في وقت تتعالى فيه أصوات التواطؤ الرسمي في الغرب، خرجت الكاتبة الأسترالية كيتلين جونستون بتدوينة مطولة تفيض شعورًا بالتقدير العميق للثقافة الفلسطينية، وتقرع ناقوس الخطر:
“إذا أُبيد الفلسطينيون، سيتكبد العالم خسارة لا تُعوّض”.
لكنها لم تكتف بالدفاع عن الضحايا، بل قلبت المعادلة: فلسطين ليست فقط قضية عادلة، بل كنز روحي وثقافي نادر، ضياعه يعني أن نخسر نحن – كبشر – قطعة أصيلة من ذواتنا.
- الفلسطينيون كما لا يراهم الإعلام: دفءٌ، وأصالة، وانتماء
في تدوينتها، ترسم جونستون صورة غنية للإنسان الفلسطيني، بعيدًا عن صور الضحية المعتادة، وتقول:
“إنهم يعيشون حياتهم وسط الكارثة، ويبحثون عن سبل تسيير أمورهم، يتواصلون بمحبة، ويتمسكون بثقافتهم بكل تفاصيلها العفوية.”
وتصف الدفء الاجتماعي الفلسطيني باعتباره ما يفتقر إليه الغرب، وتعبّر عن ذلك بالحسد الوجودي:
“أغبطهم على ما لديهم… هذا العمق، وهذه الجذور، وهذا الانتماء.”
في مفارقة مؤلمة، تضع جونستون الفلسطينيين في مواجهة الغربيين من أمثالها، الذين يعانون من فقدان المعنى والانفصال عن الجذور، نتيجة تاريخ استيطاني قائم على الطرد والإبادة، تمامًا كما يحدث الآن في فلسطين.
- تشريح دقيق للكيان الصهيوني: من الحسد إلى الإبادة
أعمق ما في التدوينة ليس امتداح الفلسطينيين، بل تفكيك دوافع الكراهية الصهيونية، ليس فقط باعتبارها عنصرية مؤسسية، بل أيضًا ناتجة عن شعور وجودي بالنقص أمام حضارة فلسطينية حية:
“هم ينظرون إلى الناس الذين كانوا هنا قبلهم، بجذور عميقة وأصالة نابضة بالحياة… فيتحول حسدهم إلى حقد، ثم إلى كراهية، ثم إلى إبادة جماعية.”
جونستون تقلب الطاولة على الخطاب الصهيوني، وتكشف أنه في جوهره يعكس هشاشة حضارية تحاول أن تصطنع لنفسها عمقًا ولغة وهوية تاريخية، بينما في الواقع تعيش في فراغ حداثي مغلف بمظاهر التكنولوجيا والخداع السياسي.
- صرخة من الغرب المُستعمِر: نحن منفيون، وهم المنتمون
الكاتبة تصف نفسها بأنها “امرأة أسترالية بيضاء”، ثم تنطلق في كشف حالة الاغتراب الجماعي لدى البيض في المستعمرات:
“نحن بلا جذور. لا نشعر أننا ننتمي لهذا المكان… نعيش حضارة بلا طعم ولا لون.”
هذه ليست مجرد مقارنة ثقافية، بل اعتراف بجرح كولونيالي لم يُشف، يُقابله لدى الفلسطينيين تجذّر في الأرض والحياة واللغة والذاكرة، رغم الخراب.
وهنا يكتسب الفلسطينيون، في وعي جونستون، مكانة رمزية عظيمة: هم مرآة للإنسان الكامل، الذي لم يُفصل عن ذاته، ولم يُنتزع من أرضه.
- الدفاع عن فلسطين.. ليس فقط لأنهم يُبادون، بل لأننا نحن نُفقد شيئًا منّا
الكاتبة ترفض الإبادة، ليس فقط كجريمة، بل كخسارة جماعية للبشرية:
“لو أُبيد الفلسطينيون، سيكون ذلك كأننا فقدنا عزيزًا… نحن نخسر واحدة من أجمل الأشياء الباهرة التي أخرجها هذا العالم إلى الوجود.”
إنها لحظة تأمل نادرة، حين يتحول الدفاع عن فلسطين من واجب أخلاقي إلى غريزة إنسانية للحفاظ على معنى الحياة نفسه.
- تحليل أعمق: فلسطين كمركز روحي مضاد للزيف العالمي
تدوينة كيتلين جونستون تصلح أن تُقرأ باعتبارها مانيفستو روحيًا ضد العالم الصناعي الزائف، حيث تُصبح فلسطين رمزًا للحقيقة والدفء والأصالة، في مواجهة ثقافة الحداثة المنبتّة والمفرغة من الروح.
هي لا تتحدث فقط عن صراع سياسي، بل عن معركة كونية بين الزيف والعمق، بين الاستعمار والانتماء، بين رأس المال والجذور.
الكلمة الحرة.. متراس أمام التطبيع والإنكار
في زمن يغرق في السكوت الدولي، والتواطؤ الإعلامي، وشيطنة الضحايا، تأتي كلمات كيتلين جونستون كضوء حاد يكشف قبح المشهد وزيف السرديات.
هي لا تُناصر فقط قضية عادلة، بل تنتصر للإنسانية في وجه الإبادة، وللجذور في وجه الاجتثاث، وللذاكرة في وجه الطمس.
ومثلما قالت:
“في عالم يتعاظم فيه الزيف، لا نتحمل أن نفقد فلسطين.”