مقال : شريف عوض

تواجه المقاومة الفلسطينية اليوم مفترق طرق حاسم. من جهة هناك عرض دولي — أميركي ـ إسرائيلي يعمل على تسويق «صفقة» بدت بشكل غامض للبعض حلًا فوريًا لوقف الدماء؛ ومن جهة أخرى هناك حقيقة مريرة: غياب ضمانات حقيقية، وتواطؤ أو تبرّع من عواصمٍ عربية حسّاسة، عجزت عن حماية الشعب الفلسطيني على مدى عامين من المجازر والحصار. في هذا المشهد، لا تكفي الرفضيات العاطفية ولا قبوله الأعمى. المطلوب استراتيجية سياسية حكيمة تحفظ الكرامة والحقوق، وتحمى القدرة على استمرار المقاومة العالمية ضد الاحتلال الإسرائيلي المجرم، وتبقي الباب مفتوحًا أمام حلٍّ عادل لا يترجم الاستسلام.

وفيما يلي أضع مقترحا لما يجب أن تكون عليه ردة فعل حركة حماس وبقية فصائل المقاومة — في مواجهة هذا المأزق الكبير الذي أعده له الأعداء والأصدقاء على السوية.

  • موقف مبدئي: نرحّب بوقف الدماء

تُعلن المقاومة قبولها المبدئي لأي مبادرة توقف إراقة الدماء وإيصال المساعدات فوراً. هذا الموقف الإنساني يجب أن يُظهِر أن الأولوية حفظ الأرواح ومعالجة الكارثة الإنسانية.

في الوقت نفسه تؤكد المقاومة أن قبول المبادئ ليس قبولا ببنود تجعل الاتفاق محض مناورة جديدة تكسرها إسرائيل كما خرقت مئات الاتفاقات من قبل ولا تحول غزة إلى مجرد مقاطعة تحت وصاية أو قضبان احتلال دائم دون أس ضمانات تقوده إلى خطته الأولى المتمثلة في تهجير السكان وسلخهم عن أرضهم لتحقيق خطة نتنياهو وحكومته المتطرفة. لذا يكون البيان الأولي: “نقبل وقف النار وإدخال المساعدات الإنسانية تحت إشراف الأمم المتحدة والدول العربية والإسلامية الضامنة”.

  • رفض تفصيلي مشروعي

الاستراتيجية الأقوى هي أن تُبدى المقاومة قبولاً مشروطاً ومؤقتاً:

  • وقف فورِي لإطلاق النار وإعادة عدد من الرهائن كخطوة إنسانية أولى، بينما تستمر المفاوضات.
  • قبول مبدئي بإشراك وسطاء (قطر، تركيا، مصر، السعودية) لمواصلة التفاوض.
  • ثم المطالبة بتعديل فوري لأي بند يقيد حق الشعب في البقاء على أرضه وتقرير مصيره، بما في ذلك تقوير مصير المقاومة.

بمعنى عملي: المقاومة تقول «نقبل المبادئ، ونقترح تعديل البنود». هذا يمنع تصويرها كقوة ترفض السلام، ويمنحها هامش تفاوضي لتحويل الفخ إلى فرصة لكسب مكاسب ملموسة — رفع الحصار، ضمانات لانسحاب إسرائيلي حقيقي، فتح المعابر، إعادة الإعمار تحت رقابة محايدة.

  • اشترطوا قدرة الضامن أولاً: اختبار قدرة الحلفاء

أهم نقلة استراتيجية: المطالبة بآلية اختبار لِـ”الضامن“ قبل الاعتراف بأي إجراء من طرف المقاومة. المطلوب أن يكون السؤال الرسمي الأول: من الضامن؟ وما قدرة هذا الضامن على لجم إسرائيل عمليًا؟ وهل لدى الضامن سياسة ووسائل لفرض الالتزام — سياسية، دبلوماسية، اقتصادية (عقوبات) وحتى أمنية دولية قابلة للتنفيذ؟ أمريكا لا يمكن قبولها كضامن لأنها مع الاحتلال في خندق واحد وهما وجهان لعملة واحدة.

