امرأة شابة ترتدي عباءة سوداء، تقف بخوف على حافة نافذة في الطابق الثاني بإحدى مدن شمال غرب السعودية. في صورة أخرى، يظهر عدد من الرجال وهم يستخدمون رافعة لإنزالها من ذلك المكان المرتفع. هوية المرأة غير معروفة، لكنها كانت تُحتجز – بحسب ما تداوله نشطاء – في أحد ما يُعرف بـ”سجون التأهيل” السعودية، وهي مؤسسات مغلقة تُرسل إليها النساء من قِبل عائلاتهن أو أزواجهن بتهم “العصيان”، أو الدخول في علاقات جنسية خارج الزواج، أو التغيب عن المنزل دون إذن.

تُعد هذه الصور من اللقطات النادرة التي تسلط الضوء على مصير مئات وربما آلاف الفتيات والنساء الشابات المحتجزات في هذه المؤسسات، حيث يُفترض أن تتم “إعادة تأهيلهن” قبل إعادتهن إلى أسرهن. لكن وفقًا لشهادات وثقتها صحيفة الغارديان البريطانية على مدى ستة أشهر، فإن هذه المؤسسات التي تُطلق عليها الحكومة اسم “دور الرعاية” ليست سوى سجون مغلقة، تعجّ بالضرب والجلد، والتعليم الديني القسري، والعزلة التامة عن العالم الخارجي، لدرجة أن محاولات الانتحار والانتحار نفسه أصبحت حوادث متكررة داخلها.

وتؤكد النساء أنهن يُحتجزن لسنوات، ولا يُسمح لهن بالمغادرة إلا بموافقة عائلاتهن أو أولياء أمورهن من الذكور، حتى لو كانوا هم الجناة الذين أساؤوا إليهن.

إحدى النساء الشابات اللواتي تمكنّ من الفرار إلى الخارج قالت:

“كل فتاة سعودية تعرف دار الرعاية وتخافها. إنها كالجحيم. عندما علمت أنني سأُنقل إليها حاولت الانتحار. كنت أعلم ما يحدث هناك، وقلت لنفسي: لن أخرج حية من هذا المكان”.

الناشطة السعودية المقيمة في لندن، مريم الدوسري، أوضحت أن “الفتاة أو المرأة تبقى في دار الرعاية حتى تقبل القواعد والشروط المفروضة عليها من الدولة أو العائلة”.

وفي الوقت الذي تحتفل فيه السعودية بحصولها على حق استضافة كأس العالم للرجال لعام 2034، وتروّج لنفسها في المحافل الدولية كدولة إصلاحية، لا تزال النساء اللاتي طالبن علنًا بالمزيد من الحقوق والحريات يتعرضن للإقامة الجبرية أو السجن. وتؤكد ناشطات أن “دور الرعاية” هي إحدى الأدوات غير المعروفة كثيرًا التي يستخدمها النظام السعودي في قمع النساء وإخضاعهن، مطالبات بإغلاق هذه المؤسسات نهائيًا.

المسؤولون السعوديون يدّعون أن “دور الرعاية” – التي أُنشئت في الستينيات – تهدف إلى “إيواء الفتيات المتهمات أو المدانات بجرائم مختلفة”، ويتم فيها “تأهيل النزيلات” نفسيًا حتى يتم إرجاعهن إلى أسرهن.

لكن الناشطة سارة اليحيى، التي أطلقت حملة لإلغاء هذه الدور، كشفت عن شهادات صادمة لفتيات تعرضن للتفتيش العاري، وفحوصات عذرية عند الوصول، كما يُعطى لهن مهدئات لإبقائهن في حالة خمول دائم.

تقول سارة: “هذا ليس دار رعاية، بل سجن كامل. ينادون بعضهن بالأرقام. يقولون: ‘رقم 35، تعالي’. وإذا ذكرت إحداهن اسم عائلتها، تُجلد. إذا لم تأت مسرعة، تُجلد. إذا وُجدت مع فتاة أخرى بمفردهما، تُتهم بالشذوذ وتُجلد أمام الحارسات، والكل يشاهد”.

سارة، التي تبلغ اليوم 38 عامًا وتعيش في المنفى، تروي أن والدها كان يهددها بإرسالها إلى دار الرعاية منذ أن كانت في سن 13 عامًا. وتضيف:

“كان يهددني بذلك إذا رفضت اعتداءاته الجنسية. الكثير من الفتيات يُخيّرن بين السجن في دار الرعاية أو البقاء في بيت العائلة الذي يعتدي عليهن. الدولة تجعل مساعدة النساء الهاربات جريمة. أعرف امرأة حُكم عليها بالسجن ستة أشهر لأنها قدمت مأوى لفتاة هاربة من العنف الأسري”.

