يسود قطاع غزة هذه الأيام جو من التفاؤل الحذر، بعد الرد الإيجابي الذي قدمته حركة المقاومة الإسلامية حماس على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب، والذي قابله الأخير بترحيب سريع ومفاجئ، تلاه طلب رسمي من البيت الأبيض لحكومة الاحتلال بوقف إطلاق النار الفوري.

في شوارع غزة المدمرة وأزقتها التي فقدت ملامحها، تتناقل الألسن حديثاً لم يكن مألوفاً منذ شهور طويلة من القصف والدمار: “هل اقتربت النهاية؟”، سؤال يتردد على شفاه الناجين من الإبادة، وهم يلتقطون أنفاسهم بين ركام منازلهم، ودفاتر الذاكرة الملطخة بالدم.

بالنسبة للكثير من الفلسطينيين، كان رد حماس بمثابة نافذة ضوء وسط ليل حالك، إلا أن هذا الضوء لم يبدّد تماماً هواجسهم من الغدر الإسرائيلي.

فالتجارب السابقة تركت في الوعي الجمعي الغزّي قناعة راسخة بأن الاحتلال لا يلتزم بعهود ولا يقيم وزناً لاتفاقات السلام، ما جعل التفاؤل مشوباً بالخوف، والأمل ممزوجاً بالشك.

حلم مؤجل منذ عامين

من بين الذين استعادوا بعض الأمل، باسم عبد الحليم، النازح من مخيم الشاطئ، والذي تحدث وهو يراقب بقايا منزله المدمر جزئياً قائلاً:

“أشعر أن الصباح مختلف اليوم، كأن شيئاً في الأفق يبشّر بنهاية هذا الكابوس، أريد فقط العودة إلى بيتي، أريد أن أعيش من جديد”.

باسم، الذي اضطر للنزوح أكثر من مرة، يرى أن الرد الأخير لحماس قد يفتح باباً نحو وقف الحرب وعودة الحياة تدريجياً إلى القطاع، لكنه يدرك أيضاً أن أي خطوة نحو الهدوء مرهونة بمزاج تل أبيب، التي عُرفت بنكث الاتفاقات، كما حدث خلال الهدنة الأخيرة التي خرقها الاحتلال في مارس الماضي حين واصل قصفه للأحياء السكنية في مدينة غزة.

مشاعر عبد الحليم تختصر حال مئات الآلاف من الغزيين الذين لم يعودوا يبحثون عن “نصر سياسي” بقدر ما يبحثون عن هدنة إنسانية تتيح لهم ترميم ما تبقى من حياتهم.

خوف من الفخ الإسرائيلي

أما سعيد حجازي، الذي ما يزال عالقاً في شمال القطاع، فقد استقبل الخبر بمزيج من الفرح والقلق. يقول:

“حين سمعت بخبر موافقة حماس على خطة ترامب، أحسست لأول مرة منذ شهور أن النهاية قد تكون قريبة، لكني سرعان ما تذكرت كم مرة خدعنا الاحتلال بخطط مشابهة”.

يعيش حجازي على بعد مئات الأمتار من منزله في حي النصر، لكنه لا يستطيع الوصول إليه بسبب الدمار الهائل، ويضيف بصوت تختنقه الحسرة:

“أريد فقط أن أرى بيتي، أن أقبّل جدرانه، أن أتعهد له ألا أتركه مرة أخرى”.

مثل حجازي، يخشى الكثير من الفلسطينيين أن يكون الرد الأمريكي مجرد مناورة سياسية، وأن تكون تل أبيب قد أعدّت مسبقاً ذرائع لإفشال الخطة، تماماً كما فعلت في كل اتفاقات وقف النار السابقة.

صرخة إنسانية من قلب الخراب

وفي أقصى الجنوب، في خان يونس، لم تتمالك آمنة أبو القمصان نفسها حين سألها مراسل صحفي عن شعورها تجاه الأنباء الجديدة، فانفجرت بالبكاء قائلة:

“لم يمنحنا الاحتلال حتى فرصة للحزن. نحتاج إلى وقف إطلاق النار فقط كي نبكي بسلام على أحبائنا”.

تصف آمنة حال الغزيين اليوم بأنه “خليط من الإنهاك النفسي والجسدي”، فهم لم يعودوا يملكون طاقة للحزن أو حتى للتفكير، إذ باتت الحياة سلسلة لا تنتهي من النزوح والموت والخوف.

تضيف وهي تمسح دموعها:

“كل ما أريده أن أستيقظ يوماً دون أن أسمع دويّ القصف، أن أشعر أن السماء صافية، وأن الحرب انتهت فعلاً لا قولاً”.

هذه الكلمات البسيطة تلخص البعد الإنساني الذي يتجاوز السياسة، وتعكس عطش الناس إلى السكينة والكرامة أكثر من أي شيء آخر.

