كشفت معلومات منسوبة إلى مصادر مطلعة على الاتصالات الدبلوماسية الخليجية عن دور إماراتي سري في تسهيل قناة اتصال بين الولايات المتحدة وجماعة الحوثيين في مسقط، بالتزامن مع تصاعد المواجهة بين الحوثيين والسعودية وسعي الرياض للحصول على دعم عسكري أمريكي.
وبحسب الرواية المنشورة، لم تكن أبوظبي الوسيط الرسمي في المحادثات، إذ احتفظت سلطنة عمان بهذا الدور، لكنها ساهمت من وراء الكواليس في تهيئة الظروف السياسية لاستمرار التواصل بين واشنطن والحوثيين. وإذا ثبتت هذه المعلومات، فإنها تكشف مستوى جديدًا من التباين السعودي الإماراتي في اليمن يتجاوز اختلاف الأولويات إلى تحركات متعارضة في أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى أمن المملكة.
واشنطن تفاوض والرياض تطلب الدعم العسكري
تكمن أهمية الاتصالات في توقيتها. فبينما كانت السعودية تواجه تصعيدًا حوثيًا وتسعى إلى تعزيز الدعم الأمريكي، كانت واشنطن تحاول تجنب الانخراط في مواجهة إقليمية واسعة، مع إعطاء الأولوية لحماية مصالحها وتأمين الملاحة البحرية.
وتشير المعلومات المنشورة إلى لقاءات بين مسؤولين أمريكيين وممثلين عن الحوثيين في مسقط، في ظل الوساطة العمانية المعروفة، بينما تحدثت المصادر عن قناة إضافية ساعدت الإمارات في إبقائها مفتوحة بعيدًا عن المسار الرسمي.
وهنا تظهر معادلة مختلفة بين الأطراف: الرياض تريد احتواء الحوثيين عسكريًا، بينما تريد واشنطن الحصول على ضمانات تمنع استهداف مصالحها، في حين تُتهم أبوظبي بالمساعدة في استمرار قناة الاتصال بين الطرفين.
تفاهمات تحمي المصالح الأمريكية
وفق الرواية، قدم الحوثيون خلال الاتصالات تطمينات للجانب الأمريكي بشأن الالتزام بوقف إطلاق النار مع واشنطن وعدم استهداف السفن الأمريكية، إضافة إلى تطمينات مرتبطة بالملاحة الإسرائيلية، في الوقت الذي استمرت فيه المواجهة مع السعودية.
ومن منظور واشنطن، يتيح هذا المسار تقليل مخاطر تعرض قواتها وسفنها للهجمات وتجنب حملة عسكرية جديدة، مع الإبقاء على إمكانية الحل الدبلوماسي.
لكن الصورة تبدو مختلفة من المنظور السعودي؛ فإذا استطاعت الولايات المتحدة تحييد مصالحها عبر التفاوض، بينما بقيت السعودية تواجه التهديد العسكري منفردة، فإن الرياض لا تحصل بالضرورة على الدعم الذي كانت تبحث عنه.
وهذه النقطة تحديدًا هي التي تجعل الدور الإماراتي المزعوم حساسًا.
الإمارات في الخلف.. وعُمان في الواجهة
المعلومات المتاحة لا تقول إن الإمارات حلت محل سلطنة عمان أو أدارت المفاوضات الأمريكية الحوثية مباشرة.
على العكس، بقيت مسقط الوسيط الدبلوماسي الرئيسي والعلني، مستفيدة من علاقاتها الطويلة مع واشنطن والحوثيين وإيران ودول الخليج.
أما الدور المنسوب إلى أبوظبي فيتمثل في مساعدة هادئة وتشجيع سياسي من وراء الكواليس لتهيئة بيئة تسمح باستمرار القناة الأمريكية الحوثية.
وهذا التفريق ضروري؛ لأن وصف الإمارات بأنها الوسيط الرئيسي بين واشنطن والحوثيين سيكون أكبر مما تدعمه المعلومات المنشورة.
من تحالف سعودي إماراتي إلى صراع نفوذ
لا يمكن فصل هذه المعلومات عن التحولات التي شهدها الدوران السعودي والإماراتي في اليمن خلال السنوات الماضية.
دخل البلدان الحرب ضمن تحالف واحد، لكن أولوياتهما تباعدت تدريجيًا. ركزت السعودية بصورة أكبر على الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا واحتواء التهديد الحوثي على حدودها، بينما بنت الإمارات شبكة علاقات واسعة مع قوى جنوبية وتشكيلات عسكرية ومحلية مختلفة.
ومع الوقت، لم يعد الاختلاف متعلقًا فقط بكيفية مواجهة الحوثيين، بل أيضًا بمستقبل جنوب اليمن والموانئ والساحل والنفوذ السياسي والعسكري داخل البلاد.