وتتابع: “إذا تم اغتصابك أو حملت من والدك أو أخيك، تُرسلين أنت إلى دار الرعاية لحماية سمعة العائلة، وليس المجرم”.

أمينة*، تبلغ من العمر 25 عامًا، قالت إنها لجأت إلى دار رعاية في مدينة بريدة بعد تعرضها للضرب على يد والدها. تصف المبنى بأنه “متهالك وموحش”، والموظفات “باردات وغير متعاونات”، وكن يسخرن من حالتها ويقلن لها إن غيرها يعشن ظروفًا أسوأ.

في اليوم التالي، تم استدعاء والدها إلى الدار، وتم الطلب منهما كتابة شروط المصالحة.

تقول أمينة: “طلبت ألا أُضرب، وألا أُجبر على الزواج، وأن يُسمح لي بالعمل. بينما كتب والدي أن أطيع الجميع، ولا أغادر المنزل دون إذن، وأن أرافق دائمًا رجلًا من العائلة. وقعتُ على الشروط خوفًا، لم يكن لدي خيار”.

لكن العنف استمر بعد عودتها إلى المنزل، وانتهى بها الأمر إلى الهروب خارج البلاد.

“كنت وحيدة وخائفة. شعرت أني سجينة في بيتي، بلا حماية، بلا عدالة. كأن حياتي لا تعني شيئًا لأحد”.

شمس* كانت في السادسة عشرة من عمرها عندما جاءت امرأة إلى مدرستها لتروي لتلميذات الفصل تجربتها داخل دار الرعاية.

قالت الفتاة إنها أقامت علاقة مع شاب، وقبضت عليها الشرطة الدينية، وأجبرتها على الاعتراف لوالدها. ثم تخلت عنها عائلتها، ورفض الشاب الزواج منها بعد أن أصبحت حاملًا، فأُرسلت إلى دار الرعاية.

قالت للفصل: “المرأة التي تمارس الجنس تصبح رخيصة، والرجل يبقى رجلًا مهما فعل. أما المرأة الرخيصة، فستبقى رخيصة إلى الأبد”.

ليلى*، وهي لا تزال تعيش في السعودية، أُخذت إلى دار الرعاية بعدما أبلغت الشرطة عن تعرضها للعنف من والدها وإخوتها. لكنهم اتهموها بجلب العار للعائلة بعد أن نشرت عن حقوق النساء على مواقع التواصل. لم تُطلق سراحها إلا بعد موافقة والدها، رغم أنه المعتدي.

ناشطة سعودية طلبت عدم ذكر اسمها قالت:

“هؤلاء النساء لا يملكن شيئًا. قد يُتركن هناك لسنوات دون ارتكاب جريمة. الطريق الوحيد للخروج هو عبر ولي الأمر، أو الزواج، أو القفز من النافذة. بعض كبار السن أو أصحاب السوابق يبحثون عن زوجات داخل تلك المؤسسات. بعض النساء يوافقن كحل أخير للخروج”.

الناشطة فوزية العتيبي، التي فرت من البلاد عام 2022، قالت إن المجتمع يرى أن المرأة تستحق أن تكون في هذه المؤسسات، ويعتبر أن الدولة تقدم لهن الحماية.

“لا أحد يجرؤ على التغريد عن هذه الأماكن. لا أحد يسأل عنك إذا دخلتِ هناك. يجعلك النظام تشعرين بالخزي وكأنك أنت المذنبة”.

وتطالب الناشطات بإنهاء هذا النظام واستبداله بمراكز حماية حقيقية للنساء المعنفات.

“بعض النساء لديهن عائلات محترمة لا تؤذيهن، لكن الكثيرات يعشن في قهر وصمت. الدولة تدعم هذا القهر من خلال هذه المؤسسات. هدفها ليس الحماية بل السيطرة والتمييز ضد النساء”.

منظمة “القسط” لحقوق الإنسان وصفت دور الرعاية بأنها أدوات قمعية بيد الدولة لفرض القيم الذكورية، وتتناقض تمامًا مع الصورة التي تروّج لها السعودية عن تمكين النساء.

وأكدت نادين عبد العزيز، مسؤولة الحملات في المنظمة:

“إذا كانت السلطات السعودية جادة فعلًا في حقوق المرأة، فعليها أن تلغي هذه السياسات التمييزية، وأن تتيح إقامة مراكز حماية حقيقية تحمي النساء بدلًا من معاقبتهن”.

ملاحظة: *الأسماء الواردة في هذا التقرير قد تم تغييرها حفاظًا على سلامة صاحباتها