رد حماس.. براغماتية سياسية لا استسلام

الرد الذي قدمته حماس على خطة ترامب، كما يرى مراقبون، جاء محسوباً بعناية؛ فهو لا يمثل قبولاً مطلقاً بالخطة، بل تجاوباً مدروساً مع ما يخدم أولوية وقف الحرب.

فالحركة وافقت على بندين أساسيين: إطلاق سراح الأسرى ضمن صفقة تبادل، وتسليم إدارة غزة لحكومة تكنوقراط فلسطينية، وهي نقاط كانت حماس قد قبلت بها سابقاً في جولات تفاوضية متعددة، لكنها هذه المرة ربطت التنفيذ بوقف الحرب أولاً، ما جعلها تبدو أكثر واقعية في أعين المجتمع الدولي.

ولم تتطرق الحركة صراحة إلى مسألة نزع السلاح التي كانت تل أبيب تعوّل عليها كشرط أساسي، بل أحالتها إلى مفاوضات لاحقة بعد وقف إطلاق النار، في خطوة فُهمت على أنها مناورة ذكية لتفادي فخ سياسي.

كما رفضت حماس أي حديث عن إدارة دولية لغزة، مؤكدة أن إدارة القطاع يجب أن تكون عبر إطار وطني فلسطيني جامع، ما قطع الطريق على السيناريوهات التي كانت تروج لها بعض الأطراف العربية والغربية.

الدهشة في واشنطن وتل أبيب

رد ترامب السريع على بيان حماس، خلال أقل من ساعة، أربك تل أبيب وأثار موجة جدل في الإعلام العبري، خصوصاً بعدما أعاد البيت الأبيض نشر البيان كما هو، متضمناً مصطلحات استخدمتها الحركة مثل “الإبادة الجماعية” و”المقاومة الفلسطينية”.

هذا الموقف فُسّر في الأوساط الإسرائيلية على أنه تحوّل في لغة الإدارة الأمريكية، بل واعتراف ضمني بشرعية التمثيل السياسي لحماس، وهو ما شكل صدمة لنتنياهو الذي كان يراهن على رفض الحركة للخطة كي يبرر استمرار الحرب.

موقع “حدشوت زمان” العبري وصف الموقف الأمريكي بأنه “قلب للطاولة”، بينما نقلت وسائل إعلام أخرى عن مسؤولين في تل أبيب قولهم إن حماس نجحت في تحويل المفاوضات من حرب على الإرهاب إلى حوار سياسي مباشر مع واشنطن، وهو ما اعتبرته دوائر إسرائيلية “إخفاقاً استخبارياً ودبلوماسياً مزدوجاً”.

بين نوبل ترامب ومأزق نتنياهو

يرى محللون أن ترامب يسعى من خلال هذه المبادرة إلى تسجيل إنجاز دبلوماسي وربما إلى الترشح لجائزة نوبل للسلام. ولذلك بدا أكثر ميلاً لوقف الحرب، حتى لو جاء ذلك على حساب حليفه الإسرائيلي.

أما نتنياهو، فقد وجد نفسه في زاوية حرجة، إذ إن أي قبول رسمي بالخطة يعني وقف الحرب الفوري والدخول في مفاوضات مع حماس، وهو ما يراه اليمين الإسرائيلي “انتصاراً للمقاومة”.

لكن رفض الخطة سيضع تل أبيب في مواجهة مباشرة مع واشنطن، ويعزل إسرائيل دولياً بعد موجة الترحيب التي صدرت عن عواصم عربية وغربية عديدة.

صحيفة “هآرتس” علقت بأن الكرة الآن في ملعب نتنياهو، وأن “أي مماطلة في تنفيذ وقف إطلاق النار ستُعد إعلاناً برفض الخطة الأمريكية”، بينما رأت القناة 12 أن “إسرائيل أمام اختبار مصداقية حقيقي أمام العالم”.

غزة تنتظر الصمت

على الأرض، يترقب سكان غزة ما ستؤول إليه الأيام القادمة. فكل بيت في القطاع لديه قصة نزوح أو فاجعة، وكل شارع يشهد على فصل جديد من المأساة.

ورغم الصدمة من حجم الدمار، فإن الناس هناك يتمسكون بخيط الأمل الرفيع الذي حمله رد حماس، معتبرين أنه ربما يكون آخر فرصة لإنهاء حرب الإبادة المستمرة منذ ما يقرب من عامين.

يقول أحد الشبان في مخيم النصيرات:

“لم نعد نصدق أحداً، لكننا نريد أن نصدق هذه المرة، فقط لأننا لا نملك بديلاً عن الأمل”.

بين الأمل والحذر، بين التفاؤل والريبة، تبقى غزة على موعد مع مصيرها المعلّق بين قرارات القادة وأحلام الناجين.

وحتى إشعار آخر، يبقى الصمت المنتظر هو الأمنيّة الوحيدة في مدينة أنهكها دويّ الحرب.

اقرأ أيضًا : مليارات جديدة في جيب ترامب ابن سلمان يبيع جدة تحت شعار التطوير العقاري