في قراءة تاريخية وسياسية حادّة، اعتبر الدكتور محمد يوسف، القيادي الإسلامي الصومالي، أن الاعتراف الإسرائيلي الأخير بإقليم أرض الصومال ليس سوى «فقاعة سياسية» لن تثمر إلا مزيدًا من التوتر، مؤكدًا أن هذه الخطوة ستنقلب وبالًا على إسرائيل، كما فشلت مشاريع استعمارية سابقة حاولت العبث بوحدة الصومال. غير أن يوسف شدّد، في تصريحات خاصة ، على أن الخطر الأكبر لا يكمن في تل أبيب وحدها، بل في الدور الإماراتي الذي يعمل منذ سنوات على تمزيق الصومال عبر دعم الكيانات الانفصالية وتفجير الصراعات الداخلية.

استعمار قديم بثوب جديد

يقول يوسف إن ما يجري اليوم في «أرض الصومال» هو امتداد مباشر لمشروع استعماري قديم بدأ مع الاحتلال الأوروبي، حين قُسّمت الأراضي الصومالية قسرًا إلى خمسة أقاليم. فقد خضع الإقليم الشمالي الغربي للاحتلال البريطاني (أرض الصومال)، بينما سيطر الإيطاليون على مقديشو والمناطق الوسطى، وأُلحِق الإقليم الجنوبي الغربي بالحبشة (إثيوبيا)، ومنح البريطانيون إقليمًا رابعًا لكينيا، في حين أصبح الإقليم الخامس تحت الاستعمار الفرنسي، وهو ما يُعرف اليوم بجمهورية جيبوتي. ورغم انتهاء الاستعمار الشكلي، فإن آثاره التقسيمية لا تزال حاضرة، وتُستعاد اليوم عبر أدوات جديدة.

وحدة شعب لا تتجزأ

يشدد القيادي الصومالي على أن الشعب الصومالي واحد، وأن «أرض الصومال» ليست كيانًا اجتماعيًا أو قبليًا منفصلًا، بل جزء لا يتجزأ من الصومال. فالقبائل متداخلة في جميع الأقاليم، ولا توجد قبيلة «خاصة» بالإقليم الشمالي. وحتى أثناء الاحتلال البريطاني، كان الإقليم يضم نحو عشر قبائل صومالية، رغم وجود أغلبية لقبيلة إسحاق (بنو إسحاق)، وهي ليست القبيلة الوحيدة في المنطقة. لذلك، يرى يوسف أن أي محاولة لعزل الإقليم سياسيًا تصطدم بحقائق التاريخ والمجتمع.

لا تمثيل للاحتفالات المصطنعة

وحول مشاهد الاحتفالات المحدودة التي رافقت الإعلان الإسرائيلي، اعتبر يوسف أنها لا تمثل الإرادة الشعبية، لا في الصومال عمومًا ولا حتى داخل «أرض الصومال» نفسها. وأضاف أن الشعب الصومالي لم يكن يومًا متواطئًا مع الاحتلال أو المشروع الصهيوني، وأن العلاقة مع إسرائيل تُعد «سُبّة تاريخية» في الوعي الجمعي الصومالي. فالصوماليون واجهوا الوجود الإسرائيلي منذ بداياته، حتى قبل قيام الكيان رسميًا، وحين اكتشفوا هوية عناصر جُلبت إلى المنطقة في زمن الاستعمار، كادوا يفتكون بهم، ما اضطر سلطات الاحتلال إلى تهريبهم ليلًا.

إسرائيل… وانتقام من ذاكرة شعب

يرى يوسف أن تل أبيب تسعى اليوم للانتقام من الشعب الصومالي بسبب مواقفه التاريخية الداعمة للقضية الفلسطينية، لكنها تُخطئ في تقدير طبيعة هذا الشعب «الذي يزداد غضبًا وصلابة يومًا بعد يوم». ويؤكد أن أي وجود أو نفوذ إسرائيلي في الصومال سيواجه مقاومة شعبية، وأن الاعتراف الأحادي لن يغيّر من الحقائق القانونية ولا من موازين الرفض الشعبي.

الإمارات… اللاعب الأخطر

في قلب هذا المشهد، يضع يوسف الإمارات بوصفها اللاعب الأخطر في تمزيق الصومال. فبدعمها السياسي والمالي للمشاريع الانفصالية، وسعيها للسيطرة على الموانئ والممرات البحرية، تحوّلت أبوظبي إلى راعي فوضى في القرن الإفريقي. ويربط يوسف بين الاعتراف الإسرائيلي والتحركات الإماراتية السابقة في ميناء بربرة وغيره، معتبرًا أن تل أبيب ليست سوى واجهة لمشروع أوسع تقوده الإمارات لإعادة هندسة المنطقة وفق مصالحها الأمنية والاقتصادية، ولو على حساب وحدة الدول واستقرارها.

العلماء والرفض الديني

وأشار القيادي الصومالي إلى أن عددًا من العلماء حذّروا علنًا من التقارب مع إسرائيل، واعتبروه استفزازًا لمشاعر الصوماليين، مؤكدًا أن هذه المواقف تعبّر عن عمق الرفض الشعبي والديني للمشروع الصهيوني، ولأي دور خارجي يسعى لاختراق البلاد عبر بوابة الانفصال.

خلفية الاعتراف وتداعياته

تأتي تصريحات يوسف بعد إعلان إسرائيل، الأسبوع الماضي، اعترافها بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي، في خطوة وُصفت بأنها سابقة خطيرة تنتهك القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتخالف القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي الذي يرفض المساس بالحدود الموروثة عن الاستعمار. وقد أثار الإعلان موجة رفض واسعة؛ إذ أكدت الحكومة الصومالية تمسكها غير القابل للتفاوض بوحدة البلاد، ودعت مصر إلى تحرك إفريقي عاجل، فيما قررت جامعة الدول العربية التوجه إلى مجلس الأمن.

خلاصة

يختم يوسف بالقول إن الاعتراف الإسرائيلي «فقاعة سياسية» لن تصمد أمام التاريخ ولا أمام وعي الشعب الصومالي، لكنه يحذّر في الوقت نفسه من الخطر الإماراتي الذي يعمل بصمت على تفكيك الدولة. فبين مشروع صهيوني مكشوف ودور إماراتي مخرّب، يقف الصومال أمام اختبار وجودي: إما حماية وحدته، أو فتح الباب لفوضى جديدة لن تتوقف عند حدوده.

اقرأ أيضًا : كلمة القسام ونعي القيادات: رسائل التوقيت ومعركة ما بعد الحرب