مع اتساع رقعة الخلاف السعودي-الإماراتي، باتت إسرائيل في قلب حرب سرديات مفتوحة، تكشف كثيرًا مما كان يُدار في الظل، وتعرّي أدوارًا لطالما أُحيطت بغلاف دبلوماسي زائف. فقد أشعلت اتهامات سعودية مباشرة لأبو ظبي بأنها تتحرك كوكيل لإسرائيل عاصفة إعلامية غير مسبوقة، فيما تتداول داخل الإمارات نفسها مشاعر وانتقادات مشابهة، وإن بطرق ملتوية أو تحت سقوف محسوبة. في أواخر يناير، أثار مقال لأحمد التويجري، الأكاديمي السعودي البارز الذي شغل منصب عميد في جامعة الملك سعود وعضوًا في مجلس الشورى السعودي، ضجة واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ أكد أن “الشعب السعودي لا يحمل إلا المودة والأخوة والاحترام للشعب الإماراتي”، لكنه اتهم دولة الإمارات العربية المتحدة بأنها ألقت بنفسها “في أحضان الصهيونية وقبلت أن تكون حصان طروادة لإسرائيل في العالم العربي”، سعيًا وراء نفوذ إقليمي وإضعاف السعودية، في خيانة لما وصفه بـ“مساندة المملكة ورعايتها التاريخية للإمارات”.

السياق المباشر لمقال التويجري كان التصدع المتزايد بين الرياض وأبو ظبي، حيث يشكل اليمن خط الصدع الأبرز. ففي ديسمبر، شنّ المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتيًا والذي كان جزءًا من التحالف الهش المناهض للحوثيين، هجومًا مفاجئًا للسيطرة على مساحات واسعة من محافظة حضرموت الغنية بالنفط. وعندما فشلت جهود خفض التصعيد بين السعودية والمجلس الانتقالي، تحركت الرياض سريعًا لقطع ما اعتبرته شريان الحياة الأساسي للمجلس، أي الدعم العسكري الإماراتي. وفي وقت لاحق من الشهر ذاته، قصفت السعودية شحنة أسلحة أُرسلت من الإمارات إلى مدينة المكلا الساحلية في اليمن. ما بدأ كاشتعال موضعي سرعان ما تحول إلى مواجهة محتدمة على عدة جبهات. فبعد تحجيم الدور الإماراتي في اليمن، انتقلت السعودية إلى تقليص نفوذ أبو ظبي على امتداد الساحل الغربي للبحر الأحمر، فعززت دعمها للقوات المسلحة السودانية في مواجهة قوات الدعم السريع المدعومة إماراتيًا، ومولت طائرات مسيّرة وفرتها شريكتها الدفاعية باكستان، وفي الوقت نفسه دعمت سلطة الحكومة المركزية في الصومال، ما دفع مقديشو إلى إلغاء جميع الاتفاقيات مع الإمارات.

التوترات بين السعودية والإمارات ليست جديدة، لكنها كانت تُدار خلف الأبواب المغلقة، ولم يُعترف بها رسميًا من أي طرف، رغم تداولها في الإعلام الغربي. غير أن المواجهة العسكرية في اليمن فاجأت كثيرين، ووجدت نفسها سريعًا داخل مشهد إعلامي إقليمي شديد الاستقطاب. فقد خصصت قناة العربية المملوكة للسعودية بثًا شبه متواصل لتضخيم رواية الرياض حول الدور الإماراتي المزعزع للاستقرار، بينما دفعت سكاي نيوز عربية، المشروع المشترك بين سكاي وحكومة أبو ظبي، بسردية مضادة تركز على خطاب “مكافحة الإرهاب والتطرف الإسلامي” بما يتسق مع الموقف الإماراتي. ولم يكن التويجري الصوت السعودي الوحيد، إذ انخرط عدد من المحللين السعوديين في حملة إعلامية مكثفة على منصات إقليمية ودولية لتشويه صورة الإمارات عبر تسليط الضوء على روابطها بإسرائيل.

