في ضربة موجعة جديدة للجيش الإسرائيلي، أقرّ الاحتلال بمقتل خمسة من جنوده وإصابة 14 آخرين، بينهم ضباط برتب عليا، في سلسلة كمائن نفذتها المقاومة الفلسطينية شمال قطاع غزة، وتحديدًا في بلدة بيت حانون.

هذا الإقرار يأتي في سياق تكرار الخسائر التي باتت سمة أساسية في تحركات جيش الاحتلال داخل القطاع، ما يفضح حدود قدرته العسكرية رغم التفوق التكنولوجي. 

الأحداث التي جرت مساء الاثنين تحوّلت إلى فضيحة عسكرية بامتياز، حيث تفاجأ الجنود بكمائن مركبة أدت إلى تفجير مدرعات واحترق بعض الجنود داخلها، في مشهد وصفته وسائل إعلام عبرية بأنه “فوضى نارية حقيقية” تذكّر بما جرى سابقًا في خان يونس جنوب القطاع.

هذه التطورات كشفت من جديد هشاشة “لواء ناحال”، الذي تسلم مؤخرًا منطقة شمال قطاع غزة، وسقوطه السريع في فخاخ المقاومة. ومع ارتفاع أعداد القتلى، أقرّت وسائل إعلام عبرية بأن جنودًا آخرين ما زالوا في عداد المفقودين، فيما يترنح الجيش في ميدان قتالي تحكمه تكتيكات ذكية ومباغتة من جانب المقاومة.

المقاومة تضرب بدقة.. وبيت حانون تتحول إلى مقبرة للجنود

ما حدث في بيت حانون لم يكن عملية عشوائية، بل كمينًا مركبًا نفّذته كتائب القسام ضمن ما أسمته بـ”سلسلة كمائن الموت”. بدأت العملية بتفجير عبوة ناسفة في مدرعة إسرائيلية محملة بالجنود، تبعها استهداف ثانٍ لروبوت عسكري كان يتم تجهيزه بقنابل، ما أدى إلى انفجار مزدوج أربك القوة المتقدمة. وسائل الإعلام الإسرائيلية تحدثت عن جنود محترقين وجنائز قادمة، بينما انتشرت أحزمة نارية في الموقع أدت إلى شلل كامل للرد الإسرائيلي في الساعات الأولى.

الحدث يمثل تحولا نوعيًا في عمل المقاومة، التي لجأت في الشهور الأخيرة إلى استنزاف قوات الاحتلال عبر حرب عصابات ذكية، مبنية على التخفي والمباغتة والكمائن المحسوبة. تعليق كتائب القسام على العملية جاء حادًا ورسائله واضحة، إذ توعّدت بأن “جنائز العدو ستصبح حدثًا مستمرًا طالما استمر العدوان”. عبارة تختصر المرحلة القادمة التي يبدو أنها ستكون أكثر دموية وخسارة لجيش الاحتلال.

فشل الاحتلال في تجنّب هذه الخسائر رغم امتلاكه تكنولوجيا التجسس والطائرات المسيّرة والقدرات الاستخباراتية، يفضح عمق التورط الإسرائيلي في مستنقع غزة، ويطرح تساؤلات عميقة عن جدوى العمليات البرية التي لم تُحقق هدفًا واحدًا من أهداف الحكومة الإسرائيلية، لا في تدمير حماس، ولا في تحرير الأسرى، ولا حتى في ترميم صورة الجيش المهزوزة.

