في فضيحة جديدة تضيف فصلاً خطيرًا إلى سجل التدخلات الإماراتية في النزاعات الإفريقية، كشف تحقيق استقصائي أجرته منصة «دارك بوكس» عن شبكة نقل جوية سرية تديرها أبوظبي لدعم ميليشيا “الدعم السريع” في السودان، المتهمة بارتكاب جرائم إبادة جماعية في دارفور.
التحقيق، الذي دعمته شهادة رسمية من وزير الدفاع الصومالي أحمد فقي، وضع النقاط على الحروف حول علاقة الإمارات بتأجيج حربٍ أحرقت السودان وهددت استقرار القرن الإفريقي بأكمله.
شبكة تهريب من بوصاصو إلى دارفور
يؤكد التحقيق أن شبكة النقل الجوي تنطلق من مطار بوصاصو في إقليم بونتلاند شمال شرقي الصومال، وهو مطار تديره فعليًا شركات إماراتية بموجب عقود غامضة لا تخضع لرقابة الحكومة المركزية في مقديشو.
تلك الطائرات – بحسب الوثائق – تحمل شحنات من الأسلحة الخفيفة والذخائر والطائرات المسيرة، إضافة إلى مرتزقة من كولومبيا وجنوب إفريقيا، ويتم نقلهم إلى قواعد الدعم السريع في غرب السودان عبر مسارات ملتوية تمر بتشاد والنيجر لتضليل أجهزة الرصد الدولي وتغيير سجلات الطيران.
التحقيق وصف هذه العمليات بأنها “أكبر شبكة لوجستية مظلمة في إفريقيا”، تستخدم طائرات مدنية مُعاد تسجيلها في دول إفريقية لتجنب الملاحقة، ما جعلها تبدو كأنها رحلات تجارية عادية بينما تحمل في الحقيقة وقود الحرب.
“غسيل جوي” برعاية أبوظبي
يصف خبراء الأمن هذه العمليات بأنها “غسيل جوي” منظم؛ حيث تُستغل شركات الشحن المدني لتغطية رحلات عسكرية غير معلنة.
وبحسب بيانات الرحلات التي حصل عليها التحقيق، فإن بعض الطائرات تابعة لشركات إماراتية أعادت تسجيلها في دول إفريقية لا تمتلك قدرات رقابية قوية، مثل النيجر وأوغندا، لتجنب العقوبات أو الحظر الجوي.
مصدر أمني صومالي أكد أن الإمارات تستخدم مطار بوصاصو كمنصة متقدمة لإعادة تموين قوات الدعم السريع بالأسلحة والمعدات، وتقوم بنقل مدربين ومرتزقة أجانب لتدريب الميليشيا في مناطق غرب السودان.
كما أشار المصدر إلى أن سلطات بونتلاند المحلية تتلقى تمويلاً مباشراً من أبوظبي مقابل تسهيل هذه الأنشطة، وسط غياب شبه تام للرقابة الحكومية من مقديشو، ما جعل المطار يتحول إلى قاعدة عسكرية خفية تخدم مصالح أبوظبي.
تورط سياسي وأمني مزدوج
الفضيحة تأتي في وقت تتصاعد فيه جرائم ميليشيا الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) في دارفور ومدن أخرى، حيث وثّقت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية عشرات المجازر وحالات التطهير العرقي.
ورغم مزاعم الإمارات بالحياد، فإن الأدلة تكشف تورطًا مباشرًا في تسليح الميليشيا وتمويلها.
وزير الدفاع الصومالي أحمد فقي صرّح أن بلاده “تتابع بقلق بالغ الأنشطة الإماراتية في بوصاصو”، مؤكدًا أن الحكومة الصومالية لم تمنح أي تفويض رسمي لإدارة المطار أو استخدامه في عمليات عسكرية.
هذا التصريح الرسمي أخرج القضية من نطاق الشبهات إلى دائرة الحقائق الموثقة، ليضع الإمارات أمام اتهامات صريحة بإدارة حرب بالوكالة في السودان، متجاهلة القرارات الدولية التي تحظر تسليح أطراف النزاع.
غضب صومالي واحتجاجات شعبية
الكشف عن هذه الشبكة أثار غضبًا واسعًا في الشارع الصومالي. فقد ندد سياسيون وعلماء دين ومنظمات مدنية بما وصفوه بـ“بيع السيادة الوطنية للإمارات”، مؤكدين أن تحويل الأراضي الصومالية إلى ممر لتهريب الأسلحة يُعد جريمة بحق البلاد.
النائب عبد الله محمد حسين وصف ما يجري في بوصاصو بأنه “خيانة وطنية”، داعيًا إلى فتح تحقيق برلماني ومحاسبة الحكومة المحلية.
وفي مقديشو، خرجت تظاهرات شارك فيها ناشطون رفعوا لافتات تندد بالتغلغل الإماراتي في الموانئ والمطارات الصومالية، وطالبوا بإنهاء “العقود الاستعمارية” التي تمنح أبوظبي السيطرة على المرافق الحيوية.
شركات مثل موانئ دبي العالمية والبستان للاستثمارات تُتهم بإدارة موانئ ومطارات صومالية بعقود طويلة الأمد، تستخدمها الإمارات – وفق تقارير استخباراتية – لأغراض عسكرية في السودان واليمن وليبيا.
إمارات الحرب بالوكالة
يرى مراقبون أن ما يحدث في بوصاصو ليس استثناءً، بل استمرار لنمط معروف من السياسة الإماراتية في المنطقة.
المحلل الصومالي عبد القادر شيخ محمود قال إن “الإمارات تتعامل مع إفريقيا كمنطقة نفوذ عسكري واقتصادي، مستغلة هشاشة الحكومات المحلية لتأسيس شبكات تجارية وأمنية تخدم مصالحها”.
وأضاف أن “ما يجري في بوصاصو هو وجه آخر لسياسة الإمارات في ليبيا واليمن والسودان: تمويل الميليشيات وتسليحها ثم إنكار أي مسؤولية”.
يحذر خبراء من أن استمرار استخدام الأراضي الصومالية كمنصات لوجستية لعمليات أبوظبي العسكرية قد يؤدي إلى تفجر الأوضاع في المنطقة، ويقوض جهود الاتحاد الإفريقي لإحلال السلام في السودان.
المحلل السوداني عمر عبد الرحمن أكد أن “فضيحة بوصاصو تكشف أن الإمارات لا تبحث عن استقرار السودان، بل عن ضمان نفوذها في موانئ البحر الأحمر وممراته الاستراتيجية، حتى ولو كان ذلك على حساب دماء المدنيين”.
ويُتوقع أن تتعرض الحكومة الصومالية لضغوط دولية متزايدة، مع دعوات إلى تحقيق مشترك بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي حول استخدام الأراضي الصومالية في تهريب الأسلحة إلى السودان.
في النهاية، يبدو أن الإمارات تواصل اللعب بالنار في إفريقيا، بين مطارات سرية وصفقات مظلمة، في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية لوضع حد لسياساتها المزعزعة للاستقرار. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
هل تُحاسَب أبوظبي أخيرًا على حروبها بالوكالة، أم أن “الغسيل الجوي” سيظل يحلق فوق دماء السودانيين بلا عقاب؟
اقرأ أيضًا : الحوثي يتهم السعودية والموساد و”CIA” بتنسيق عمليات سرية ضد صنعاء