نقاط مطلبية عملية يجب أن تطرحها المقاومة علناً:

  • جدول زمني واضح ومُلزم لانسحاب القوات ورفع الحصار، مع آلية مراجعة مرحلية.
  • عقوبات فورية على أي خروقات إسرائيلية تُثبتها آليات رصد مستقلة، لا يعيقها الفيتو الأمريكي.
  • آلية وصول عاجل ومستدام للمساعدات الإنسانية دون أن تُستخدم أدوات الإملاء السياسي مقابل الغذاء والدواء.. بمعنى الفصل بين المساعدات الإنسانية ومسار المفاوضات، لتضع الأمم المتحدة عبر آلياتها الخاضعة للرقابة الدولية المسارات اللازمة لإغاثة السكان المدنيين وتخفيف آثار الجرائم الكارثية الإسرائيلية بحقهم، بما يعني وقف الإبادة حتي لو واصل الاحتلال الإسرائيلي القتال ضد المقاومة، ففي كل الأحوال لا يجب أن يستخدم النساء والأطفال والمرضى كورقة ضغط، وفي حال رفضت إسرائيل وأمريكا هذا البند فستكون الصورة واضحة للعالم، إسرائيل ترفض تطبيق القانون الدولي، بينما تطالب به المقاومة.

إذا فشل الضامنون في تقديم إجابات مقنعة خلال نافذة زمنية قصيرة، يكون الموقف الفلسطيني واضحاً: لا تنفيذ جزئي بلا ضمانات؛ ولا منح دون مقابل.

  • إدارة غزة: لا سلطة موازية ولا نقل للسيادة

تؤكد الحركة أنها تنأى بذاتها عن إدارة أو حكم غزة إذا اتفقت الأمة والشعب على ذلك، لكنها ترفض أن يتحول الأمر إلى استبدال احتلالٍ بآخر  أو أي إدارة انتقاليّة تُشرعن التحكم الأجنبي في الموارد والحدود والمقدرات. سياسة المقاومة يجب أن تتمحور حول:

  • قبول مشاركة وطنية تمتثل لشرعية شعبية فلسطينية.
  • رفض أي إدارة تفرض وصاية تقيّد قدرة الشعب على تقرير مصيره.
  • وضوح أن أي تسليم لصلاحيات الأمن يجب أن يكون تحت رقابة فلسطينية وعلى أسس وطنية، لا نزع سلطة الشعب.
  • العدالة والشرعية: محكمة دولية خاصة للحرب

خطوة جذرية لتعزيز الموقف الأخلاقي والقانوني: المطالبة بتشكيل محكمة دولية مستقلة — دولية أو مختلطة — تحقق في الجرائم المرتكبة خلال الحرب، ويخضع لها الجميع إن تبنّت المقاومة هذه المبادرة، فإنها:

  • تكسب رابطة أخلاقية قوية أمام الرأي العام العالمي.
  • تضع إسرائيل تحت ضغط قضائي مستمر قد يرافق أي عملية سياسية.
  • تُظهر موقفاً مسؤولاً من المساءلة، ويكون ذلك حجّة قوية في التفاوض: «نقبل الحل السياسي بشرط وجود مساءلة عن الجرائم».

على أن تُصرّ الحركة بوضوح على أن المحكمة تكون محايدة وتضم قضاة من دول غير متحزِّبة وقضاة دوليين ونشطاء حقوقيين مرموقين، مع آليات تنفيذية لتطبيق أحكامها (تعذر التنفيذ هو العدوّ، لذا يجب ربط القرارات بآليات عقابية دولية).

  • خطاب وطني وإقليمي مدروس

لا بدّ من خطاب موحّد يوجّه للمجتمع الدولي والعرب:

  • “نحن مع السلام العادل لا تسليم شعبنا للذبح”.
  • “نرحّب بأي دور للوسطاء لكننا نطالب بضمانات تنفيذية”.
  • “نُعلن استعدادنا لإعطاء الثقة للشركاء شرط أن يثبتوا فعليًا أنهم قادرون على حماية شعبنا”

    هذا الخطاب يجب أن يرافقه عمل دبلوماسي حثيث لاستثمار الشواهد على إخفاق الضامن العربي في الماضي وتحويلها إلى ضغط لتقديم ضمانات جديدة أو سحب أي تأييد شكلي.

ختاما: مزيج من المرونة والشرطية

الرهان الأنسب للمقاومة اليوم هو مزيج من المرونة السياسية (قبول مبدئي بوقف إطلاق النار) والشرطية الصارمة (لا نزع سلاح بلا ضمانات، لا إدارة بلا سيادة، لن تمر هذه الإبادة بلا رقابة ومساءلة). إن عجز الضامنين أو تواطؤ بعض الدول بجعل الخطة فخًّا، فهذا يجعل رفض البنود المشوّهة واجباً وطنياً وموقفاً أخلاقياً. أما إن تقدم الضامنون ضمانات عملية وملموسة — سياسية وقضائية ودولية — فحينها يمكن للحركة أن تتعامل بمرونة لأنها تسعى في النهاية إلى حرية وكرامة شعبٍ لم يعد يتحمّل.