وصفة لحركات التحرر والأنظمة الحرة لمواجهة رئيس بلا قواعد

دونالد ترامب ليس مجرد رئيس أمريكي عابر، بل هو ظاهرة سياسية تُمثل جوهر العقلية الإمبريالية الجديدة، التي تتعامل مع الدول والشعوب كأوراق مساومة في صفقاتها، دون أي اعتراف بالحقوق التاريخية أو القانونية.

من هنا، فإن التعامل مع ترامب، سواء كان في صفقات سياسية أو تحركات تحرر وطني، يحتاج إلى استراتيجية مختلفة عن الأساليب التقليدية، خاصة بعد أن كشف الرجل عن أجندته الجنونية تجاه القضايا المصيرية، مثل دعوته لتهجير الفلسطينيين من غزة، فضلًا عن تهديده المستمر بتفكيك التحالفات الدولية، مثل انسحابه المحتمل من الناتو وصفقاته مع روسيا دون موافقة أوكرانيا.

هذا السجل من التهور السياسي يجعل أي تعامل منطقي معه خطأً فادحًا، ويجب على القوى المناهضة للهيمنة، سواء كانت حركات تحرر وطني أو أنظمة سياسية نشأت عن ثورات شعبية، أو حتى أنظمة لا ترغب في التعرض للإهانة والانتقاص والاستهزاء، أن تفهم كيف يفكر ترامب، وكيف يمكن تحويل جنونه إلى نقطة ضعف ضده.

في هذا السياق، نشر الصحفي روب هاستينغز، محرر المشاريع الخاصة، مقالًا في صحيفة iNews البريطانية بعنوان “عملتُ مع ترامب – إليك ما يحتاج ستارمر إلى معرفته لكسب وده”، قدم فيه مسؤول سابق في إدارة ترامب، كيفن كارول، رؤية من الداخل لطبيعة تفكير ترامب وكيف يمكن التفاوض معه بفعالية. ورغم أن المقال ركز على نصائح لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، إلا أن ما طرحه كارول قد يكون مفيدًا لفهم طبيعة التعامل مع هذا النوع من القادة غير التقليديين، خاصة لمن يواجههم في معارك سياسية وعسكرية حول العالم.

  1. ترامب ضعيف أمام الإطراء.. استخدم ذلك لصالحك

قد يبدو هذا تافهًا، لكن ترامب شديد التأثر بالإطراء والهدايا. هذه ليست مجرد ملاحظة بروتوكولية، بل نقطة يمكن استغلالها بذكاء، اليابانيون فهموا ذلك عندما أهداه رئيس الوزراء شينزو آبي مضرب جولف مطليًا بالذهب،  ساعد في تهدئة موقفه العدائي تجاههم في المفاوضات التجارية.

السعوديون لم يفعلوا شيئا عمليا ملموسا سوى الانصياع لأوامره وإغراقه بالهدايا الفاخرة والمراسم الملكية، حتى أنه وصف رحلته إلى الرياض بأنها “أفضل استقبال تلقاه أي رئيس أمريكي على الإطلاق”.

الدرس هنا: ليس بالضرورة أن تكون الهدية مادية، بل الأهم هو خلق وهم الإنجاز الشخصي لديه، وهو أمر يمكن أن تستفيد منه حتى الحركات التحررية في تعامله مع قضاياهم.

  1.  لا تحاول توعيته بالحقائق.. بل قدمها كصفقة

من الأخطاء الشائعة التي وقع فيها دبلوماسيون ومسؤولون عالميون أنهم حاولوا إقناع ترامب بالمنطق، وهو أمر لا يجدي معه، وفقًا لكيفن كارول، لم يكن ترامب يعرف حتى من قاتل من في الحرب العالمية الثانية!

في اجتماعات البيت الأبيض، أصر على قصف المكسيك بالقنابل الثقيلة لأنه اعتقد أنها مركز إنتاج الكوكايين، متجاهلًا أن المخدرات تأتي من أمريكا الجنوبية وليس المكسيك.

في أحد اجتماعات البنتاغون، حاول كبار الضباط العسكريين شرح بعض الأساسيات الجيوسياسية له، لكنه غضب وأهانهم قائلًا: “أنتم مجموعة من الأغبياء والأطفال.”

