نشر الكاتب والمحلل الأكاديمي أندرياس كريغ تحليلًا مفصلًا حول دور النظام الإماراتي في رعاية الحركات الانفصالية وزعزعة استقرار دول المنطقة، موضحًا أن دولة الإمارات العربية المتحدة وسّعت بشكل عدواني استراتيجيتها المضادة للثورات بعد انطلاق ثورات الربيع العربي، حيث أنشأت شبكة إقليمية من الفاعلين غير الرسميين والمليشيات الانفصالية التي تخدم مشروعها الجيوسياسي. وأوضح أن هذه الشبكة تمتد من شمال أفريقيا إلى الخليج، مشيرًا إلى أن الإمارات استخدمت وكلاء محليين كـ”حصان طروادة” لزرع النفوذ وكسب العمق الاستراتيجي.
وأشار كريغ إلى أن نموذج الإمارات في بناء هذه الشبكة يشبه إلى حد كبير نموذج إيران في تأسيس ما يسمى بـ”محور المقاومة”، لكن على النقيض، فإن “محور الانفصاليين” الإماراتي يرتكز على أيديولوجية مضادة للثورات، وليس ثورية دينية كما هو الحال في المحور الإيراني. ووصف هذا المحور بأنه متعدد الطبقات، ويتكوّن من فاعلين عنيفين غير رسميين، وممولين، وشبكات تجارة، وشخصيات سياسية، ومؤثرين، جميعهم يرتبطون ببعضهم البعض من خلال البنية التحتية التي وفّرتها أبو ظبي.
وبيّن أن الإمارات، على الرغم من سعيها الحثيث لترسيخ نموذج “الدولة القوية”، إلا أنها – بشكل متناقض – ساهمت في زعزعة استقرار الدول المركزية في المنطقة عبر دعم رجال أقوياء يعتمدون على العنف المسلح، وهو ما أدى إلى تقويض سيادة الدول المركزية في كل من ليبيا، واليمن، والسودان، والصومال.
وذكر كريغ أن عدد مواطني الإمارات لا يتجاوز المليون، ما جعلها تضطر إلى توكيل بعض مهام “فن الحكم” إلى وكلاء وسطاء يعوضون نقص القدرات البشرية والمؤسساتية. وأضاف أن تصاعد طموحات الإمارات الخارجية منذ عام 2011 تزامن مع حاجتها المتزايدة إلى أدوات تمكنها من ممارسة النفوذ بأقل تكلفة بشرية.
وأوضح أن دافع الإمارات الأساسي كان الخوف من الفاعلين غير الرسميين الثوريين الذين ظهروا في الربيع العربي، وهو ما دفعها للبحث عن وكلاء محليين تستطيع من خلالهم احتواء هذه القوى الثورية، وخصوصًا جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من الجماعات الإسلامية التي كانت تمتلك القدرة التنظيمية الأكبر لقيادة المرحلة ما بعد الثورات.
بني فاطمة وشبكة القوة الإماراتية
قال كريغ إن هيمنة أبو ظبي على الإمارات بدأت تتعزز منذ الأزمة المالية عام 2008، عندما كانت إمارة دبي على وشك الإفلاس، وتدخلت أبو ظبي بضخ أموال ضخمة لإنقاذها. ومنذ ذلك الحين، بدأ تركيز السلطة يتمحور حول ثلاثة إخوة من آل نهيان: محمد بن زايد، ومنصور بن زايد، وطحون بن زايد، والذين يُعرفون باسم “بني فاطمة”، نسبة إلى والدتهم الشيخة فاطمة بنت مبارك.
وأوضح كريغ أن هؤلاء الإخوة الثلاثة قاموا ببناء مركز قوة موازي في الدولة، يقوم على شبكات من الكيانات الخاصة وشبه الحكومية التي تقدم كافة أدوات الدولة من استثمار وتمويل وأمن ولوجستيات. فحولوا أبو ظبي إلى مركز مالي واستراتيجي، تربطه شبكات عابرة للدولة من الشركات الأمنية، ومكاتب الاستثمار، وشركات التجارة واللوجستيات، وحتى الكيانات العسكرية الخاصة.
