من البحر الأحمر إلى الساحل الأفريقي، تمدّ الإمارات نفوذها في القارة ببطءٍ محسوب وبصوتٍ منخفض، ثم تترك النتائج تتكلم وحدها: موانئ تُدار بعقود طويلة، مسارات لوجستية تُعاد هندستها، تجارة سلع ومعادن تُفتح لها بوابات دبي، ثم—حين تنفجر الحروب—تظهر على الأرض قوى مسلحة قادرة على القتال والتمدد والشراء والاستمرار وكأن خزائن لا تنضب تقف خلفها.
لم تكن حرب السودان مجرد انفجار داخلي بين جنرالات متنافسين على السلطة، بل تحوّلت سريعًا إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية، وتتشابك فيها تجارة الذهب مع السلاح والنفوذ، وإلى المكان الذي انكشف فيه هذا النمط الإماراتي بأقسى صورة. منذ اندلاع القتال في 2023 بين القوات المسلحة السودانية وميليشيا قوات الدعم السريع، لم تعد الحرب مجرد صراع داخلي على السلطة، بل تحولت إلى اقتصاد حرب كامل، له ممولون ومسارات تهريب ومراكز تكرير ومرافئ سياسية وإعلامية تمنحه الغطاء. حكومة السودان وجيشه وجّها اتهامات مباشرة للإمارات بتقديم دعم لقوات الدعم السريع، بينما تحدث مسؤولون أوروبيون عن أنهم أثاروا مع أبوظبي مخاوف بشأن ما نُقل عن تقديم دعم للميليشيا، والإمارات تنكر. وبين الاتهام والنفي يتقدم سؤال واحد إلى الواجهة كلما ارتفعت حصيلة القتل واتسعت دائرة التهجير: من أين تأتي القوة المالية التي تُبقي هذه الميليشيا واقفة، مسلحة، قادرة على شراء الولاءات والسلاح والوقود والذخيرة، فيما الدولة تتفتت والناس تُسحق؟
في هذا الأسبوع، قالت بعثة أممية لتقصي الحقائق إن الفظائع المنسوبة لقوات الدعم السريع في الفاشر، عاصمة شمال دارفور وإحدى آخر المدن الكبرى في الإقليم التي بقيت خارج سيطرة الدعم السريع، تحمل “سمات الإبادة الجماعية”. هذه ليست عبارة إنشائية، بل توصيف شديد الوطأة يضع التمويل في قلب الجريمة، لأن الإبادة لا تحدث بتلقائية الفوضى وحدها؛ تحتاج إلى تنظيم وقدرة واستمرارية. هنا تحديدًا تلتفت الأنظار إلى مصادر المال، وإلى الذهب الذي صار العمود الفقري لاقتصاد الحرب في السودان، وفي الوقت نفسه أحد أسرار ازدهار دبي كمركز عالمي لتجارة الذهب.
الإمارات، عبر بيان لوزارة الخارجية نُقل في سياق هذه القضية، حاولت قطع الطريق على الاتهامات من زاوية قانونية-سياسية باردة: قيل إن تقارير الأمم المتحدة الأخيرة “لا تشير إلى الإمارات”، وإنها لم تجد أدلة تُدينها بانتهاك القانون الدولي في السودان، ووُصفت الاتهامات بأنها “لا أساس لها”. ثم جاء الجزء الذي يُستخدم عادة كدرع أخلاقي: إدانة فظائع قوات الدعم السريع، وإدانة أيضًا ما قيل إنه فظائع ارتكبتها السلطات السودانية في بورتسودان، مقر الحكومة الفعلي للجيش، والتشديد على أن مستقبل السودان يجب أن يُؤمَّن عبر انتقال مدني مستقل تقوده قوى مدنية، بعيدًا عن طرفي الحرب والجماعات المتطرفة. هذه الصياغة تُحاول الظهور في موقع “الوسيط الأخلاقي” الذي يرفض انتهاكات الجميع، لكنها تتجاهل النقطة التي لا تهرب منها الوقائع: إدانة الجرائم لا توقف الحرب إذا كانت هناك دورة تمويل مستمرة، والحديث عن انتقال مدني لا يشرح كيف تحولت ميليشيا إلى قوة مالية-عسكرية عابرة للأقاليم تملك القدرة على إدارة مناجم وتنظيم شبكات شراء وتصدير بينما البلاد تحترق.
