في ضربة جديدة وجهتها المقاومة الفلسطينية إلى جيش الاحتلال الإسرائيلي، أعلنت كتائب القسام -الذراع العسكري لحركة حماس– عن تفاصيل كمين محكم نصبته لقوة إسرائيلية متوغلة في شرق بلدة القرارة بمحافظة خان يونس جنوب قطاع غزة، أسفر عن مقتل جندي من لواء “كيرياتي” وإصابة آخرين بجراح خطيرة، وفضح مجددًا هشاشة المنظومة الاستخباراتية والعسكرية الإسرائيلية أمام إبداع وتكتيكات المقاومة التي تقاتل منذ شهور في بيئة محاصرة ومنكوبة.

الكمين.. منزل مفخخ وانفجار مدوٍ

وقعت الحادثة يوم الثلاثاء، حين تسللت قوة إسرائيلية إلى أحد المباني السكنية شرقي خان يونس، دون أن تدرك أنها تدخل إلى فخ مميت نصب بعناية فائقة. 

وبحسب ما كشفته كتائب القسام، فإن المقاومين كانوا قد رصدوا القوة المقتحمة، وفخخوا المنزل بعدد من العبوات الناسفة شديدة الانفجار، لتنفجر فور دخول الجنود، ما أدى إلى انهيار المبنى بأكمله عليهم، وهو ما أكدته لاحقًا إذاعة جيش الاحتلال، التي أوضحت أن المبنى كان مكونًا من أربعة طوابق، وانهار بشكل شبه كامل لحظة التفجير.

أسفر التفجير عن مقتل الرقيب أول دانيلو موكانو، بينما أُصيب ثلاثة جنود آخرين بجراح متفاوتة، بعضهم في حالة خطيرة، وتم نقلهم بطائرات مروحية إلى المستشفيات داخل الأراضي المحتلة.

 واستمرت عمليات البحث والإنقاذ لساعات طويلة حتى الليل، وسط حالة من التوتر والقلق، قبل أن يُعثر على جثة الجندي القتيل، وتُبلغ عائلته رسميًا بالخبر.

ولم تتوقف العملية عند هذا الحد؛ إذ كشفت القسام أنها نصبت كمينًا ثانويًا لقوة إسناد وصلت إلى المكان بعد التفجير، حيث تم تفجير فتحة نفق عند اقتراب القوة، ليتبعها اشتباك مباشر بأسلحة خفيفة، في مشهد يجسد قدرة المقاومة على إدارة المعركة بمرونة وتخطيط متعدد المراحل، وتوجيه الضربات في توقيتات مدروسة.

أخطاء استخباراتية وإخفاق عسكري متكرر

العملية كشفت للمرة الألف عن ارتباك جيش الاحتلال وفشله في التكيف مع بيئة المقاومة في غزة. 

فقد أشار مراسل إذاعة الجيش دورون كدوش إلى أن الجنود دخلوا المبنى دون التأكد من سلامته أو إجراء فحص هندسي أو استخباراتي له، رغم أن الوقائع السابقة أثبتت أن كثيرًا من المنازل مفخخة مسبقًا. 

وأضاف أن العبوة الناسفة التي تسببت في الانهيار زرعت بدقة عالية، في دليل على عمل هندسي طويل الأمد تم تحضيره خلال فترات وقف إطلاق النار أو التهدئة، وهو ما يعيد إلى الأذهان إخفاقات مشابهة في الشجاعية وبيت حانون في عدوانات سابقة.

مراسل القناة 14 الإسرائيلية “نوعام أمير” وجه انتقادات لاذعة للقيادة العسكرية، متسائلًا عن جدوى توغل القوات في مبانٍ غير ممسوحة ميدانيًا، خاصة في ظل معرفة المؤسسة الأمنية بأن المقاومة قامت خلال الأشهر الماضية بتحويل القطاع إلى “مصيدة موت” للجنود الإسرائيليين.

وما زاد من وقع العملية هو أنها جاءت في إطار عملية “عربات جدعون” التي أعلن عنها الجيش الإسرائيلي لتوسيع نطاق هجماته البرية في جنوب القطاع، ومع ذلك فإن العملية لم تثمر سوى عن سقوط مزيد من القتلى في صفوفه، ليصبح دانيلو موكانو ثاني قتيل في العملية، رغم أن الجيش لم يستخدم كامل طاقته بعد، كما يؤكد بعض المراسلين العسكريين.

صمود المقاومة وتآكل هيبة الاحتلال

الكمين يؤكد من جديد أن المقاومة الفلسطينية لا تزال تحتفظ بزمام المبادرة في كثير من محاور القتال رغم الحصار، ونقص الموارد، والقصف اليومي المتواصل. 

إذ استطاعت القسام، بفعل التخطيط العسكري، وباستخدام وسائل قتالية بسيطة نسبيًا، أن تردع إحدى أقوى الجيوش في المنطقة، وأن توقع به خسائر مؤلمة ليس فقط في الأرواح، بل في الهيبة والردع.

ووفقًا للبيانات الرسمية الصادرة عن جيش الاحتلال، فإن عدد قتلاه منذ 7 أكتوبر 2023 تجاوز 857 جنديًا، فضلًا عن آلاف الجرحى، ما يعكس حجم النزيف البشري الذي يواجهه الاحتلال في هذه الحرب التي توقّع قادته أن تنتهي في أسابيع.

هذا الرقم، وإن بدا محرجًا للحكومة الإسرائيلية، إلا أن الأهم هو ما يُحدثه من أثر نفسي ومعنوي داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث تتصاعد الانتقادات وتتآكل الثقة بالمؤسسة العسكرية يومًا بعد آخر.

ومن الواضح أن تكتيك “الأنفاق المفخخة” و”الكمائن المركبة” بات أحد أبرز أسلحة المقاومة الفعالة في صد التوغل البري، تمامًا كما حدث سابقًا في بيت لاهيا وحي التفاح ومخيم البريج.

كما يشير مراقبون إلى أن المقاومة تسعى من خلال هذه العمليات لإرباك خطط الاحتلال، وإجباره على الانسحاب تحت ضغط الاستنزاف البشري والضغوط السياسية الداخلية.

خاتمة: معادلة ردع تتغير على الأرض

حادثة خان يونس ليست مجرد خسارة ميدانية لجيش الاحتلال، بل تمثل ضربة لخطابه الإعلامي والدعائي، وتؤكد أن المقاومة لا تزال حاضرة على الأرض، قادرة على المبادرة، بل وقادرة على التحول من الدفاع إلى الهجوم بتكتيكات غير تقليدية. 

وبينما يسعى الاحتلال لترميم هيبته عبر استعراضات جوية وقصف عشوائي، فإن الواقع الميداني يشهد بأن جنوده يُصطادون واحدًا تلو الآخر، في غزة المفخخة بالإيمان والإرادة.

إن صمود المقاومة في وجه آلة الحرب الإسرائيلية، واستمرارها في تنفيذ عمليات نوعية، رغم شدة الحصار وغزارة القصف، يعيد تشكيل معادلة الردع، ويطرح تساؤلات جادة عن المدى الذي يمكن أن تبلغه هذه الحرب، في ظل خسائر الاحتلال المتزايدة، ونجاح الفلسطينيين في تحويل كل شارع وبيت إلى كمين لا يُتوقع توقيته.

اقرأ أيضًا : هند رجب تطارد الجيش الإسرائيلي “المنبوذ”.. نبوءة السنوار تتحقق