في شهادة تقشعرّ لها الأبدان، يروي الأسير الفلسطيني المحرر أنس علّان، من قرية جينصافوط بمحافظة قلقيلية شمال الضفة الغربية، فصولًا مروّعة عن واقع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، مؤكدًا أن “السجن ما بعد الطوفان لم يعد مكانًا للاعتقال، بل صار مقبرة للموت البطيء”. 

علّان، الذي أمضى 19 عامًا في الأسر قبل أن يتحرر في صفقة طوفان الأحرار 3 ضمن اتفاق أُبرم عقب خطة ترامب لإنهاء حرب غزة، أُبعد إلى مصر حيث تحدث عن تجربة تعكس حجم الإجرام الممنهج الذي تمارسه سلطات الاحتلال ضد الأسرى الفلسطينيين.

انهيار النظام الداخلي للسجون: من كرامة الأسير إلى استبداد السجان

يصف أنس علّان التحول الجذري الذي طرأ على معادلة القوة داخل السجون بعد “طوفان الأقصى”، إذ لم يعد للأسير الفلسطيني أي مساحة من القرار أو الكرامة، بعدما أصبح السجّان هو “الحاكم المطلق” بتفويض مباشر من وزيري الأمن الداخلي إيتمار بن غفير والمالية بتسلئيل سموتريتش.

يقول أنس: “قبل 7 أكتوبر كان للأسير بقية من كرامة، كان يستطيع أن يطلب شيئًا، يناقش إدارة السجن، وحتى يحتج إن تم الاعتداء عليه. أما اليوم فالسجان هو السيد، والكل أمامه مجرد رقم ينتظر الإذلال أو العقاب.”

فقد جُرد الأسرى من كافة مكتسبات الحركة الأسيرة التي انتُزعت عبر عقود من النضال داخل السجون. ألغيت البرامج التعليمية، سُحبت الأجهزة الكهربائية، مُنعت الكتب، وأُغلقت المكتبات، حتى المراسلات مع الأهل باتت خاضعة للمنع الكلي أو الرقابة المشددة.

تدنيس للمقدسات وإهانة للعبادة: حرب على الإيمان

في شهادة علّان، يظهر جانب آخر من الإجرام الإسرائيلي ضد الأسرى، إذ تجاوز الانتهاك حدود الجسد إلى إهانة الروح والمقدسات. فقد أقدمت قوات مصلحة السجون على رمي المصحف الشريف في المراحيض، وسحب سجادات الصلاة من الزنازين، ومنعت صلاة الجماعة بشكل قاطع.

يقول أنس: “حتى العبادة صارت جريمة. لو رفعت الأذان أو أعلنت وقت الصلاة، يُقمع القسم كله. لم يعودوا يكتفون بإيذائنا جسديًا، بل يريدون كسرنا نفسيًا وإذلال ديننا.”

بهذا، تحولت الزنازين إلى مساحات مغلقة تُحاصر فيها الروح قبل الجسد، في حرب ممنهجة تستهدف هوية الأسير الدينية والوطنية معًا، بما يعكس عقلية استعمارية تسعى لمحو إنسانية الفلسطيني حتى وهو خلف القضبان.

تدهور المعيشة: المياه والهواء كامتيازات نادرة

لا تقتصر المعاناة على القمع الديني والنفسي، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية داخل السجن. يروي أنس أن السجّانين قطعوا المياه الساخنة نهائيًا، ومنحوا الأسرى ربع ساعة فقط للاستحمام يوميًا، مع تحديد فترة مماثلة لتزويد الغرف بالماء.

الغرف التي كانت تسع ستة أسرى فقط، أصبحت اليوم تضم 17 إلى 18 معتقلًا، في ظروف صحية وإنسانية قاسية.

الهواء أصبح شحيحًا، والضوء نادرًا، والوقت بلا معنى. “السجن صار زنزانة داخل زنزانة”، يقول أنس، “ننام متلاصقين كالأخشاب في العراء، لا مكان للراحة ولا للنوم، فقط انتظار الموت القادم ببطء”.

تجويع ممنهج وإهمال طبي: الموت بأدوات باردة

واحدة من أبشع صور التعذيب – وفق شهادة الأسير المحرر – هي سياسة التجويع الممنهجة. فبعد الطوفان، قلّصت إدارة السجون كميات الطعام بشكل حاد، فأصبح ما كان يُقدّم لأسيرين يُوزّع على اثني عشر أسيرًا.

الوجبة اليومية لا تتعدى طبقين من الأرز وكوب شوربة خفيفة. نتيجة لذلك، انخفض وزن العديد من الأسرى إلى النصف وأكثر، وسط تفشي أمراض مزمنة كالسكري وفقر الدم والقرح المعوية، دون أي رعاية طبية تذكر.

يقول أنس: “لم يعد الجوع شعورًا مؤقتًا، بل حالة دائمة. كأن الاحتلال قرر أن يجعل الجوع وسيلة للإبادة البطيئة.”

إغلاق الفورة وتحويل الزنازين إلى مقابر للأحياء

حتى الهواء الذي كان الأسرى يتنفسونه في ساحات السجون (الفورة) أصبح محظورًا. إذ تؤكد شهادة علّان أن إدارة السجون قيّدت الخروج من الزنازين بشكل شبه تام، وأن المرات القليلة المسموح فيها كانت مقرونة بعقوبات قاسية إن تجرأ أحد على تجاوز الأوامر.

ويصف المشهد بقوله: “في خط مرسوم على الأرض بين الغرف، لو حكيت مع أسير من الغرفة الثانية يضربوك ويكبّلوك ويقمعوك فورًا.”

هكذا تحولت الفورة إلى فخ، والزنزانة إلى قبر مغلق، والسجان إلى سيد يمتلك مفاتيح الحرمان والتعذيب، في مشهد لا يشبه إلا معسكرات الإبادة.

السؤال المفتوح: هل سيحاسب العالم هذا الإجرام؟

شهادة الأسير أنس علّان ليست حالة فردية، بل نافذة على جحيم صامت يعيشه آلاف الأسرى الفلسطينيين منذ السابع من أكتوبر.

فهل ما يجري في السجون الإسرائيلية بعد الطوفان هو مجرد انتهاك لحقوق الإنسان، أم أنه سياسة منظمة للإبادة البطيئة؟

سؤال يضع المجتمع الدولي أمام مسؤوليته الأخلاقية والإنسانية: هل سيواصل التواطؤ بالصمت، أم سيحاسب إسرائيل على تحويل السجون إلى مقابر للأحياء باسم الأمن والسيادة؟

بين شهادة أسير محرر وصمت العالم، يظل الأسرى الفلسطينيون يموتون كل يوم ببطءٍ محسوبٍ، وبقرارٍ رسميٍّ من دولة الاحتلال.

اقرأ أيضًا : تمويل بغطاء خيري.. تحقيق كندي يفضح تحويل ملايين الدولارات لدعم جيش الاحتلال والمستوطنات