ففي مقابلة مع دويتشه فيله عربية، قال المحلل السعودي منيف عماش الحربي إن “المشروع الإسرائيلي في المنطقة يرتدي للمرة الأولى عباءة عربية”، متهمًا الإمارات بـ“تغذية الميليشيات وتقويض الدولة الوطنية” في اليمن والسودان وليبيا والصومال، ومشيرًا إلى أن الهجوم المدعوم إماراتيًا في اليمن جاء انتقامًا من السعودية بسبب تمسكها بحل الدولتين في فلسطين. الاتهامات بأن أبو ظبي تتحرك كوكيل لإسرائيل طالما أزعجت المسؤولين الإماراتيين الذين يصرّون على أن بلادهم فاعل سيادي تتقاطع مصالحه أحيانًا مع إسرائيل، لكن تصريحات السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام في تل أبيب عززت تلك الصورة، إذ نقل رسالة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قال فيها إن “بيبي يريد أن يبلغ الصحافة بأنه مذهول من مستوى التعاون وأهمية الشراكة بين الإمارات وإسرائيل، وأن محمد بن زايد فعل كل ما طُلب منه وأكثر”.

مقال التويجري واستقباله الحماسي في العالم العربي أربكا الإماراتيين، الذين سارعوا، وفق تقارير، إلى طلب دعم حلفائهم الموالين لإسرائيل. على منصة إكس، نشر الصحفي الإسرائيلي باراك رافيد المقال واتهم الصحافة السعودية بالترويج “لنظريات مؤامرة معادية لإسرائيل وخطاب معادٍ لاتفاقيات أبراهام” وباستخدام “لغة معادية للسامية”، مضيفًا أن “من الواضح أن الأمر يأتي من الأعلى”. حُذف المقال لفترة وجيزة، ما بدا وكأن السعودية تراجعت، لكنه أُعيد نشره خلال ساعات في رسالة تحدٍ، خاصة بعد أن انضمت رابطة مكافحة التشهير (ADL) إلى انتقاد “أصوات سعودية بارزة” بسبب تصريحاتها ضد إسرائيل. تصاعدت الحملة ضد السعودية، وامتدت إلى وسائل إعلام غربية موالية لإسرائيل، مع استهداف شخصي لولي العهد محمد بن سلمان، فيما قال نتنياهو إن من يريد “التطبيع أو السلام” يجب ألا يشارك في جهود تقودها قوى تعارض السلام.

غير أن السعودية، خلافًا لافتراضات نتنياهو وكثير من المعلقين الإسرائيليين، لا تسعى بنشاط إلى التطبيع في الوقت الراهن، ورغم أنها لا تعارضه من حيث المبدأ، فإنها ليست مستعجلة عليه، لا سيما في ظل وجود نتنياهو وائتلافه الديني المتطرف في الحكم. كما أدركت أن اتفاقًا أمنيًا مع الولايات المتحدة أو ترقية وضعها كحليف رئيسي من خارج الناتو لن يشكلا درعًا كافيًا من هجوم إيراني أو إسرائيلي، كما أظهرت تجربة قطر، ولا تثق بأن واشنطن ستفي بصفقات إف-35، خاصة بعد فشلها في تسليمها للإمارات رغم كونها حليفًا وثيقًا لإسرائيل.

في المقابل، تبدو الإمارات مرتاحة جغرافيًا من تبعات تدخلاتها، بينما تتحمل السعودية ارتدادات الصراعات الممتدة على حدودها، وهو ما يهدد مشاريع رؤية 2030 المتعثرة أصلًا. تشير تفاصيل غير معلنة إلى أن الخلاف مرتبط أيضًا برؤية 2030، إذ طلبت السعودية، بحسب مسؤولين إماراتيين، استثمارات لإنقاذ مشاريعها العملاقة المتعثرة، لكن الإمارات رفضت. من منظور الرياض، كان ذلك إهانة كبرى، بعد أن تحمّلت مغامرات أبوظبي العسكرية المزعزعة للاستقرار على أمل أن تضخ الإمارات رؤوس أموال في الاقتصاد السعودي، بينما أعلنت الكويت في أغسطس الماضي تخصيص 164 مليار دولار لاستثمارات إقليمية تتصدرها السعودية.

على مستوى القوة الناعمة، تحاول الإمارات اللعب على حبال متناقضة. فبينما يحشد متحدثوها الناطقون بالإنجليزية للتأكيد على التزامها باتفاقيات أبراهام ومحاربة “الإسلام الراديكالي”، تنتشر داخليًا سرديات أقرب إلى المزاج الشعبي العربي. ففي منصة البودكاست الإماراتية ArabCast، حصدت حلقة بعنوان “كيف ستنتهي إسرائيل؟” للكاتب المصري أسامة الشاذلي مشاهدات واسعة، حيث استشهد بسفر يشوع ليزعم أن الإبادة جزء من الهوية اليهودية، متحدثًا عن “عقدة الضحية الدائمة”، دون اعتراض يُذكر من المضيف الإماراتي. وفي حلقة أخرى، ادعى الكاتب العراقي خزعل الماجدي أن إسرائيل تسعى للسيطرة على العالم العربي كله، وأنه لا يوجد دليل أثري يربطها بفلسطين التاريخية، فيما استُخدمت هذه التصريحات للترويج للحلقات على وسائل التواصل.

