يمضي النظام الإماراتي منذ سنوات في سياسة تقوم على اللعب على كل الحبال، مستغلًا حاجات الولايات المتحدة الاستراتيجية ومتخفّيًا خلف واجهة من الانضباط الدبلوماسي، بينما يتحرك في اتجاهات تتعارض تمامًا مع المصالح الأمريكية ومع استقرار المنطقة. فالإمارات تجمع في آن واحد بين ادّعاء التحالف مع واشنطن وبين توسيع شراكاتها العسكرية والتقنية مع الصين، الخصم الأول للولايات المتحدة، من دون أن تواجه أي ثمن حقيقي، وكأنها كيان فوق المحاسبة. وهذا السلوك ليس صدفة، بل استراتيجية مُحكمة يديرها النظام الإماراتي لابتزاز الجميع، وتضخيم نفوذه، وفرض نفسه لاعبًا لا يردعه قانون ولا يحاسبه أحد.
وتكشف المعلومات الأمريكية الأخيرة أن عناصر من جيش التحرير الشعبي الصيني ينشطون في منشآت حساسة داخل أبو ظبي، في وقت تستمر فيه الشركات الصينية في ترسيخ حضورها في ميناء خليفة وغيره من البنى التحتية الحيوية. ومع ذلك، يتصرف النظام الإماراتي بثقة مفرطة، وكأنه يعلم مسبقًا أن واشنطن لن تتخذ أي خطوة جدية لردعه. حتى إدارة بايدن، التي حاول بعض مسؤوليها دق ناقوس الخطر حول انحراف الإمارات عن الفلك الأمريكي، انتهى بها الأمر إلى إصدار تقرير باهت تجنب كل الملفات التي قد تُغضب أبو ظبي، في مشهد يعكس حجم النفوذ الذي راكمه النظام الإماراتي داخل المؤسسات الأمريكية.
وفي اللحظة التي كان ينبغي فيها معاقبة الإمارات بسبب تعمّق ارتباطها بالصين، حصلت شركة G42—الذراع التقنية للنظام الإماراتي—على إذن لشراء عشرات الآلاف من شرائح الذكاء الاصطناعي الأمريكية الأكثر حساسية. هذه الخطوة وحدها تكشف أن واشنطن، رغم إدراكها للمخاطر، تخضع لضغوط ونفوذ جعلت النظام الإماراتي يتصرف بحرية كاملة، يقترب من الصين حين يريد، ويتقرب من واشنطن حين يشاء، من دون أن يلتزم تجاه أي منهما بولاء أو قواعد.
ومقارنةً بالسعودية وقطر، اللتين سعتا للحصول على صفة “حليف رئيسي من خارج الناتو”، يظهر النظام الإماراتي وكأنه يعتبر نفسه فوق هذه التصنيفات. فهو يستضيف قواعد أمريكية لكنه يفرض قيودًا على استخداماتها أكثر من أي دولة خليجية أخرى. وهو حصل على وعد بطائرات F-35 بسبب التطبيع مع إسرائيل، ثم أفشل الصفقة بنفسه عندما تبين أن واشنطن غير مستعدة لمنحه التكنولوجيا المتقدمة بلا شروط، فاختار النظام الإماراتي التخلي عنها بدلًا من الالتزام بأي ضوابط.
وعلى المستوى الإقليمي، أصبح النظام الإماراتي لاعبًا منفلتًا، لم يعد محسوبًا على أي محور إلا مصلحته الخاصة. ففي اليمن، تدعم الإمارات قوات انفصالية تخوض مواجهات صريحة مع قوات مدعومة من السعودية في حضرموت، في تحدٍ مباشر للرياض. وفي السودان، تقف الإمارات في صف قوات الدعم السريع، بينما تدعم السعودية وقطر وتركيا الجيش السوداني، ما أدى إلى تصعيد وصل إلى حد محاولة محمد بن سلمان الضغط على واشنطن لكبح النفوذ الإماراتي، وهي خطوة نادرة تكشف عمق التوتر.
هذه التحركات ليست مجرد سياسات متخبّطة، بل تعبير عن مشروع توسعي ينفذه النظام الإماراتي بأدوات المال، وشبكات النفوذ، وتقديم خدمات استراتيجية للقوى الكبرى، خصوصًا إسرائيل، التي أصبح النظام الإماراتي أحد أهم أذرعها في المنطقة. وبفضل هذه العلاقة تحديدًا، يحصل على تساهل أمريكي هائل، حتى وصفه مسؤول أمريكي بأنه “الطفل المدلل لإسرائيل”، في إشارة واضحة إلى حجم الحماية السياسية التي يستمدها من هذا الارتباط.
وبينما تعاقَب الدول أو تُهدَّد لمجرد الاقتراب من الصين، يواصل النظام الإماراتي بناء شراكات عسكرية واقتصادية معها من دون أن يواجه أي عواقب، لأنه عرف كيف يُحكم قبضته على مؤسسات الضغط والتأثير في واشنطن عبر شخصية مثل يوسف العتيبة، الذي استثمر لعقود في شراء الذمم وبناء التحالفات داخل العاصمة الأمريكية. وهكذا يمارس النظام الإماراتي سياسة موازنة ظاهرية، لكنها في حقيقتها سياسة اختراق وابتزاز وتمكين ذاتي، تسمح له بالتحرك خارج أي إطار للمساءلة، سواء من الولايات المتحدة أو من محيطه العربي.
وبالنهاية، يقدم هذا السلوك صورة لنظام يعتبر نفسه فوق القواعد، يتحالف مع أمريكا حين يحتاج، ويعطي الصين ما تريد، ويرعى الفوضى في اليمن والسودان، ويغطي نفوذه باتفاقيات مع إسرائيل تمنحه حصانة غير مسبوقة. إنه نظام لا يُحاسَب لأنه يتقن لعبة النفوذ والمال، ويلعب على تناقضات القوى الدولية، ويعرف أن واشنطن—رغم المخاوف—لن تجرؤ على معاقبته ما دام يؤدي دورًا مطلوبًا في المعادلة الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط.