منذ أن سيطرت قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في السادس والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، دخلت الحرب السودانية منعطفًا جديدًا، فتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة تتجاوز البعد العسكري إلى تهديد وحدة السودان نفسه.

فالسقوط السريع للمدينة في يد قوات محمد حمدان دقلو (حميدتي) لم يكن حدثًا ميدانيًا عابرًا، بل خطوة على طريق مشروع انفصالي تغذّيه أطراف إقليمية، في مقدمتها الإمارات، التي ترى في تقسيم السودان فرصة لتوسيع نفوذها عبر أذرع عسكرية ومالية في قلب القارة الإفريقية.

الفاشر.. السقوط الذي هزّ موازين الحرب

شكلت الفاشر، تاريخيًا، عاصمة لإقليم دارفور ومركزًا استراتيجيًا للجيش السوداني في غرب البلاد. لكن بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب، أصبحت المدينة هدفًا رئيسيًا لقوات الدعم السريع، التي استغلت انشغال الجيش بالدفاع عن الخرطوم وبورتسودان والقضارف، وهي المدن الثلاث التي تمثل رموز السيادة والتجارة والغذاء للسودان. هذا التوزيع العسكري جعل دارفور شبه خالية من الدفاعات القوية، ما سمح لحميدتي بشن هجمات متتالية انتهت بسقوط الفاشر.

ولم يكن هذا التقدم مجرد انتصار ميداني، بل جزء من خطة أوسع تهدف إلى تثبيت سلطة موازية في الغرب، شبيهة بما فعله خليفة حفتر في شرق ليبيا، حيث أقام سلطة أمر واقع مدعومة من أبوظبي. وبالفعل، أعلن حميدتي في أبريل/نيسان 2025 تشكيل ما سماه “حكومة السلام والوحدة”، مركزها دارفور، وأعلن نيته إدارة أربع ولايات وطباعة عملة وإصدار جوازات سفر، في تحدٍّ مباشر لحكومة الخرطوم.

الإمارات.. الممول الخفي والانقسام المعلن

تتقاطع السيطرة على الفاشر مع مصالح إماراتية أوسع في السودان، إذ تتهم تقارير متعددة – منها تقارير أممية وتحقيقات استقصائية – أبوظبي بتمويل وتسليح قوات الدعم السريع عبر شبكات تهريب تمتد من الصومال وتشاد والنيجر، وصولًا إلى مناطق التمركز في غرب السودان. ويكشف هذا الدعم عن رؤية إماراتية تسعى إلى خلق “نظام موازٍ” داخل السودان يخدم أجندتها الاقتصادية والعسكرية في إفريقيا.

فمنذ سنوات، تستثمر الإمارات في مناجم الذهب بدارفور، خصوصًا في جبل عامر، الذي تموّل عائداته جزءًا كبيرًا من عمليات الدعم السريع. ويُنظر إلى هذا الذهب كبديل لاحتياطات نقدية ضخمة تُستخدم لتمويل الحرب، في مقابل تمكين أبوظبي من التحكم في واحدة من أهم ثروات السودان الطبيعية.

ويذهب محللون إلى أن الإمارات تراهن على نموذج “الدويلات العسكرية” التي تضمن لها النفوذ بأقل كلفة سياسية، فبعد تجربتها الناجحة مع حفتر في ليبيا، تعمل على تكرار السيناريو ذاته في دارفور. ولأن حميدتي ينتمي إلى الإقليم، فإن دعمها له يمكّنه من بناء سلطة ذات طابع قبلي واقتصادي يسهل التحكم فيها عبر المال والسلاح.

