يكشف الصحفي الاستقصائي الأمريكي ماثيو كول، في الفصلين الحادي والعشرين والثاني والعشرين من كتابه «أمراء ولصوص»، تفاصيل بالغة السرية عن كواليس التحالف غير المعلن بين الإمارات وإسرائيل، والذي امتد لسنوات قبل توقيع اتفاقيات التطبيع الرسمية. ويميط الكتاب اللثام عن تورط أبوظبي في الموافقة المسبقة على اغتيال القيادي في حركة حماس محمود المبحوح، إلى جانب حملات تصفية داخلية استهدفت معارضي التطبيع، أبرزهم الشاعر الإماراتي حبيب الصايغ، وصولاً إلى تنسيق عمليات أمنية “وهمية” لتوريط إيران إقليمياً عبر شبكات معقدة من المرتزقة بتمويلات غامضة ارتبطت بجاريد كوشنر.
اغتيال المبحوح: ضوء أخضر إماراتي وخطأ للموساد
تعود جذور العلاقات السرية إلى عام 2006، حين سمحت أبوظبي بفتح مكتب دبلوماسي إسرائيلي سري في دبي تحت غطاء تجاري. وتوج هذا التعاون في يناير 2010 بموافقة مباشرة من محمد بن زايد على عملية اغتيال محمود المبحوح، المسؤول عن تسليح حركة حماس، داخل أراضي الإمارات، نظراً لعدائه الشديد للحركة.
نفذت وحدة «قيساريا» التابعة للموساد العملية في غرفة المبحوح بفندق في دبي عبر الصعق الكهربائي وحقن مادة مرخية للعضلات، ثم خنقه لإظهار الوفاة كحالة طبيعية. ورغم التنسيق المسبق، فوجئت القيادة الإماراتية بحجم الأخطاء الاستخباراتية والأدلة التي تركها فريق الموساد، مما أجبر شرطة دبي على كشف تفاصيل العملية علناً ونشر صور المنفذين ومطالبة الإنتربول بتوقيفهم، وهو ما أدى إلى إغلاق المكتب الإسرائيلي وتجميد العلاقات “علناً” فقط، بينما استمر التنسيق السري خلف الكواليس.
تصفية حبيب الصايغ: رسالة دموية لمعارضي التطبيع
مع تنامي التقارب الإماراتي الإسرائيلي، برزت أصوات معارضة داخل الديوان الأميري والأسرة الحاكمة، لاسيما تجاه تقديم مئات الملايين من الدولارات لجاريد كوشنر كضامن أمريكي للاتفاق. وفي هذا السياق، دفع الشاعر والصحفي الإماراتي البارز حبيب الصايغ (64 عاماً) حياته ثمناً لمعارضته.
الصايغ، الذي كان مقرباً من الأسرة الحاكمة ومؤيداً لسياساتها في قضايا عدة كحصار قطر، بدأ في صيف 2019 بانتقاد مساعي التطبيع في مجالسه الخاصة. وفي 11 أغسطس 2019، نشر مقالاً في صحيفة «الخليج» بعنوان “إسرائيل عدونا الحقيقي ومشروع خطر”. ورغم أن المقال لم ينتقد القيادة الإماراتية مباشرة، إلا أنه اعتبر تجاوزاً لخطوط حمراء.
اقتحمت قوة أمنية منزل الصايغ فجراً، ونقلته إلى منشأة سرية في أبوظبي حيث تعرض لتعذيب وحشي شمل اقتلاع أسنانه بكماشة وضربه بحزام معدني حاد. توفي الصايغ بين 16 و19 أغسطس، وسُلم جثمانه لعائلته ملفوفاً مع منعهم من رؤيته لتشوهه التام. ولمحو أي أثر للقضية، نعاه محمد بن زايد رسمياً، قبل أن تقوم قوة أمنية لاحقاً بنبش قبره ونقل رفاته إلى منطقة صحراوية مجهولة لمنع عائلته من زيارته، في رسالة ترهيب واضحة لكل من يعارض التطبيع.
فيليبي فيدال: مرتزق الموساد وشبكات التمويل السرية
يسلط الكتاب الضوء على شخصية فيليبي فيدال (الاسم الحركي: ماكس فارغاس / لودين كاستيو)، وهو متعاقد سابق مع المخابرات المركزية الأمريكية (CIA)، تحول للعمل كقاتل مأجور ضمن وحدة الاغتيالات في الموساد الإسرائيلي. وتؤكد مصادر استخباراتية مشاركته المحورية في تخطيط وتنفيذ اغتيال المبحوح في دبي.
انتقل فيدال لاحقاً للعمل مع “إريك برنس” (مؤسس بلاك ووتر) في تأسيس جيش سري من المرتزقة الأجانب لصالح محمد بن زايد. والمثير أن المخابرات الهولندية رصدت في عام 2019 تحويلات مالية تجاوزت 80 مليون دولار أمريكي لصالح فيدال من حساب سري يُدعى “ألفا”، وهو الحساب الذي أسسه محمد بن زايد ومحمد بن سلمان لتمويل أنشطة جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي ترامب، بعيداً عن الرقابة الحكومية.
تفجيرات الفجيرة: عملية “راية كاذبة” ضد إيران
ارتبطت التحويلات المالية الضخمة لفيدال بعملية تخريبية كبرى؛ ففي 12 مايو 2019، تعرضت أربع ناقلات نفط لهجمات قبالة سواحل الفجيرة. وبينما سارعت واشنطن والرياض وأبوظبي لاتهام إيران، كشف الكتاب بناءً على مصادر مطلعة أن العملية كانت “وهمية” (False Flag) نُفذت عن بُعد بواسطة مرتزقة إسكندنافيين.
أشرف فيليبي فيدال شخصياً على تنسيق هذه الهجمات ضمن خطة مشتركة بين الإمارات وإسرائيل تهدف إلى توريط إيران وتأجيج حملة “الضغط الأقصى” التي قادتها إدارة ترامب، لتبقى خيوط اللعبة الإقليمية مرتبطة بشبكة معقدة من المرتزقة، الأموال السرية، والتحالفات الاستخباراتية التي أُديرت بعيداً عن الأعين.