لتصفية الخصوم وتكميم الأصوات المخالفة، تحت عناوين فضفاضة مثل “الأمن العام” و”هيئة الدولة” و”الاعتداء على النظام”.

قضية قانونية أم عقاب سياسي؟
تعود وقائع القضية إلى 3 تشرين الأول/أكتوبر 2023، حين تم إيقاف عبير موسي أثناء توجهها إلى مكتب الضبط برئاسة الجمهورية لتقديم طعون ضد أوامر رئاسية أصدرها قيس سعيّد. وبحسب محاميها، فإن موسي كانت تمارس حقًا قانونيًا مكفولًا، قبل أن يتم توقيفها وفتح تحقيق ضدها بتهم ثقيلة تتعلق بـ”الاعتداء المقصود منه تبديل هيئة الدولة، وحمل السكان على مهاجمة بعضهم بعضًا بالسلاح، وإثارة الهرج بالتراب التونسي”.
هذه التهم، التي تعود في صيغتها ومفرداتها إلى ترسانة قانونية قديمة استُخدمت تاريخيًا ضد المعارضين، اعتبرها مراقبون غير متناسبة مع الوقائع، خصوصًا أن الحادثة لم تشهد أي عنف أو تحريض مسلح، ما عزز الانطباع بأن الملف سياسي بامتياز، وليس جنائيًا صرفًا.
حلقة في سلسلة أحكام مشددة
الحكم الجديد لا يُعد سابقة في مسار ملاحقة عبير موسي قضائيًا، إذ كانت محكمة تونسية قد قضت في حزيران/يونيو الماضي بسجنها عامين، بناءً على شكوى تقدمت بها الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، على خلفية اتهامات باستخدام شبكات الاتصال لترويج “أخبار كاذبة” والإضرار بالأمن العام والتشهير بموظف عمومي.
وتأتي هذه الأحكام المتتالية في وقت تشهد فيه تونس تصاعدًا ملحوظًا في محاكمات السياسيين والإعلاميين والنشطاء، من مختلف التيارات، بما في ذلك معارضون إسلاميون ويساريون وليبراليون، وحتى شخصيات محسوبة سابقًا على النظام القديم، ما يعكس اتساع دائرة القمع وعدم اقتصارها على تيار بعينه.
رسائل قيس سعيّد: لا معارضة خارج السقف
رغم التباينات الفكرية والسياسية الحادة بين عبير موسي وبقية أطراف المعارضة، فإن توقيت الحكم وحدّته يعكسان، وفق محللين، رسالة واضحة من قيس سعيّد مفادها أن أي نشاط سياسي خارج الإطار الذي يرسمه القصر الرئاسي سيُواجَه بالقضاء والسجن، بغض النظر عن الخلفية الأيديولوجية.
فموسي، المعروفة بعدائها الشديد لحركة النهضة ورفضها للثورة، كانت لفترة من أكثر الأصوات التي رحبت بإجراءات 25 تموز/يوليو قبل أن تنقلب عليها، وتتحول إلى واحدة من أبرز المنتقدين لسعيّد، متهمة إياه بإعادة إنتاج الاستبداد الفردي وتعطيل الدستور والحياة السياسية.
القضاء في قلب العاصفة
يثير الحكم تساؤلات متزايدة حول استقلالية القضاء في تونس، في ظل تدخلات رئاسية سابقة شملت حل المجلس الأعلى للقضاء، وإعفاء عشرات القضاة بقرارات إدارية، وتصريحات متكررة من قيس سعيّد يتهم فيها القضاة بـ”الفساد” و”التآمر”، وهو ما اعتبرته منظمات حقوقية دولية تهديدًا مباشرًا لمبدأ الفصل بين السلطات.
وتحذر هذه المنظمات من أن استمرار هذا النهج سيقود إلى مزيد من الانغلاق السياسي، ويقوض أي أمل في حوار وطني أو انفراج ديمقراطي، خصوصًا مع تراجع الحريات العامة، وتدهور الوضع الاقتصادي، وتصاعد الاحتقان الاجتماعي.
تونس إلى أين؟
الحكم على عبير موسي بالسجن 12 عامًا لا يمكن فصله عن السياق العام الذي تعيشه تونس اليوم، حيث تتقاطع الأزمات السياسية والقضائية والاقتصادية في مشهد قاتم. وبينما يصر قيس سعيّد على تقديم نفسه كمنقذ للدولة من “الفوضى”، يرى معارضوه أن البلاد تنزلق تدريجيًا نحو نظام رئاسي مغلق، يُدار بالأوامر والمحاكمات، لا بالسياسة والمؤسسات.
وفي ظل هذا الواقع، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يشكل هذا الحكم نهاية المسار السياسي لعبير موسي، أم مجرد محطة جديدة في معركة أوسع حول مستقبل تونس وحرياتها؟ المؤكد أن القضاء بات ساحة الصراع الأبرز، وأن قمع قيس سعيّد لم يعد استثناءً، بل سياسة ممنهجة ترسم ملامح المرحلة المقبلة.
اقرأ أيضًا : تايمز أوف إسرائيل: نتنياهو يعتزم السفر إلى القاهرة لتوقيع اتفاقية غاز مع مصر