من الأمثلة الصارخة على ازدواجية الخطاب تجنيد الإمارات لعلي الجفري، رجل الدين اليمني المجنس إماراتيًا، لاتهام “الاحتلال الصهيوني” وعناصر ناطقة بالعربية في الوحدة 8200، إلى جانب الإخوان المسلمين، بإثارة الفتنة بين الإمارات وجيرانها. بالنسبة لأبو ظبي، ليست هذه تناقضات، بل إدارة توتر بين تعميق علاقتها بإسرائيل لتطوير قطاعات التكنولوجيا والسلاح، وبين انغماسها الجغرافي والديني في منطقة يزداد استياؤها من سياستها الخارجية.

في غزة، برزت وقائع مثيرة للجدل تُظهر الإمارات وكأنها تتحرك لصالح إسرائيل. ففي اليمن اتهمت السعودية الإمارات بتهريب السلاح تحت غطاء المساعدات، لكنها تجنبت الإشارة مباشرة إلى ما قاله أسامة حمدان، ممثل حماس السابق، عام 2024، حين اتهم الإمارات باستخدام مستشفاها الميداني في غزة غطاءً لوحدة استخباراتية تبحث عن مواقع إطلاق الصواريخ. كرر التويجري تلك الاتهامات وأشار إلى تقرير حُذف من جيروزاليم بوست عن استخدام الإمارات قواعدها العسكرية لدعم المجهود الحربي الإسرائيلي. كما أثار ظهور سيارات بلوحات إماراتية يُزعم استخدامها من قبل عناصر ميليشيا أبو شباب المتحالفة مع إسرائيل في غزة تساؤلات إضافية، في ظل ارتباط أبو ظبي بمحمد دحلان.

وفي نوفمبر، ارتبط اسم الإمارات بجدل حول تهريب فلسطينيين خارج غزة عبر شركة غامضة تدعى Al-Majd Europe، أسسها الإسرائيلي-الإستوني تومر يانار ليند، الذي يذكر دبي مقرًا له على لينكدإن. ورغم أن الرابط ظرفي، فقد غذّى شائعات عن دور إماراتي في تسهيل ما يسمى “الهجرة الطوعية”. ورغم تأكيد أنور قرقاش أن الإمارات لا أجندة لها في غزة، تشير تقارير ومخططات مسربة إلى استعدادها لتمويل مجمع سكني مغلق جنوب القطاع مزود بأنظمة مراقبة بيومترية وبرامج “إعادة تأهيل” و“مكافحة تطرف”. ووفق تقرير DropSite، يقف الجنرال الأمريكي السابق ومدير CIA الأسبق ديفيد بترايوس وراء فكرة “المجتمع المسوّر”، بينما يشغل منصب رئيس مجلس إدارة KKR في الشرق الأوسط، وهي شركة تستثمر مع BlackRock في أصول شركة أدنوك وأدنوك غاز، في تقاطع واضح مع صفقة الطاقة الإماراتية-الإسرائيلية لعام 2025.

كل هذه الخيوط تشير إلى مصالح إماراتية أوسع في غزة، حيث قد يشكل المجمع نقطة انطلاق لمشاريع طاقة وعقارات وموانئ. وفيما انضمت السعودية أيضًا إلى “مجلس السلام” الذي أطلقه دونالد ترامب، شددت على أنه إدارة انتقالية لغزة، وزادت مساعداتها الإنسانية، متجنبة منح شرعية لمبادرات وُصفت بأنها استعمارية جديدة، تاركة الإمارات تخوض هذا الحقل السياسي الملغوم. وعندما قال ليندسي غراهام إن “محمد بن زايد ليس صهيونيًا”، فإن مجرد الحاجة لمثل هذا التصريح تكشف حجم التهمة في الوعي العربي. فالإمارات، في سعيها للنأي بنفسها عن صفة “الصهيونية” دون التخلي عن شراكتها مع إسرائيل، تدرك أن معركة السرديات تميل لصالح السعودية، وأن صورة “حصان طروادة” لم تعد مجرد استعارة عابرة، بل اتهامًا يلاحقها في كل ساحة.