في مقابلة صحفية مع مارك لافيرغن، مدير الأبحاث الفخري في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، أكد أن كلمة السر لهذه الحرب: الذهب. حين سُئل عن مدى مركزية السودان في استراتيجية الإمارات الأوسع في أفريقيا، لم يبدأ بالدبلوماسية ولا بالشعارات، بل قال إن كل شيء “يعود إلى الذهب وإلى دبي”، موضحًا أن دبي هي أكبر سوق ذهب في العالم، وأن السودان يمتلك احتياطيات ضخمة جعلته يتقدم ليصبح المنتج الأول للذهب في أفريقيا. في توصيف شديد المباشرة، قال إن الذهب موجود عبر مساحة السودان الهائلة “إلى حد أنك تكاد تنحني لتلتقطه”، في إشارة إلى حجم الانتشار وسهولة الاستخراج الأهلي.
ثم انتقل إلى البعد الذي يهمنا هنا: عشرات الآلاف من المنقبين الأهليين الذين يأتون من أنحاء أفريقيا والساحل “يخدشون” الأرض بحثًا عن الذهب، لكن هؤلاء لا يعملون داخل اقتصاد دولة، بل داخل اقتصاد قوة مسلحة؛ إذ قال إن هؤلاء المنقبين “تسيطر عليهم قوات الدعم السريع”، التي تجمع الذهب وتتجاوز البنك المركزي والقنوات الرسمية، ثم “يُنقل جوًا مباشرة إلى دبي للتكرير”. بهذه الجملة وحدها تصبح الحلقة مفهومة: ذهب خارج الرقابة، سيطرة ميليشيا، طائرات إلى دبي، تكرير ودمج في السوق العالمية، ثم عائدات تُعيد تشغيل ماكينة الحرب.
لافيرغن لم يترك الأمر في مستوى توصيف تجارة، بل وصف النتائج السياسية: هذا التدفق—بحسب شرحه—يضمن ازدهار قوات الدعم السريع، وفي الوقت نفسه يضمن ازدهار دبي، وهنا تكمن “السببية” التي تفسر لماذا حاول الجيش السوداني استعادة السيطرة على الموارد. قال إن الجيش أمر الدعم السريع “بالانضباط” والاندماج تحت سلطة المؤسسة العسكرية، عبر ارتداء الزي العسكري واعتماد الرتب والخضوع لسلطة الجنرالات الذين حكموا الخرطوم منذ الاستقلال عام 1956 “تقريبًا بلا انقطاع”. لكنه أضاف شيئًا بالغ الدلالة: هؤلاء الجنرالات، المدعومون من مصر ومن أنظمة عسكرية أخرى في الإقليم، يحتاجون هم أيضًا إلى الموارد، لا لكي يطوروا البلاد، بل لكي يخدموا مصالح الجيش والمؤسسات العسكرية وضباطها. بهذا تصبح الحرب صراعًا على الخزائن قبل أن تكون صراعًا على الشعارات، ويصبح الذهب هو العملة التي تطيل عمر السلاح لدى الطرفين، مع فارق أن أحد الطرفين—وفق هذا المسار—يملك منفذًا خارجيًا بالغ الفعالية عبر دبي.
وحين انتقلت أسئلة المقابلة إلى تموضع الإمارات وسط الشركاء والقوى الأخرى في الإقليم، قدّم لافيرغن صورة مركبة تُفسر كيفية عمل الدولة: الإمارات اتحاد، أبوظبي مركزه السياسي، دبي مركز أعماله، الإدارة أشد تمركزًا في أبوظبي، وهناك منافسة—بل شكل من أشكال التنافس البنيوي—مع السعودية. قارن بين الحجم السكاني للإمارات، التي قال إن عدد سكانها نحو 10 ملايين وأن المواطنين الإماراتيين لا يتجاوزون نحو 20% فيما البقية عمالة مهاجرة، وبين السعودية التي يبلغ سكانها نحو 40 مليونًا وغالبيتهم سعوديون.
