في تصعيد لافت ضمن معركة الاستنزاف المستمرة، أعلنت كتائب القسام – الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس – عن تنفيذ عملية نوعية شرق مدينة خانيونس، تخللتها محاولة جريئة لأسر جندي إسرائيلي. الهجوم الذي نُفّذ في منطقة عبسان الكبيرة، استهدف قوة كبيرة لجيش الاحتلال الإسرائيلي، وأسفر عن تدمير آليات عسكرية وإصابة عدد من الجنود. وبرغم فشل محاولة الأسر نتيجة “الظروف الميدانية”، كما تقول القسام، إلا أن العملية حملت رسائل بالغة الدلالة على تطور أداء المقاومة ميدانيًا، مقابل هشاشة في صفوف جيش الاحتلال الذي بات يفقد سيطرته تدريجياً في ميادين يزعم إحكام قبضته عليها.

الكمين النوعي في خانيونس: محاولة أسر وتدمير آليات

كشفت القسام في بيان عسكري، أن مقاتليها استهدفوا دبابة من طراز ميركافاه وناقلة جند بقذائف “الياسين 105″، كما استهدفوا حفارين عسكريين، ما أدى إلى إعطابها بالكامل. ووفق البيان، فقد تقدمت وحدة من المقاتلين بعد الاستهداف صوب موقع القوة الإسرائيلية، واشتبكوا معها بالأسلحة الخفيفة، في محاولة لأسر أحد الجنود. إلا أن الظروف الميدانية – على ما يبدو من اشتداد الاشتباك أو تدخل الطيران الإسرائيلي – لم تسمح بإتمام عملية الأسر، ما دفع المقاومين إلى قتل الجندي بعد السيطرة على سلاحه.

وأشار بيان القسام إلى رصد هبوط طيران مروحي إسرائيلي للإخلاء، في إشارة إلى وقوع خسائر بشرية مؤكدة في صفوف الجيش.

تكشف هذه العملية عن مزيج من الجرأة الميدانية والتخطيط المحكم، في بيئة ميدانية معقدة ومفتوحة، تعكس قدرة القسام على تنفيذ كمائن دقيقة، والتعامل مع الأهداف التكتيكية في الوقت المناسب، الأمر الذي يؤكد تطور قدراتها الاستخباراتية والميدانية.

المتحدث العسكري: “الجحيم” بانتظار الاحتلال

وفي أول تعليق له على العملية، قال المتحدث باسم كتائب القسام، أبو عبيدة، إن الاحتلال الإسرائيلي “قد ينجو مرة من الجحيم، لكنه لن ينجو دومًا”، مشيرًا إلى أن فشل محاولة الأسر لا يعني نهاية المحاولات. وتوعد أبو عبيدة الجيش الإسرائيلي بخسائر إضافية، مؤكدًا أن “عملية بيت حانون المركبة” – التي قُتل فيها خمسة جنود وأصيب 14 آخرون – “سددت ضربة قوية لهيبة الجيش ووحداته الأكثر إجرامًا”.

وأضاف: “عملية بيت حانون المركبة هي ضربة إضافية لجيش الاحتلال الهزيل، في ميدان ظنّه آمنا بعد أن لم يبق فيه حجر على حجر”. واعتبر أن القرار الأكثر غباءً الذي يمكن لنتنياهو اتخاذه هو الإبقاء على قواته داخل قطاع غزة، لأن “المرحلة القادمة” – كما قال – “ستُرسم بصمود الشعب وبسالة مقاوميه”.

الرسائل التي تضمّنها بيان أبو عبيدة تتجاوز البعد الميداني، إذ تؤكد مضي المقاومة في سياسة الاستنزاف، مع التلويح بورقة الأسرى التي تُعد إحدى أوراق الضغط الكبرى في ميزان المواجهة.

جيش الاحتلال يعترف بالخسائر ويُواجه تصدعًا في الجبهة الداخلية

من جهته، أقرّ جيش الاحتلال بسقوط خمسة من جنوده وإصابة 14 آخرين في كمين بيت حانون، الذي يُعد واحدًا من أكثر الكمائن دموية منذ أشهر. وأفادت تقارير إسرائيلية أن الكمين كان مزدوجًا، شمل تفجير عبوة ناسفة بمدرعة تقل الجنود، أعقبها استهداف مباشر بواسطة قذائف مضادة للدروع. وتشير التقارير إلى أن أحد المصابين ضابط برتبة كبيرة، مما يعكس خطورة الحدث.

في المقابل، أثار التعتيم الإسرائيلي الرسمي على تفاصيل الكمين سخطًا داخل الجبهة الداخلية، وسط تزايد الدعوات للتحقيق في طبيعة الانتشار العسكري وأسباب وقوع الجنود في “كمين كلاسيكي” رغم كل إمكانيات الرصد والتكنولوجيا المتاحة.

وتطرح العمليات الأخيرة تحديات أمام المؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي كانت تراهن على إنهاك المقاومة واستنزاف قدراتها. غير أن التطورات على الأرض تشير إلى معادلة عكسية: كلما طال أمد التوغل الإسرائيلي، زادت قدرات المقاومة الميدانية، وتحولت غزة من “أرض عمليات” إلى “فخ استنزاف” مفتوح.

خاتمة: المقاومة تطور تكتيكاتها والاحتلال يترنح

تسلط عمليات كتائب القسام الأخيرة، وعلى رأسها كمين خانيونس، الضوء على تطور لافت في أدوات المقاومة الفلسطينية، ليس فقط على صعيد التسليح، بل أيضًا من حيث القدرة على التخطيط التكتيكي والإرباك المعنوي لجيش الاحتلال. وفي المقابل، يبدو الاحتلال في حالة من التخبط، حيث لم يعد قادرًا على حسم المعركة، لا برًا ولا جوًا، ولا حتى عبر الحرب النفسية.

ومع كل يوم تمضي فيه قوات الاحتلال داخل غزة، يتضح أن معركة الاستنزاف التي تقودها المقاومة قد تكون الأكثر كلفة في تاريخ الحروب الإسرائيلية، وأنّ الرهان على إخضاع القطاع بالقوة قد يتحول إلى أكبر إخفاق استراتيجي في سجل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

اقرأ أيضًا : الإمارات تحتضن الاحتلال من جديد.. زعيم المعارضة الإسرائيلية يختتم زيارة سرية لأبوظبي