في خطوة أثارت موجة واسعة من الجدل، أعلنت جامعة كولومبيا الأميركية فرض عقوبات تأديبية غير مسبوقة على عشرات الطلاب الذين شاركوا في مظاهرات مؤيدة لفلسطين داخل الحرم الجامعي، واصفة احتجاجاتهم بأنها “انتهاك لسياسات المؤسسة الأكاديمية”. 

وبينما تُروّج الجامعة لخطاب “احترام الأنشطة الأكاديمية”، يرى مراقبون أن ما يحدث يعكس رضوخًا لضغوط سياسية، وتضييقًا على حرية التعبير في واحدة من أعرق مؤسسات التعليم في الولايات المتحدة.

 

عقوبات قاسية وموقف صارم تجاه المحتجين

القرارات التي صدرت يوم الثلاثاء لم تكن مجرد إنذارات أكاديمية، بل شملت إجراءات تأديبية صارمة ضد طلاب كولومبيا المؤيدين لفلسطين، منها الإيقاف المؤقت، والإيقاف لمدد تتراوح بين سنة واحدة وثلاث سنوات، وسحب الشهادات الجامعية، بل ووصل الأمر إلى حد الطرد النهائي. هذه الإجراءات طالت نحو 80 طالبًا، بحسب مجموعة “جامعة كولومبيا من أجل فلسطين”، وهي أكبر حملة تأديب بسبب احتجاج سياسي في تاريخ الحرم الجامعي، ما يجعلها سابقة خطيرة.

الجامعة لم تكشف أسماء الطلاب المعاقَبين، ولم توضح تفاصيل التحقيق أو الآلية التي بُنيت عليها العقوبات، مكتفية بالقول إن “تعطيل الأنشطة الأكاديمية” يُعد انتهاكًا يستوجب الرد الصارم. المفارقة أن هذه المظاهرات لم تكن عُنفية، بل اعتصامات سلمية تطالب بوقف المجازر الإسرائيلية في غزة، ضمن حراك طلابي عابر للجامعات الأميركية.

الجامعة تحت الضغط السياسي.. وترامب في الخلفية

يأتي هذا التصعيد في سياق سياسي ضاغط تتعرض له جامعة كولومبيا منذ شهور. فقد قررت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في مارس الماضي، وقف تمويل بحثي للجامعة يُقدّر بمئات الملايين من الدولارات، بسبب ما وصفته بـ”تقاعس الجامعة عن مواجهة معاداة السامية”. الضغوط ارتفعت بعد اتهامات بأن البيئة الجامعية أصبحت “غير آمنة” للطلاب اليهود والإسرائيليين، بسبب انتشار المظاهرات المؤيدة لفلسطين، ومخيمات الاعتصام التي أقامها الطلاب داخل الحرم الجامعي.

ويبدو أن كولومبيا استجابت تدريجيا لهذه الضغوط، فأعلنت آنذاك حزمة من الإجراءات لاحتواء الأزمة، من بينها الالتزام بإعادة النظر في طريقة التعامل مع الاحتجاجات، والموافقة لاحقًا على تعريف مثير للجدل لمعاداة السامية، يساوي بين “معاداة اليهود” و”انتقاد الصهيونية”. وهو ما اعتبره كثيرون غطاءً لقمع الأصوات المتضامنة مع القضية الفلسطينية، ووضعًا لحرية التعبير على المحك.

وفي مايو الماضي، أعلنت الجامعة تسريح نحو 180 موظفًا وتقليص حجم أبحاثها، بسبب خسارة التمويل الفدرالي. هذه الخسارة أثّرت بوضوح في قرارات الإدارة الأكاديمية، التي بدت أكثر ميلًا إلى مسايرة البيت الأبيض على حساب استقلالية الجامعة وقيمها الليبرالية المفترضة.

الطلاب يتمردون.. والحركة مستمرة

ورغم كل هذه الإجراءات، لم تُفلح إدارة الجامعة في كسر الحراك الطلابي المؤيد لفلسطين. فقد أعلنت “حملة جامعة كولومبيا ضد الفصل العنصري” في بيان لها، أنها لن تتراجع عن موقفها، مؤكدة: “نحن ملتزمون بالنضال من أجل تحرير فلسطين”. وأضافت أن بعض الطلاب الموقوفين يُجبرون على تقديم اعتذار رسمي للجامعة كشرط للعودة إلى الدراسة، وهو ما يرفضه كثيرون باعتباره ابتزازًا سياسيًا وخرقًا لأبسط قواعد حرية التعبير.

الحراك الطلابي في كولومبيا لا يقف وحيدًا. فقد كانت هذه الجامعة نقطة انطلاق لموجة احتجاجات طلابية اجتاحت العديد من الجامعات الأميركية، بما فيها هارفارد، وبيركلي، وستانفورد، ضد العدوان الإسرائيلي على غزة. المظاهرات لم تتوقف رغم الاعتقالات والتضييق، بل شهدت موجات جديدة من الدعم الشعبي، وتضامنًا واسعًا من منظمات حقوقية دولية.

الطلاب المؤيدون لفلسطين يتهمون إدارة الجامعة بالخضوع التام للابتزاز السياسي، ويعتبرون أن العقوبات ليست إلا محاولة لتكميم أفواههم وثنيهم عن الدفاع عن حقوق الإنسان، في وقت تتواصل فيه الجرائم الإسرائيلية بحق المدنيين في غزة، وسط صمت رسمي أميركي.

خاتمة: كولومبيا أمام اختبار تاريخي

ما يجري اليوم في جامعة كولومبيا يتجاوز مجرد خلاف طلابي أو احتجاج عابر؛ إنه صراع بين قيم الحرية الأكاديمية، وبين إملاءات السياسة والمال. فهل تنحاز الجامعة لرسالتها التعليمية التاريخية في حماية الفكر الحر؟ أم تواصل تآكل استقلاليتها أمام سطوة التمويل والضغوط السياسية؟

العقوبات على الطلاب المؤيدين لفلسطين تكشف عن واقع خطير تعيشه الجامعات الأميركية، حيث لم تعد ساحات الفكر محايدة، بل أضحت مسارح للمساومة، تُكافئ الولاء وتُعاقب الضمير. ومع اقتراب الانتخابات الأميركية، وتنامي التضامن مع فلسطين بين الشباب الأميركي، يبدو أن المشهد لم يبلغ ذروته بعد.

اقرأ أيضًا : فيدان يحذر: سنرد على مشاريع التقسيم في سوريا.. مواجهة تركية-إسرائيلية تلوح في الأفق