ثم وضع المنافسة ضمن إطار “رؤى 2030”، باعتبارها مشاريع قيادة إقليمية تتجسد في محمد بن سلمان في السعودية وفي محمد بن زايد في الإمارات، مع وجود لاعبين خليجيين آخرين قد يكونون منافسين أو حلفاء حسب اللحظة مثل قطر والكويت وبقية دول مجلس التعاون. هذه الخلفية ليست ديكورًا سياسيًا؛ معناها أن أفريقيا، والسودان تحديدًا، ليست ساحة “مساعدات” بل ساحة سباق نفوذ وموارد، يُدار بمنطق الدولة الصغيرة التي تعوض محدودية السكان بضخامة المال وسرعة الحركة واختيار وكلاء محليين يحققون لها نتائج على الأرض بأقل كلفة سياسية مباشرة.
وعندما سُئل لافيرغن عن متى تبلورت هذه الاستراتيجية الإماراتية في أفريقيا، لم يتعامل معها كولادة مفاجئة، بل كامتداد تاريخي. ذكّر بأن الساحل الذي تقوم عليه الإمارات كان يُعرف في الحقبة البريطانية بـ“ساحل القراصنة”، وأن هذه المجتمعات لها روابط قديمة جدًا بأفريقيا، وأن شبكات التجارة كانت تمتد عبر شرق أفريقيا إلى عمق القارة وتشمل العاج والعبيد وسلعًا أخرى قبل الاستعمار الأوروبي. قال إن إثيوبيا بقيت تاريخيًا خارج هذا المجال، لكن دولًا مجاورة مثل الصومال وإريتريا والسودان ظلت مرتبطة طويلًا بالعالم الخليجي. بهذه القراءة تصبح حركة الإمارات اليوم استمرارًا لروابط قديمة، لكن في نسخة “مُحدّثة وأكثر اندفاعًا وحسمًا” تستخدم أدوات المال والشركات والموانئ والأمن بدل القوافل القديمة.
كما سُئل لافيرغن عن دعم مسلح لقوات الدعم السريع، والأخبار التي تحدثت عن نقل مرتزقة إلى السودان، بما في ذلك الحديث عن وصول بعضهم من أميركا الجنوبية. السؤال لم يكن عن “هل هذا صحيح؟” بقدر ما كان عن “كيف تفسر الإفلات من العقاب؟” ولماذا لا يدفع الشركاء الكبار في أوروبا والولايات المتحدة باتجاه مساءلة حقيقية؟ هنا قال لافيرغن إن الإمارات لا “تخضع لإملاءات واشنطن أو غيرها”، وإنها حين تتدخل لدعم قوى هامشية مثل الدعم السريع أو لاعبين مشابهين في أماكن أخرى من أفريقيا، فهي تعمل داخل دول فاشلة “تفيض بموارد قابلة للاستغلال”. ثم جاءت الجملة التي تكسر قناع الشرعية: “الشرعية الدولية ليست عاملًا حاسمًا”.
وأوضح أن أحدًا ليس في موقع يسمح له بمواجهة الإمارات لأن الإمارات باتت تلعب—في نظر كثيرين—دورًا لا يمكن الاستغناء عنه على المسرح العالمي، وأن الولايات المتحدة لم تعد تعمل كضامن للنظام العالمي، بل على العكس “تفتح الباب لنوع من الفوضى العالمية”، وفي مثل هذا المناخ لا تتردد دول صغيرة لكنها قوية مثل الإمارات في العمل خارج القانون الدولي، سواء بدعم حركات متمردة أو حتى—في بعض الحالات—قوى قد يصفها آخرون بالإرهابية. هذه ليست شتيمة سياسية، بل توصيف لطريقة عمل: دولة تملك المال والبوابات والأسواق، وتستثمر فراغ النظام الدولي، فتتحرك حيث لا توجد محاكمات ولا مساءلات، ثم تُحسن إدارة صورة “الشريك الضروري” كي يبقى الآخرون صامتين.
