في واحدة من أكثر الإحصائيات صدمة، كشفت الحكومة المصرية عن معاناة نحو 40% من المواطنين من فقر الدم (الأنيميا)، ما يعكس أزمة غذائية وصحية متفاقمة تضرب جسد المجتمع المصري، وتفضح إخفاقات المنظومة الحاكمة في إدارة أولويات البلاد.

التقرير الذي أصدره “مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار” التابع لمجلس الوزراء لم يكن مجرد رقم عابر، بل دق ناقوس الخطر بشأن مستقبل أجيال بأكملها، ترعرعت على سوء تغذية، وحرمان غذائي، وفقر مدقع حوّل الجسد المصري إلى كيان ضعيف لا يقوى على الإنتاج أو الصمود.

 

نظام أفقر الشعب.. فقر غذائي في ظل مشاريع عملاقة

بينما يتباهى الرئيس عبد الفتاح السيسي بمشاريع “عملاقة” كالعاصمة الإدارية الجديدة، وتوسعات الطرق والكباري، يعاني الشعب من فقر غذائي حاد نتيجة ارتفاع جنوني في الأسعار، وانهيار القيمة الشرائية للجنيه، وتآكل الدخول الشهرية.

وبينما توجه المليارات نحو الأبنية الإسمنتية، يتقلص دعم السلع الغذائية والصحية، وتُرفع أسعار الدواء، ويُقصى المواطن البسيط من أبسط حقوقه في غذاء سليم ورعاية صحية محترمة.

تقرير مركز “بصيرة” أظهر بشكل واضح تراجع استهلاك المصريين للحوم إلى النصف بين عامي 2018 و2022، في حين كشف تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن أكثر من 90% من الأسر قللت استهلاكها من اللحوم، الأسماك، وحتى الخضروات. 

بهذا المشهد، لم يعد فقر الدم مرضًا بل صار نتيجة حتمية لسياسات اقتصادية تسببت في تجويع الملايين.

أما عن الأرقام الأممية، فقد أكدت منظمة الأمم المتحدة أن سوء التغذية ارتفع في مصر بنسبة تقارب 80% خلال عقدين، ليصل عدد من يعانون منه إلى 9.4 مليون شخص عام 2023، كما بلغ عدد من يعيشون في انعدام أمن غذائي حاد نحو 11.5 مليون مواطن، أي ما يقارب 10% من عدد السكان، فيما بلغت نسبة من لا يستطيعون تحمل تكلفة الغذاء الصحي 44.4%.

صحة الشعب في مهب الريح.. خصخصة الصحة وتقليص الدعم

في موازنة الدولة المعلنة لعام 2025/2026، بدا واضحًا تجاهل الحكومة لخطورة الأزمة الصحية. إذ خصصت 320 مليار جنيه فقط لوزارة الصحة، أي نحو 14% فقط من ما يدفعه المواطنون كضرائب سنويًا (2.2 تريليون جنيه)، فأين تذهب بقية الأموال؟ وهل يعقل أن تكون مخصصات وزارة الصحة أقل من حجم مشكلة فقر الدم وحدها؟

الأسوأ، أن النظام لا يكتفي بتقليص المخصصات، بل يواصل تفكيك القطاع الصحي العام لصالح المستثمرين الأجانب، وفتح المجال لشراكات الخصخصة التي تضع صحة المواطنين في يد شركات تجارية هدفها الربح لا الخدمة. 

وفي الوقت الذي يفترض فيه أن توفر الدولة الوجبات المدرسية ومستلزمات صحية أساسية، نجدها تلغي الوجبات، وتغرق الأسواق بمنتجات غير صحية كالـ”إندومي” والمقرمشات، دون رقابة أو وعي بخطورة ما يحدث.

الأنيميا.. مرآة للفقر والجوع

فقر الدم ليس مجرد انخفاض في نسبة الهيموجلوبين، بل مؤشر على تدهور شامل في البنية الصحية والتغذوية للمجتمع. 

وفقًا لطبيبة الأطفال أمل السيد، فإن الأنيميا مرتبطة مباشرة بجودة الطعام ونوعيته، حيث غابت الأطعمة الغنية بالحديد والمعادن من مائدة المصريين، وحلّت محلها سندويتشات رخيصة، ومعلبات غذائية رديئة الجودة.

اللافت أن مصر باتت تحتل المرتبة الثالثة عربيًا في سمنة الأطفال بسبب سوء التغذية، حيث ارتفعت معدلات الوزن الزائد من 16% إلى 18.8% بين عامي 2015 و2022، بمعدل ثلاثة أضعاف المعدل العالمي. 

هنا نكتشف أن الأزمة ليست فقط في نقص الغذاء بل أيضًا في سوء نوعيته وانتشار الأغذية الضارة تحت أعين الحكومة.

