في خطوة أثارت موجة من الغضب والرفض في الأوساط الحقوقية والسياسية، أعلنت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات تلقيها قرارًا حكوميًا يقضي بتعليق نشاطها لمدة شهر، في ما اعتبره ناشطون مؤشّرًا جديدًا على تصعيد حملة السلطة ضد المجتمع المدني وسعي الرئيس قيس سعيّد إلى تفكيك ما تبقّى من النسيج الديمقراطي في البلاد.

جمعية عريقة تواجه التجميد: من مواجهة بن علي إلى قمع سعيّد

تأسست الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات سنة 1989، وكانت إحدى أبرز القوى المدنية التي واجهت دكتاتورية زين العابدين بن علي، ولعبت دورًا محوريًا في الدفاع عن حقوق المرأة وحرية التعبير، ما جعلها رمزًا للنضال الديمقراطي في تونس.

لكن بعد أكثر من ثلاثة عقود على تأسيسها، تجد الجمعية نفسها أمام قرار حكومي بتعليق نشاطها، بذريعة “مخالفات لنظام الجمعيات”، حسبما أكدت رئيستها رجاء الدهماني.

وقالت الدهماني في تصريحاتها إن الجمعية “ستطعن في القرار” وستواصل التزامها بالقانون، مؤكدة أنها سوّت وضعها القانوني في نوفمبر 2024 بعد تلقيها استدعاء رسمي، وهو ما يجعل قرار التجميد “اعتباطيًا” و”غير مبرّر قانونيًا”.

وأضافت أن هذا القرار “يتجاوز حدود المساءلة الإدارية إلى محاولة خنق صوت مستقل كان دائمًا يفضح التمييز والعنف ويواجه السلطوية باسم قيم الحرية والمساواة”.

ردود فعل غاضبة: تضامن واسع وتحذيرات من تكميم المجتمع المدني

قرار تعليق النشاط لم يمرّ مرور الكرام، إذ أعربت منظمات حقوقية محلية ودولية عن صدمتها واستنكارها الشديدين.

فقد أصدر المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بيانًا عبّر فيه عن “تضامنه التامّ” مع الجمعية، مندّدًا بما وصفه بـ”تجريم العمل المدني” ومحذّرًا من أن هذه الخطوة تأتي ضمن مسار متواصل لتقييد الفضاء المدني في تونس.

وقال المنتدى إن “قرارات تعليق نشاط العشرات من الجمعيات وإحالتها على التدقيق المالي والجبائي تمثل إجراءً سياسيًا يهدف إلى إسكات الجمعيات المستقلة وتخويف بقية مكونات المجتمع المدني”، معتبرًا أن السلطة الحالية تمارس تصفية حسابات مع المنظمات التي تكشف الانتهاكات أو تنتقد السلطة.

وتزامن القرار مع فتح تحقيقات قضائية واسعة بحق عدد من الجمعيات المستقلة بتهمة تلقي تمويلات أجنبية، من بينها “أنا يقظ”، و”البوصلة”، وموقع “إنكفاضة”، إضافة إلى المنتدى نفسه.

وبحسب موقع بيزنس نيوز المحلي، فقد أمرت المحكمة بتجميد أصول بعض الجمعيات إلى حين انتهاء التحقيقات، في حين تمّ حلّ 47 جمعية وتجميد أصول 36 أخرى خلال الأشهر الماضية.

سعيّد تحت المجهر: من حلّ البرلمان إلى إسكات الجمعيات

يأتي هذا التطور في ظل اتهامات متزايدة للرئيس قيس سعيّد باحتكار السلطة منذ يوليو 2021، حين أعلن تجميد البرلمان وإقالة الحكومة وتولّي السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بيده.

ومنذ ذلك التاريخ، تتهمه المعارضة والمنظمات الحقوقية المحلية والدولية بتنفيذ “انقلاب مقنّع” أدى إلى انهيار المسار الديمقراطي الذي انطلقت شرارته من تونس عام 2011.

وتشير الوقائع إلى أن سعيّد يُضيّق الخناق على كل مظاهر التعددية: فبعد حلّ الأحزاب المعارضة أو اعتقال قادتها، وتكميم الإعلام المستقل، امتدّت اليد الأمنية الآن إلى الجمعيات المدنية التي كانت صمام الأمان للديمقراطية التونسية.

ويرى مراقبون أن السلطة تتذرّع بمكافحة “التمويل الأجنبي المشبوه” لتبرير ما هو في الواقع حملة تطهير سياسي تستهدف الأصوات الناقدة.

“تفكيك النسيج الجمعياتي”: تحذير من انتكاسة خطيرة

الناشطة والمحامية سناء بن عاشور، وهي من أبرز الأصوات النسوية في تونس، نددت بما سمّته “ألاعيب السلطة لتحريف القانون”، معتبرة أن الهدف الحقيقي هو “تفكيك النسيج الجمعياتي النابض بالحياة في تونس”، ذلك النسيج الذي شكّل لعقود صوت المقاومة المدنية في مواجهة الاستبداد.

وقالت بن عاشور إن النظام يسعى إلى “طمس كل أشكال التنظيم المستقل، وتحويل الفضاء المدني إلى ملحق إداري تابع للسلطة”.

ويرى محللون أن ما يجري ليس سوى استكمال لمسار القمع الذي بدأ منذ ثلاث سنوات، حين تمّ التضييق على الصحفيين، واعتقال المعارضين بتهم “التآمر على أمن الدولة”، وملاحقة النقابيين والطلاب، والآن جاء الدور على الجمعيات.

ويُحذّر هؤلاء من أن استمرار هذه السياسة سيؤدي إلى تجريف الحياة العامة وإعادة تونس إلى ما قبل الثورة.

الربيع العربي يحتضر في مهده

كانت تونس لعقدٍ من الزمن نقطة الضوء الوحيدة في خريطة الربيع العربي، واعتُبرت نموذجًا للتحوّل الديمقراطي في المنطقة.

لكن المشهد اليوم يبدو قاتمًا: انتخابات شكلية، برلمان ضعيف، معارضة محاصرة، ومجتمع مدني يتعرض للتجفيف الممنهج.

ويرى ناشطون أن قرار تعليق جمعية النساء الديمقراطيات ليس مجرد نزاع إداري، بل هو إعلان حرب على فكرة الحرية نفسها، وعلى إرثٍ من النضال الذي دفع التونسيون ثمنه غاليًا.

وفي ظلّ هذا المشهد، تبدو الرسالة واضحة:

من يعارض الرئيس أو يرفع صوته خارج الإطار الرسمي، سيُعاقب.

لكن في المقابل، يرى كثيرون أن هذه الإجراءات ستزيد من عزلة النظام داخليًا ودوليًا، وأن قمع الجمعيات لن يوقف تاريخ تونس الطويل في مقاومة الاستبداد، بل سيُعيد إلى الأذهان جذوة الثورة التي انطلقت ذات يوم من شوارعها.

اقرأ أيضًا : استطلاعات تكشف الانهيار الداخلي لنتنياهو: نصف الإسرائيليين لا يريدونه في انتخابات 2026