في لحظة فارقة من كمين مُحكم لكتائب القسام في بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة، لقي الجندي غالب النصاصرة حتفه، وهو من عرب النقب، ويخدم ضمن ما يُعرف بـ”كتيبة الاستطلاع الصحراوية” أو “كتيبة قص الأثر” في جيش الاحتلال الإسرائيلي.
لم يكن مقتله حدثًا عابرًا، بل سلط الضوء من جديد على واحدة من أكثر التشكيلات إثارة للجدل داخل بنية الاحتلال، تلك الكتيبة التي تتكوّن في معظمها من جنود بدو، يُستخدمون كأدوات في خطوط المواجهة الأمامية، وغالبًا ما يُدفعون إلى مصير دموي مقابل فتات امتيازات لا ترقى إلى مستوى إنساني.
لكن، من هم هؤلاء “القصاصون”؟ ولماذا تتكرر خسائرهم؟ وما الذي يدفعهم، رغم الرفض الشعبي العام في أوساط فلسطينيي الداخل، إلى الانخراط في صفوف الاحتلال؟ وهل يكافئهم الاحتلال فعلاً على دمائهم؟

الجذور والتكوين: تأسيس بدوي تحت قناع “يهودي”
ترجع جذور “كتيبة قص الأثر” إلى سبعينيات القرن الماضي، حيث أسّسها ضابطان من أصول بدوية: عبد المجيد المزاريب، المعروف باسمه العبري “عاموس يركوني”، وحسن الهيب، أول بدوي يُرقّى إلى رتبة عقيد في جيش الاحتلال.
لعب الاثنان دورًا رئيسيًا في وضع اللبنات الأولى لتلك الكتيبة، التي أُلحقت لاحقًا بلواء غفعاتي ضمن سلاح المشاة، وأنيطت بها مهمات شديدة الحساسية، مثل مراقبة حدود قطاع غزة، والمنطقة الفاصلة مع مصر، ومحور فيلادلفيا.
تتألف الكتيبة من خمس سرايا، تضم كل منها ما بين 50 إلى 250 جنديًا، يعملون أساسًا ضمن فرقة غزة بقطاعيها الشمالي والجنوبي، بالإضافة إلى مهام استخباراتية ولوجستية في أجهزة الشرطة والمخابرات ووحدة “مرعول” المتخصصة في قص الأثر، والتي تُعد منفصلة عن هذه الكتيبة، وتشمل جنودًا من خلفيات غير بدوية، خصوصًا اليهود الشرقيين.
واقع البدو: تهميش واستغلال تحت بند “الهوية الوطنية”
لا ينتمي أفراد الكتيبة البدوية إلى فئة اجتماعية تنعم بالامتيازات التي يدّعي الاحتلال منحها لهم، بل هم من أكثر المجتمعات تهميشًا داخل الكيان الإسرائيلي.
يعيش أغلبهم في قرى لا يعترف بها الاحتلال أصلًا، ويفتقر كثير منهم إلى الجنسية الكاملة، خصوصًا أولئك الذين جرى تهجيرهم من سيناء إلى صحراء النقب عقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد.
في ظل هذا التهميش، يقدّم الاحتلال برامج تجنيد خاصة تستهدف أبناء القبائل البدوية، مستغلًا حاجتهم للمال والخدمات الأساسية، ليزجّ بهم في معركة ليست معركتهم، ويصوّرهم زيفًا على أنهم ممثلون شرعيون للبدو، في حين أن نسبتهم ضئيلة للغاية.
تشير دراسات إلى أن الغالبية الساحقة من بدو فلسطين يرفضون التجنيد، ويعتبرون من ينخرطون في صفوف الاحتلال “خارجين عن الهوية والانتماء الوطني”.
تقنيات قص الأثر: بين الحواس البشرية والتكنولوجيا
تتلقى عناصر كتيبة قص الأثر تدريبات نوعية تتركز على تتبع آثار الأقدام في مختلف أنواع التضاريس. يتم تعليمهم تمييز الفرق بين آثار البشر والحيوانات، وتحديد جنس الشخص وعمره التقريبي من خلال شكل الأثر وعمقه، وصولًا إلى تحليل طريقة الحركة وحتى التعبيرات الانفعالية من خلال الآثار.