خسائر الاحتلال تتعاظم.. والمقاومة تسيطر على الميدان

منذ بداية العدوان في 7 أكتوبر 2023، دخل الجيش الإسرائيلي حرب استنزاف طويلة في غزة، حوّلته إلى هدف يومي لهجمات المقاومة. خلال 21 شهرًا من الإبادة، خسر الجيش أكثر من 700 جندي حسب أرقام المقاومة، وأضعافهم من المصابين، لكن الرواية الرسمية الإسرائيلية تخفي كثيرًا من التفاصيل. في بيت حانون، لم يقتصر الحدث على قتلى وجرحى، بل أُعلن عن فقدان جندي، وسط أحاديث عن جثث متفحمة، ما أعاد للأذهان صور الجنود المحترقين في معركة خان يونس، التي شكلت حينها كارثة نفسية للقيادة العسكرية.

وفي الوقت الذي يخسر فيه الجيش جنوده، تواصل المقاومة تكتيكاتها الذكية، من خلال تفخيخ الطرق، استخدام الأنفاق، ونشر كمائن نارية تؤدي إلى خسائر كبيرة دون اشتباك مباشر. تكتيك “اضرب واهرب” الذي تتبعه كتائب القسام وسرايا القدس أثبت فعاليته أمام جيش تقليدي يعتمد على القوة النارية الكثيفة، لكنه يفتقد المرونة والقدرة على التكيف مع التضاريس الحضرية المعقدة في غزة.

مع كل فشل جديد، تتزايد الضغوط على المؤسسة العسكرية والسياسية في إسرائيل، حيث يتساءل كثيرون عن نهاية هذه الحرب، التي باتت تكلف الأرواح دون تحقيق نتائج. المشهد في بيت حانون يؤكد أن الجيش لم يحقق سيطرة حقيقية على أي جزء من القطاع، وأن كل منطقة “يعود” إليها سرعان ما تتحول إلى فخ قاتل، كما حدث في الشجاعية وخان يونس والزيتون.

مذبحة الفلسطينيين مستمرة.. والاحتلال يرد على خسائره بدم الأطفال

في مقابل هذه الخسائر، رد الاحتلال كما جرت عادته بارتكاب مجازر بحق المدنيين. خلال الساعات التي تلت عملية بيت حانون، استشهد 62 فلسطينيًا، بينهم عدد كبير من الأطفال، نتيجة القصف الجوي والمدفعي الذي استهدف منازل ومخيمات ومراكز إيواء في أنحاء متفرقة من القطاع. الطائرات الإسرائيلية قصفت عيادات طبية وخيام نازحين ومركبات مدنية، في محاولة للتغطية على الخسارة العسكرية من خلال بث الرعب بين السكان.

هذه المجازر ليست جديدة، بل هي امتداد لحرب إبادة ممنهجة يقودها الاحتلال منذ أكتوبر 2023، خلّفت أكثر من 194 ألف شهيد وجريح، وما يزيد على 10 آلاف مفقود، في ظل مجاعة تحصد أرواح الأطفال والنساء. ورغم كل ذلك، لم تنكسر المقاومة، بل زادت إصرارها وفعالية عملياتها، وهو ما تجلى في “كمين بيت حانون”.

اليوم، يقف الاحتلال أمام معادلة قاتلة: كل محاولة للتقدم البري تعني كمائن ونعوش، وكل انسحاب يعكس الهزيمة، بينما ردوده لا تتجاوز قتل المدنيين. بيت حانون باتت عنوانًا جديدًا لفشل الجيش، ولصعود مقاومة لم تعد تعتمد فقط على الصواريخ، بل على خطط عسكرية محكمة تُذل بها أعتى الجيوش.

خاتمة:

جيش الاحتلال خسر الهيبة قبل الجنود، وغزة تحوّلت إلى مقبرة للمشاريع الصهيونية العسكرية. وفي وقتٍ يحاول فيه الاحتلال تغطية هزائمه بمزيد من الدم الفلسطيني، تثبت المقاومة أن كلفة الاحتلال باهظة، وأن كل عملية توجع تل أبيب أكثر من ألف خطاب.

اقرأ أيضًا : قرار قضائي يقضي بترحيل 8 مهاجرين من جنسيات مختلفة إلى جنوب السودان رغم المخاطر