أطفال التقزم وسمنة الفقر.. عواقب الغياب الحكومي

التقارير تشير إلى زيادة نسب التقزم والسمنة بين الأطفال في مصر، وهي أمراض مرتبطة بالفقر الغذائي، والاعتماد على طعام غير صحي، وهو ما أشار إليه د. محمود فؤاد مدير مركز “الحق في الدواء”، الذي أكد أن الإحصائية الرسمية حول فقر الدم منخفضة، والنسب الفعلية أعلى بكثير.

كما أكد أن غياب الرقابة على الغذاء، وتراجع دور التثقيف الغذائي، والإعلانات المضللة، كلها تساهم في تعميق الأزمة.

من جهة أخرى، أكد فؤاد أن المادة الدستورية التي تلزم الدولة برفع موازنة الصحة سنويًا لا تُنفّذ، مشيرًا إلى أن مصر لا تسير على خطى الدول التي تؤمن بأن التنمية تبدأ من التعليم والصحة.

بل إن المبادرات الرئاسية التي أطلقت في وقت سابق لمواجهة أمراض مثل التقزم أو السمنة لم تستمر، وتم وأدها تحت ضغط أصحاب المصالح في سوق الأغذية غير الصحية.

السيسي.. سياسات تقتل المواطن

لا يمكن الحديث عن أزمة غذائية وصحية بهذا الحجم دون التطرق إلى سياسات عبد الفتاح السيسي التي أغرقت مصر في دوامة الفقر والتضخم. 

فمع كل إجراء اقتصادي “إصلاحي” تتبناه الدولة بتوصية من صندوق النقد والبنك الدولي، يتم تقليص الدعم، ورفع الأسعار، وتتحول السلع الأساسية إلى رفاهية لا يقدر عليها المواطن.

تم ربط فقر الدم بالفقر المالي بشكل مباشر، فالغذاء الصحي أصبح حلمًا بعيد المنال، واللحوم والألبان والفواكه والأسماك غابت عن موائد ملايين المصريين. بل بات المواطن يعيش بين مطرقة الضرائب وسندان الأسعار، في دولة تحوّل الإنسان إلى رقم في معادلة الربح السياسي.

وزير الصحة يفاخر بالمباني الجديدة، بينما يشكو المرضى من نقص الدواء وسوء المعاملة. وبدلًا من معالجة الأزمة من جذورها، تكتفي الحكومة بتصريحات “تجميلية” تخفي وراءها جوعًا، وضعفًا، وطفولة مشوهة النمو.

من العبث إلى الهاوية.. أين الحل؟

ما يجري في مصر ليس أزمة غذاء فقط، بل هو تجريف لبنية المجتمع من الداخل. التعليم منهار، الصحة تُباع بالمزاد، التغذية معدومة، ومشاريع الدولة تذهب لمناطق لا تمس المواطن في شيء. 

كل هذا في ظل نظام يُمعن في تحميل الشعب فاتورة أخطائه، ويستنزف موارده في مشاريع لا طائل منها.

الحل؟ يبدأ بإعادة ترتيب الأولويات:

  • إلغاء خصخصة القطاع الصحي.

  • رفع مخصصات الصحة والتعليم بشكل دستوري حقيقي.

  • توفير وجبات مدرسية سليمة.

  • فرض رقابة صارمة على الأغذية والمصانع غير المرخصة.

  • تثقيف غذائي واسع النطاق.

  • إلغاء الإعلانات التجارية التي تروج للمنتجات الضارة بالصحة.

  • ربط التخطيط الاقتصادي بمصلحة الإنسان، لا بمصلحة الشركات أو المؤسسات الدولية.

 أنقذوا ما تبقى من الجسد المصري

في ظل اعتراف حكومي بإصابة 40% من المصريين بفقر الدم، لا بد من أن يدرك الجميع أن الإنسان المصري لم يعد يتحمل مزيدًا من الإهمال والجوع والمرض. 

الجوع لا يرحم، وسوء التغذية لا ينتظر، وإن كانت الأنيميا اليوم عنوانًا للأزمة، فغدًا قد يكون الانهيار التام للصحة العامة.

سياسات التجويع ليست قدرًا، بل نتاج قرارات فاسدة، ورؤية اقتصادية عاجزة، وإذا لم تتغير بوصلة الحكم لتضع المواطن في قلب المعادلة، فإن الجوع لن يكتفي بأجساد الضعفاء فقط، بل سيطال كل من شارك في صناعة هذه الكارثة.

اقرأ أيضًا : من دولة تصدّر الطاقة إلى دولة تتسوّل الغاز: فشل اقتصادي ممنهج في عهد السيسي