تحويلات عبر أذربيجان وحسابات في الإمارات وإسرائيل.. تحقيق استقصائي يثير تساؤلات بشأن العلاقات المالية السرية التي رافقت إعادة تشكيل الشرق الأوسط خلال ولاية ترامب الأولى.

أثار كتاب استقصائي أميركي مرتقب جدلاً واسعاً بعدما كشف عن مزاعم تتعلق بشبكة حسابات مصرفية سرية وتحويلات مالية بمليارات الدولارات، يُعتقد أنها ربطت جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومستشاره السابق، بقيادات بارزة في الإمارات والسعودية وإسرائيل، بالتزامن مع التحركات السياسية التي مهدت لاتفاقيات التطبيع وإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية.

ويحمل الكتاب، الذي ألّفه الصحافي الاستقصائي الأميركي ماثيو كول، عنوان «أمراء وصهاينة: المؤامرة السرية لجاريد كوشنر ومحمد بن زايد لإعادة تشكيل الشرق الأوسط»، فيما نشرت مجلة «فانيتي فير» مقتطفاً منه في 22 أكتوبر/تشرين الأول، تضمن روايات عن حسابات مالية وتحويلات عبر مؤسسات مصرفية في الإمارات وأذربيجان وإسرائيل.

اختراق استخباري يكشف حسابات سرية

بحسب الرواية التي يعرضها الكتاب، بدأت خيوط القضية أواخر عام 2017، عندما تمكنت الاستخبارات العسكرية الهولندية من تجنيد قرصان روسي مرتبط بالاستخبارات العسكرية الروسية، ما أتاح لها الوصول إلى بيانات وصور مأخوذة من هاتف كوشنر الشخصي.

ويزعم المؤلف أن الاستخبارات الهولندية تمكنت لاحقاً من مراقبة نشاط الهاتف، لتكتشف استخدام كوشنر حساباً مصرفياً في الإمارات استقبل تحويلات بمئات الملايين من الدولارات عبر مصرف في أذربيجان.

ويربط الكتاب هذه التحركات المالية بتقاطع مصالح سياسية بين محمد بن زايد ومحمد بن سلمان وكوشنر، شملت تعزيز موقع القيادة السعودية الجديدة، والضغط لإسقاط الاتفاق النووي الإيراني، والدفع نحو تسوية فلسطينية إسرائيلية تفتح الطريق أمام تطبيع اقتصادي وسياسي أوسع.

حساب «ألفا».. 750 مليون دولار عبر أذربيجان

يتحدث الكتاب عن حساب مصرفي سري يحمل الاسم الرمزي «ألفا»، لدى بنك أبوظبي الأول، ويزعم أنه استقبل نحو 750 مليون دولار من مصادر سعودية وإماراتية منذ عام 2017.

ووفقاً للمؤلف، مرت التحويلات عبر مصارف أذربيجانية قبل وصولها إلى الإمارات، باستخدام ترتيبات مالية يُعتقد أنها أتاحت إخفاء المصدر الأصلي للأموال مقابل عمولات مرتفعة.

واللافت في الرواية أن الحساب لم يكن مسجلاً باسم كوشنر، وإنما باسم مؤسسة «وطني الإمارات»، التي يصفها الكتاب بأنها جهة مرتبطة بالحكومة الإماراتية.

ويزعم المؤلف أن محمد بن زايد وشقيقه طحنون بن زايد منحا كوشنر صلاحية التوقيع على الحساب، بما يتيح له التصرف في الأموال دون أن يظهر مالكاً رسمياً لها.

وتبقى هذه التفاصيل اتهامات واردة في الكتاب، ولا تمثل في حد ذاتها إثباتاً قضائياً لوجود الحساب أو لطبيعة الصلاحيات المزعومة.

مليار دولار إلى إسرائيل لحساب كوشنر

أما الرواية الأكثر إثارة للجدل فتتعلق بحساب ثانٍ يحمل الاسم الرمزي «بيتا»، إذ يزعم الكتاب أن محمد بن زايد حوّل نحو مليار دولار إلى إسرائيل بحلول ربيع عام 2018، عبر أذربيجان، ضمن ترتيبات مالية مرتبطة بكوشنر.

ويقول المؤلف إن رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شجع على إيداع الأموال في البنك المركزي الإسرائيلي، وإن التصرف فيها كان يخضع لترتيبات تفويض خاصة.

وبحسب الرواية، كان كوشنر مطالباً بإبلاغ نتنياهو قبل إجراء بعض التحويلات، من خلال السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل ديفيد فريدمان، فيما نُقل جزء من الأموال لاحقاً إلى حسابات مصرفية في قبرص.