ورغم دخول الطائرات المسيرة والأجهزة التكنولوجية إلى منظومة العمل، لا يزال الجانب الحسي هو الأساس في العمليات. هذه المهارات تُستثمر خصوصًا في المناطق العازلة، حيث يسعى الاحتلال لرصد المقاومين ومنع عمليات التسلل، أو اكتشاف فتحات الأنفاق. ولكن، هذا العمل الحرج جعل أفراد الكتيبة أول مَن تطالهم نيران المقاومة.
من يُستنزَف أولًا؟ خسائر الكتيبة في واجهة المواجهة
منذ اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000، تلقّت الكتيبة البدوية ضربات موجعة، حيث دفعها الاحتلال إلى الواجهة في نقاط التماس والمراقبة على حدود غزة، في حين أبقى جنوده من أصول يهودية في الصفوف الخلفية. هذا التوظيف العنصري أدى إلى مقتل العشرات منهم خلال عمليات التسلل والاشتباكات، وحتى أثناء عمليات تتبع الأنفاق.
من أبرز الحوادث المأساوية، عملية “أنفاق الجحيم” التي استهدفت معبر رفح وأسفرت عن مقتل خمسة من أفراد الكتيبة. كما شهدت حالات نفسية صعبة أدت ببعض الجنود إلى الانتحار، مثل الرقيب محمد الهيب، الذي أُصيب بصدمة نفسية جراء العدوان على غزة، قبل أن يُطلق النار على نفسه قرب السياج الحدودي بعد أسابيع من العلاج.
خلال العدوانات المتكررة على قطاع غزة، كانت كتيبة قص الأثر في الواجهة دومًا، تُكلَّف بالبحث عن الأنفاق أو التحركات المريبة، ما جعلها فريسة سهلة لكمائن المقاومة التي تنصبها داخل الأنفاق أو المناطق الزراعية الحدودية.
كتيبة في أزمة: فشل المشروع وتفكك الولاء
إن مقتل الجندي غالب النصاصرة، رغم كل الاحتفاء الإسرائيلي به إعلاميًا، يسلّط الضوء على الإخفاق الذاتي لمشروع “تجنيد البدو” في جيش الاحتلال. فالمؤسسة العسكرية التي استثمرت في هذه الكتيبة لعقود، تكتشف يومًا بعد آخر أن عنصر “الولاء” لا يُشترى بالراتب أو بالخدمات المؤقتة، خاصة حين يُقابَل “الولاء” بالتهميش والتمييز واحتقار الهوية.
يحاول الاحتلال تسويق هؤلاء الجنود كصورة لـ”الاندماج” و”التعددية”، لكنهم يبقون في نظر الدولة مجرد أدوات مؤقتة في معارك لا تضعهم في الحسبان، إلا حين يتعلق الأمر بالتضحية.
من جانب آخر، فإن تكرار الكوارث التي تقع فيها الكتيبة، بسبب الثقة المفرطة في “الحواس” أمام التطور الهائل في أساليب المقاومة، يؤكد أن الكتيبة باتت عبئًا على جيش الاحتلال لا مكسبًا، سواء من الناحية العملياتية أو الإعلامية.
ختام: فخاخ المقاومة تنتصر.. والهوية لا تُقايض
لا تكشف قصة “قص الأثر” عن حكاية نجاح أمني بقدر ما تفضح هشاشة مشروع الاحتلال في اختراق مكونات الشعب الفلسطيني الأصلية. ورغم كل ما يُقال عن التكامل والاحتواء، يظل واقع كتيبة قص الأثر صادمًا: جنود منبوذون مجتمعيًا، مُستغلّون سياسيًا، ومستهلكون عسكريًا.
مقتل النصاصرة ليس مجرد “سقوط في فخ”، بل انعكاس لأزمة بنيوية في عقيدة الاحتلال الأمنية: كلما توسع في استغلال المهمشين، ازداد هشًا من الداخل، لأن “الأثر الحقيقي” لا يُقص، بل يُقاوَم.
اقرأ أيضًا : ألماس الإمارات.. بريقه في تل أبيب ودمه في غزة