كشفت تحقيقات صحفية متقاطعة عن واحدة من أخطر قضايا التدخل الأجنبي في الحياة السياسية الفرنسية خلال السنوات الأخيرة، بعد اتهامات مباشرة للإمارات بإدارة حملة تأثير ممنهجة استهدفت حزب “فرنسا الأبية”، أكبر قوة يسارية في البرلمان، بهدف إرباك المشهد السياسي، وتشويه خصوم أبوظبي الأيديولوجيين داخل أوروبا.
القضية، التي باتت محور نقاش داخل الدوائر الاستخباراتية والإعلامية في باريس، فتحت الباب على مصراعيه أمام تساؤل كبير: إلى أي مدى وصلت يد الإمارات داخل السياسة الفرنسية؟

حملة نفوذ لا حادث معزول
بحسب ما أورده موقع “دارك بوكس” الاستقصائي، فإن التصعيد السياسي الذي تشهده فرنسا لا يمكن فصله عن عملية نفوذ طويلة الأمد، تقودها شبكات إعلامية واستشارية مرتبطة بأبوظبي، وتستهدف بصورة أساسية اليسار الفرنسي، وعلى رأسه حزب “فرنسا الأبية”. وتقوم هذه الحملة، وفق التحقيقات، على ربط اليسار بالإسلام السياسي، وإعادة إنتاج خطاب الخوف من المسلمين، بما يخدم أجندة سياسية تتقاطع مع اليمين واليمين المتطرف في أوروبا.
مصادر داخل أجهزة الاستخبارات الفرنسية اعتبرت أن ما يجري “يتجاوز الجدل الإعلامي”، ويدخل في إطار تدخل خارجي منظم يسعى إلى التأثير على الرأي العام وصناعة القرار السياسي، عبر أدوات ناعمة ظاهريا، لكنها شديدة الخطورة على المدى البعيد.
ميلانشون: نحن هدف مباشر
القضية خرجت إلى العلن بعد تصريحات لزعيم الحزب جان لوك ميلانشون، الذي أكد أن “فرنسا الأبية أصبحت هدفا للإمارات”، معلنا تقديم شكوى رسمية إلى النيابة العامة بتهمة التعرض لعملية تأثير أجنبية. وجاءت الشكوى عقب نشر استطلاع رأي مثير للجدل حول المسلمين في فرنسا، اعتبره الحزب جزءا من حملة منظمة لتأجيج الكراهية وربط الإسلام السياسي باليسار.
الاستطلاع تحدث عن “إعادة أسلمة” المجتمع الفرنسي، و”تصاعد مقلق في الالتزام بالأيديولوجية الإسلامية”، وهو ما دفع منظمات إسلامية إلى تقديم شكاوى قانونية، متهمة القائمين عليه باستخدام أسئلة منحازة تهدف إلى نشر الذعر داخل المجتمع.
منصات إعلامية على صلة بأبوظبي
التحقيقات، التي شاركت فيها صحيفتا “لوموند” و”ميديابارت”، كشفت عن علاقات وثيقة بين القائمين على مجلة “إكران دو فاي” وشركة Global Watch Analysis، وبين شبكات نفوذ إماراتية معروفة بعدائها الشديد للإسلام السياسي ولقطر. وأظهرت الوثائق أن مؤسس هذه المنصات، أتمان تازغارت، كان على تواصل مع عميل إماراتي سابق لعب دورا مركزيا في عمليات تأثير نفذتها شركة الاستخبارات السويسرية “Alp Services” لصالح أبوظبي.
وتعيد هذه المعطيات إلى الأذهان فضيحة كبرى كشفتها “ميديابارت” عام 2023، حين تبين أن الشركة السويسرية جمعت بيانات عن أكثر من ألف شخص ومئات المنظمات الأوروبية، وصنفتهم زورا على أنهم مرتبطون بجماعة الإخوان المسلمين، قبل تمرير الملفات إلى أجهزة الاستخبارات الإماراتية لاستخدامها في حملات تشويه وتحريض.
اختراق المؤسسات تحت قبة البرلمان؟
القلق لم يتوقف عند الإعلام، بل امتد إلى مؤسسات الدولة نفسها. فقد حذر حزب “فرنسا الأبية” من أن شبكات نفوذ إماراتية قد تكون تسللت إلى البرلمان، بعد استدعاء لجنة تحقيق برلمانية لمستشارين وإعلاميين محسوبين على منصة “إكران دو فاي”، للإدلاء بشهاداتهم حول ما سمي “التغلغل الإسلامي”.
ويرى الحزب أن هذا المسار يعكس نجاح حملات التأثير الخارجية في توجيه النقاش السياسي، وتحويل البرلمان إلى منصة لتصفية حسابات إقليمية لا علاقة لها بالمصلحة الفرنسية.
الاستخبارات تنفي… والتحذير قائم
وخلال جلسات الاستماع، نفى مسؤولو الاستخبارات الفرنسية وجود أي روابط بين حزب “فرنسا الأبية” والمنظمات الإسلامية، وهو ما أقر به حتى مقررو اللجنة من اليمين. غير أن ميلانشون اعتبر تجاهل “الدور الإماراتي” أمرا خطيرا، محذرا من أن فرنسا تتحول إلى ساحة صراع بالوكالة بين قوى إقليمية.
وقال بوضوح: “لا أقبل أن تكون فرنسا مسرحا لتصفية الحسابات بين الإمارات وقطر أو غيرهما”.
استهداف نواب ومعارضين
إحدى أكثر القضايا إثارة للجدل تعلقت بالنائب كارلوس مارتنز بيلونغو، الذي خضع لتحقيق مالي انتهى بإسقاط جميع التهم. تحقيقات لاحقة كشفت أن الملف شابه “أخطاء غير معقولة”، ما أثار شكوكا حول ضغوط خارجية، خصوصا بعد مواقف بيلونغو المنتقدة لدور الإمارات في قمة المناخ COP28.
ما وراء فرنسا
التحقيقات تخلص إلى أن ما يجري في باريس ليس سوى جزء من استراتيجية إماراتية أوسع لإعادة تشكيل النقاش الأوروبي حول الإسلام وفلسطين، وتعزيز نفوذ اليمين المتطرف. ورغم ذلك، لا تزال المؤسسات الفرنسية تتعامل بحذر شديد، وربما بتردد، مع هذا الملف الشائك.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تمتلك فرنسا الإرادة السياسية لمواجهة تدخل إماراتي يجري – كما تقول التحقيقات – “على مرأى من الجميع”، أم أن الصمت سيمنح أبوظبي مساحة أوسع للعبث بالديمقراطية الأوروبية؟
اقرأ أيضًا : ميليشيا الإمارات ترفض مطلب السعودية: الانتقالي الجنوبي يتحدى الرياض