هندسة سكانية على الطريقة الليبية

أخطر ما في سقوط الفاشر ليس فقط البعد العسكري، بل ما كشفته التقارير الحقوقية عن عمليات تطهير عرقي واسعة. فبحسب منظمة “هيومن رايتس ووتش” ومختبر جامعة “ييل” للأبحاث الإنسانية، نفذت قوات الدعم السريع عمليات قتل جماعي وتهجير قسري لمكونات قبلية تعتبرها معادية لها، مثل الفور والزغاوة والمساليت، فيما تم إحلال جماعات موالية لحميدتي مكانها.

هذه “الهندسة السكانية” تهدف إلى خلق حاضنة اجتماعية موالية للدعم السريع، تمهيدًا لإقامة كيان سياسي منفصل يضم دارفور وغرب كردفان. وهي سياسة تعيد إلى الأذهان ما حدث في ليبيا بعد عام 2014، حين ساعدت الإمارات حفتر في تفريغ مناطق من معارضيها وتحويل الشرق الليبي إلى منطقة مغلقة الولاء.

ووفق تقديرات مركز الجزيرة للدراسات، فإن سيطرة الدعم السريع على ربع مساحة السودان (المتمثل في إقليم دارفور) تمنحه قاعدة جغرافية كافية لإقامة سلطة موازية قادرة على البقاء لسنوات، وربما السعي نحو الاعتراف الدولي مستقبلاً، خاصة إذا استمر التدهور في الداخل السوداني وتآكل سلطة الجيش.

الفاشر بوابة إلى تقسيم السودان

من الواضح أن السيطرة على الفاشر تمثل خطوة استراتيجية نحو تقسيم فعلي للبلاد. فإلى جانب أن المدينة تقع على تقاطع طرق تربط السودان بليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى، فإنها تشكّل بوابة يمكن منها التوسع نحو كردفان، بما يتيح للدعم السريع الوصول إلى طريق بورتسودان، المنفذ البحري الرئيسي للبلاد.

وإذا تمكن حميدتي من السيطرة على الأبيض (عاصمة كردفان)، فسيصبح الطريق مفتوحًا أمامه لتصدير الذهب عبر البحر الأحمر، ما يكرس انفصالاً اقتصادياً قبل أن يتحول إلى سياسي. أما إذا نجح الجيش في الحفاظ على كردفان، فسيبقى أمامه خياران: إما خوض معركة شرسة لاستعادة دارفور، أو القبول بالأمر الواقع وتجميد خطوط القتال، وهو ما يعني اعترافًا ضمنيًا بسلطة حميدتي على الغرب.

بين التقسيم والتصعيد

تحاول الإمارات أن تلعب على خطين متوازيين: دعم حميدتي لتقويض سلطة الخرطوم، وفي الوقت ذاته تقديم نفسها كوسيط دولي “محايد” في الأزمة السودانية. هذا الدور المزدوج يمنحها نفوذًا مضاعفًا في أي تسوية مستقبلية، ويجعل من السودان ساحة جديدة لسياساتها التوسعية التي تجمع بين المال والسلاح والدبلوماسية الرمادية.

لكن هذا المسار لا يهدد السودان وحده، بل يمتد خطره إلى المنطقة كلها، إذ قد يتحول غرب السودان إلى “ليبيا ثانية”، منطقة تعج بالميليشيات العابرة للحدود، وممرًا لتهريب السلاح والذهب والبشر، ما يهدد الأمن الإقليمي في القرن الإفريقي ومنطقة الساحل والصحراء.

خاتمة

إن سقوط الفاشر ليس مجرد انتكاسة للجيش السوداني، بل علامة على مشروع تقسيم تغذّيه قوى خارجية، في مقدمتها الإمارات، التي تراهن على الخراب لتوسيع نفوذها. وما لم يتحرك المجتمع الدولي لوقف هذا السيناريو، فإن السودان يسير بخطى ثابتة نحو نموذج “الدويلة العسكرية” التي تمزق الجسد وتدفن ما تبقى من حلم الدولة الوطنية الموحدة.

اقرأ أيضًا : ما وراء خلية ألمانيا – النمسا – بريطانيا !؟