لذلك، إذا ثبت أن أبوظبي ساعدت بالفعل في استمرار قناة أمريكية مع الحوثيين في وقت كانت فيه الرياض تطلب مساندة واشنطن عسكريًا ضدهم، فإن التطور سيشير إلى تعارض حقيقي في المصالح وليس مجرد توزيع للأدوار بين حليفين.
هل يمكن وصف التحرك الإماراتي بـ«التآمر»؟
العنوان الذي يصف الدور الإماراتي بأنه «تآمر ضد السعودية» يتجاوز ما يمكن إثباته من المعلومات المتاحة حتى الآن.
المثبت وفق الرواية المنشورة هو وجود ادعاء من مصادر بأن الإمارات ساعدت خلف الكواليس في تسهيل قناة الاتصال الأمريكية الحوثية. أما إثبات أن الهدف الإماراتي كان إضعاف السعودية عمدًا أو مساعدة الحوثيين عليها فيحتاج إلى أدلة إضافية تتعلق بنية أبوظبي وأهدافها.
حتى التقرير نفسه يستخدم صيغة مشروطة عندما يناقش النتائج المترتبة على الدور الإماراتي، ويشير إلى أن الرياض قد تستفيد في النهاية من أي تفاهم يحد من الهجمات الحوثية على أراضيها أو منشآتها.
لكن ذلك لا يلغي السؤال السياسي الأهم: لماذا تساعد دولة حليفة للسعودية في إبقاء قناة تفاوضية مع خصم الرياض مفتوحة بينما تطلب المملكة دعمًا عسكريًا لمواجهته؟
السعودية قد تكون آخر من يستفيد
المفارقة أن المسار نفسه يمكن أن يؤدي في النهاية إلى نتيجة إيجابية بالنسبة إلى الرياض إذا نجحت المفاوضات في وقف الهجمات الحوثية.
لكن هناك فارقًا بين أن تختار السعودية التفاوض مع الحوثيين وفق شروطها ومصالحها، وبين أن تكتشف وجود قنوات خلفية يجري تسهيلها بواسطة أطراف أخرى في الوقت الذي تطلب فيه دعمًا لمواجهة الجماعة.
ولهذا لا يتعلق الخلاف بالتفاوض في حد ذاته، بل بمن يدير القناة، وما الذي يحصل عليه كل طرف، وما إذا كانت مصالح السعودية ممثلة داخل التفاهمات أم لا.
أبوظبي والرياض.. خلاف يتجاوز اليمن
إذا صحت الرواية، فإنها تضيف حلقة جديدة إلى مؤشرات التنافس المتنامي بين السعودية والإمارات على النفوذ الإقليمي.
فالدولتان تمتلكان مصالح مشتركة واسعة، لكن ذلك لا يعني تطابق استراتيجياتهما. واليمن يمثل المثال الأكثر وضوحًا على إمكانية تحركهما في اتجاهات مختلفة رغم انطلاقهما سابقًا من تحالف واحد.
وفي هذه الحالة تبدو الصورة أكثر تعقيدًا: واشنطن تحاول حماية قواتها وملاحتها، وعُمان تعزز موقعها وسيطًا، والحوثيون يسعون إلى تجنب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، والسعودية تريد تحجيم الخطر العسكري، بينما تُتهم الإمارات بمساعدة قناة خلفية تسمح باستمرار التفاوض.
الخلاصة..
تكشف المعلومات المنشورة عن اتهام خطير للإمارات بالتحرك خلف الكواليس لتسهيل التواصل الأمريكي مع الحوثيين بالتزامن مع المواجهة السعودية مع الجماعة.
لكن الفصل بين ما هو مثبت وما هو منسوب إلى مصادر.
المحادثات الأمريكية الحوثية في مسقط والدور العماني في الوساطة يمثلان جزءًا من المسار الدبلوماسي المعلن، بينما يبقى الدور الإماراتي الخلفي هو العنصر الجديد الذي تنسبه الرواية إلى مصادر مطلعة، ويحتاج إلى تأكيد مستقل قبل التعامل معه باعتباره حقيقة نهائية.
وإذا تأكد هذا الدور لاحقًا، فستصبح دلالته أكبر من مجرد اتصال دبلوماسي سري؛ لأنه سيكشف أن التنافس السعودي الإماراتي في اليمن وصل إلى مرحلة تتحرك فيها أبوظبي عبر مسارات قد تتعارض مباشرة مع الاستراتيجية التي تتبعها الرياض تجاه الحوثيين.
وعندها لن يكون السؤال فقط عما إذا كانت الإمارات والسعودية تختلفان في اليمن، بل إلى أي مدى أصبح كل طرف مستعدًا للتحرك منفردًا، حتى عندما تكون نتائج تحركه على حساب حسابات الطرف الآخر؟