بهذا الشكل تتضح الصورة التي تُحاول أبوظبي طمسها بالبيانات: السودان بالنسبة للإمارات ليس مجرد ملف إنساني أو نزاع بعيد، بل نقطة ارتكاز في شبكة نفوذ أفريقية تتغذى من الموانئ واللوجستيات والسلع، وفي مقدمتها الذهب. كلما اتسعت مساحة الذهب خارج سيطرة الدولة السودانية، ازداد وزن من يملك القدرة على جمعه ونقله وبيعه وتكريره. وكلما أصبحت دبي محطة تكرير محورية، تحولت من سوقٍ إلى أداة قوة. المشكلة ليست في تجارة الذهب كمفهوم، بل في أن الذهب السوداني—وفق هذا المسار—يخرج من بلد ممزق بالسلاح، من مناطق تهيمن عليها ميليشيا، عبر مسارات تتجاوز البنك المركزي والقنوات الرسمية، ثم يُعاد إدخاله إلى السوق العالمية نظيفًا بعد “التكرير”، كأن الدم الذي مهّد الطريق لا وجود له.
هنا تحديدًا يصبح الحديث عن “عدم ذكر الإمارات في تقارير أممية” حيلة لغوية، لأن السؤال الأهم ليس: هل ورد اسم الإمارات في سطر؟ بل: ما هي البنية الاقتصادية التي تتيح لميليشيا متهمة بفظائع تحمل سمات الإبادة أن تحافظ على التمويل والقدرة والاستمرارية؟ وكيف استقر الذهب خارج السودان في سوق بعينها بحيث صار جزءًا من ازدهارها؟ وما الذي يمنع هذه السوق من أن تُغلق الأبواب أمام ذهبٍ قادمٍ من اقتصاد حرب؟
ثم هناك المستوى الإنساني الذي لا يحتاج جُملاً مبتذلة ولا مواعظ. المدني في الفاشر لا يهمه إن كانت البيانات الدبلوماسية متوازنة؛ يهمه أن هناك قوة مسلحة تملك المال الكافي لتشتري السلاح وتطيل الحرب. النازح الذي ينام في العراء لا يعنيه إن كان الطرف الخارجي يدين “الجميع” في بيان واحد؛ يعنيه أن هناك دائرة تمويل خارجية تجعل القتل مستدامًا. حين تُسمى الفظائع “سمات إبادة”، يصبح تمويلها شريكًا في الجريمة، حتى لو اختبأ خلف وسطاء وشركات وتجار وتكرير وشحن. الإمارات، وهي تبني صورتها كقوة “حداثة” و”استقرار” و”استثمار”، تُقدّم نفسها كعنوان للأمان، لكنها في السودان متهمة بأنها جزء من شبكة تزوّد ميليشيا بالقدرة الاقتصادية على التوحش، ثم تتبرأ بالألفاظ. ومن هنا تأتي الفضيحة الحقيقية: دولة تحترف صناعة النفوذ عبر المال والأسواق تستطيع أن تُبقي حربًا مشتعلة عبر بوابة واحدة اسمها الذهب، بينما تُلقي على الضحايا خطابات عن انتقال مدني ومخاوف من التطرف، كأن الكلام يمكنه أن يعوض الجوع والقتل والتهجير.
إن الحرب في السودان لا تُدار فقط في المتاريس، بل تُدار أيضًا في خطوط الطيران التي تحمل الذهب، وفي الأسواق التي تستقبله، وفي العواصم التي تُقرر أن “الشرعية ليست عاملًا حاسمًا” طالما أن المصالح تُنجز. وفي هذا الإطار، لا تبدو الإمارات مجرد مراقبٍ بعيد، بل طرفًا يُتهم بأنه يملك مفاتيح اقتصادية تجعل ميزان القوة يميل حيث تريد المصالح، ثم تُحاط هذه المفاتيح بضجيج مؤتمرات واستثمارات وصور علاقات عامة. السودان يدفع الثمن بالأرواح، والإمارات—وفق هذا المسار—تجمع النفوذ من تحت الأنقاض، وتترك العالم يعتاد المشهد حتى يصبح الموت خبرًا يوميًا، ويصبح الذهب هو اللغة الوحيدة التي تُسمع خلف الأبواب المغلقة.