لذلك، عندما تتعامل معه، لا تحاول إقناعه بحقائق مجردة، بل اجعل أي مطلب يبدو وكأنه “صفقة” يفوز بها هو شخصيًا.

  1.  لا تقلل من خطورته.. حتى لو بدا غبيًا

ترامب ليس سياسيًا تقليديًا، لكنه بارع في استغلال الفوضى لصالحه. أي محاولة للتقليل من شأنه أو اعتباره مجرد شخص أحمق ستكون خطأً استراتيجيًا.

تهديده بتهجير الفلسطينيين من غزة إلى صحراء سيناء ليس مجرد تهريج، بل هو اختبار لمدى ضعف ورد فعل الحكومات العربية.

لذلك، لا يجب التعامل معه من منطلق “هذا الرجل لا يفهم”، بل يجب افتراض أنه يستخدم الفوضى كسلاح استراتيجي.

  1.  اجعله يخشى أن يبدو ضعيفًا أمام العالم

ترامب شخص نرجسي بشكل متطرف يكره شيئًا واحدًا أكثر من أي شيء آخر: أن يُنظر إليه على أنه ضعيف أو خاسر. هذه نقطة يمكن استخدامها ضده بذكاء.

في ملف أوكرانيا، كان يمكن إقناعه بمواصلة الدعم العسكري فقط لأنه يخشى أن يُنظر إليه كمن تراجع أمام بوتين القوي.

في قضية الشرق الأوسط، يمكن توجيه الرسائل إليه بطريقة توحي بأن قبول المخططات الصهيونية التوسعية سيجعله يبدو كأنه خاضع للوبي اليهودي في واشنطن، وهو ما لا يريده رغم محاباته لإسرائيل.

إذا أردت التأثير على قراراته، لا تحاول إقناعه بالمنطق، بل اجعله يعتقد أن قراره قد يُظهره ضعيفًا أمام خصومه.

  1.  لا تلعب وفق القواعد.. ترامب لا يعترف بها أصلاً

ترامب يرى العالم كسلسلة من الصفقات، لا كمنظومة قائمة على القوانين والمؤسسات. أي محاولة لمواجهته بأساليب تقليدية ستبوء بالفشل.

قراراته عشوائية، غير خاضعة للمنطق، وقابلة للتغيير بين ليلة وضحاها، ففي اجتماعات الناتو، كان جادًا تمامًا في الانسحاب من الحلف، وكان سيتم ذلك لولا معارضة مستشاريه.

لذلك، يجب على حركات التحرر الوطني والأنظمة الثورية أن تفهم أن التفاوض مع ترامب لا يمكن أن يتم وفق القواعد التقليدية، بل عبر استراتيجيات مرنة تعتمد على التلاعب بنقاط ضعفه.

  1.  لا تتركه بلا بدائل.. اجعله يختار بين السيئ والأسوأ

إذا كنت تتعامل مع ترامب، عليك أن تحاصره بين خيارين، كلاهما يؤدي إلى مصلحتك، فلو تم تقديم خيارين له في أوكرانيا، أحدهما يجعله يظهر كأنه بطل عالمي، والآخر يجعله يبدو ضعيفًا أمام بوتين، فإنه سيختار الأول حتمًا.

في ملف غزة، كان يجب على الدول العربية تقديم مبادرة ذكية تُجبره على دعم بقاء الفلسطينيين في أرضهم، بدلًا من تركه يتحدث عن سيناريوهات التهجير دون أي رد فعل.

هل تستطيع القوى المناهضة للهيمنة التعامل مع ترامب بذكاء؟

يظل ترامب نموذجًا للحالة السياسية التي تستغل الفوضى والابتزاز لتحقيق أهدافها، ولكي تنجح حركات التحرر الوطني والأنظمة الثورية في مواجهته، عليها أن تفهم أنه لا يهتم بالقانون الدولي، بل يهتم فقط بمظهره الشخصي وصفقاته الخاصة.

إذا كنت تريد النجاح في التعامل مع ترامب، فإن القواعد بسيطة كما ذكرنا، إنه رجل لا يلعب وفق القواعد، لذلك فإن الانتصار عليه لا يأتي من مواجهته مباشرة، بل من تطويع غروره لصالح المعركة.