غير أن كوشنر وفريدمان نفيا هذه المزاعم، وهو ما يجعل الرواية محل خلاف يستدعي التحقق المستقل، خصوصاً أنها تتضمن اتهامات مالية وسياسية بالغة الخطورة.

ترتيبات دفاعية سرية بين الإمارات وإسرائيل

ويتناول الكتاب حساباً ثالثاً يقول إنه نشأ في سياق التقارب الإماراتي الإسرائيلي قبل الإعلان الرسمي عن اتفاقيات التطبيع عام 2020.

ووفقاً للمؤلف، ارتبط الحساب بتفاهمات ناقشها كوشنر بشأن تقديم إسرائيل مساعدة دفاعية للإمارات في حال تعرضها لهجوم إيراني واسع، مقابل ترتيبات مالية إضافية.

وتطرح هذه المزاعم تساؤلات بشأن مدى تطور العلاقات الأمنية بين أبوظبي وتل أبيب قبل إعلان التطبيع، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات وجود اتفاق دفاعي سري نافذ أو تنفيذ التحويلات المذكورة.

صندوق سري يتجاوز 10 مليارات دولار

ومن بين أبرز ما يتضمنه الكتاب مزاعم عن مناقشات جمعت محمد بن زايد ومحمد بن سلمان وكوشنر لإنشاء صندوق مالي سري تتجاوز قيمته عشرة مليارات دولار.

ويقول المؤلف إن الفكرة تضمنت تمويل أهداف سياسية مرتبطة بإدارة ترامب، من بينها دعم مشروع الجدار الحدودي مع المكسيك، بما قد يخدم فرص الرئيس الأميركي في الفوز بولاية ثانية.

وبحسب الرواية، لم يُنفذ المشروع بصيغته الأولى، لكنه مهد لترتيبات مالية أخرى يُزعم أنها تضمنت إيداع ما لا يقل عن ملياري دولار في حسابات مرتبطة بكوشنر.

ويربط الكتاب هذه التحركات أيضاً بالضغوط المالية التي كانت تواجه أعمال عائلة كوشنر، ولا سيما الالتزامات المرتبطة بالعقار المعروف بعنوان «666 فيفث أفينيو» في نيويورك.

شبهات تضارب مصالح وأسئلة قانونية

تثير المزاعم المنشورة تساؤلات بشأن احتمال تضارب المصالح بين الدور الرسمي الذي شغله كوشنر داخل البيت الأبيض وعلاقاته المالية المزعومة مع حكومات أجنبية.

وينقل المؤلف عن مسؤولين سابقين في إدارة ترامب أنهم لم يكونوا على علم بتفويض رئاسي يسمح بالترتيبات الواردة في الكتاب.

كما يطرح احتمال وجود مخالفات قانونية إذا ثبت حصول مسؤول حكومي أميركي على أموال أو صلاحيات مالية مقابل تعهدات أو خدمات سياسية لصالح جهات أجنبية.

لكن إثبات هذه المخالفات يتطلب أدلة مستقلة وتحقيقات رسمية، ولا يمكن اعتباره نتيجة محسومة استناداً إلى المقتطف المنشور وحده.

الوجه المالي الخفي لاتفاقيات التطبيع؟

تكتسب الرواية أهميتها من الفترة التي تتناولها، إذ تزامنت التحركات المزعومة مع صعود محمد بن سلمان إلى ولاية العهد السعودية، وتعزيز محمد بن زايد نفوذه الإقليمي، وتولي كوشنر إدارة ملفات حساسة تتعلق بإسرائيل والقضية الفلسطينية والعلاقات مع دول الخليج.

كما سبقت هذه المرحلة إعلان اتفاقيات التطبيع بين الإمارات وإسرائيل عام 2020، ما يفتح باب التساؤل بشأن ما إذا كانت المصالح المالية الخاصة قد تداخلت مع القرارات السياسية الكبرى التي أعادت رسم العلاقات الإقليمية.

وفي حال ثبوت هذه الادعاءات، فإن تداعياتها قد تتجاوز شبهات الفساد المالي إلى مساءلة أوسع بشأن تأثير الأموال والعلاقات الشخصية في صناعة السياسة الخارجية الأميركية.

ومع ذلك، فإن ما نُشر حتى الآن يظل رواية استقصائية تتضمن اتهامات خطيرة، بعضها منفي من الأطراف المعنية، وليس حكماً قضائياً أو إثباتاً نهائياً لوجود شبكة التمويل المزعومة.

وتبقى أهمية الكتاب في الأسئلة التي يطرحها بشأن العلاقة بين المال والنفوذ والتطبيع، ومدى ارتباط التحولات السياسية التي شهدها الشرق الأوسط بمصالح مالية لم تكن معلنة للرأي العام.