وبيّن أن هذه الشبكات ليست هرمية كما يبدو من الخارج، بل تعمل في نموذج أفقي من المركز إلى الأطراف، حيث يدور حول الإخوة الثلاثة والمقربين منهم عدد كبير من الفاعلين، من بينهم شركات خاصة، مؤسسات أمنية، شخصيات سياسية، وأفراد ذوي نفوذ إقليمي.
ورأى كريغ أن ما بدأ كـ”حرب على الإرهاب” في 2011، تحول إلى استراتيجية شاملة تستخدم أدوات الاعتماد المتبادل كسلاح. فبعد أن نجحت أبو ظبي في التحالف مع الجيش المصري لتنفيذ انقلاب 2013 والإطاحة بأول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، ازداد طموحها في إعادة تشكيل الواقع السياسي في المنطقة من خلال شبكاتها الخاصة.
وأكد أن الرؤية الاستراتيجية لمحمد بن زايد وإخوته أصبحت ترتكز على ربط النخب في الشرق الأوسط وأفريقيا بالإمارات، بحيث تصبح أبو ظبي مركزًا لا يمكن الاستغناء عنه، تمامًا كما تفعل الصين من خلال الاعتماد الاقتصادي. لكن الإمارات – بخلاف الصين – تتوسع في المجال الجيوسياسي، باستخدام الحروب، والميليشيات، وشبكات التهريب والتمويل، لبناء علاقات تبعية استراتيجية مع الأطراف الفاعلة في الدول المستهدفة.
وأشار إلى أن نقص القدرات المؤسسية الرسمية في وزارات الدفاع والخارجية الإماراتية، دفع أبو ظبي إلى الاعتماد على الوسطاء – غالبًا في القطاع الخاص – في تلك الدول. ومن خلال النفوذ الذي تبنيه على الأرض، يمكن للإمارات أن تبيعه لاحقًا للقوى الكبرى، كروسيا، والولايات المتحدة، والصين، مقابل الحماية والمكانة الدولية.
محور الانفصاليين في ليبيا – من حفتر إلى فاغنر
قال كريغ إن التجربة الليبية شكلت النواة الأولى لما يمكن تسميته بـ”محور الانفصاليين” الإماراتي، مشيرًا إلى أن البداية تعود إلى عام 2014 عندما عاد خليفة حفتر، القائد السابق في جيش القذافي، من منفاه في الولايات المتحدة. وفي فبراير من نفس العام، حاول حفتر إطلاق ما سماه “ثورة مضادة” عبر مقطع فيديو على يوتيوب، لكنها فشلت في البداية.
غير أن أبو ظبي رصدت هذا التحرك مبكرًا، وسارعت في غضون ثلاثة أشهر إلى تحويل هذه المحاولة الهزيلة إلى مشروع ثورة مضادة شامل، عبر تمويله وتسليحه وتوفير الغطاء الإعلامي له تحت ذريعة “محاربة الإرهاب”. وهكذا ولدت عملية الكرامة، التي كانت في حقيقتها شبكة من الميليشيات المهملة والمهمشة، تشن حربًا ضد خصم هلامي تسميه الإمارات “الإخوان المسلمين” – وهو توصيف فضفاض يشمل كل القوى الثورية التي شاركت في إسقاط القذافي عام 2011.
وصف كريغ هذه العملية بأنها عملية تضليلية، حيث أن “الجيش الوطني الليبي” الذي تأسس إثر هجوم حفتر على البرلمان الليبي في مايو 2014، لم يكن لا “وطنيًا” ولا “جيشًا” بمفهوم الدولة، بل كان تحالفًا ميليشيويًا يخضع لنظام ولاءات عشائري ومناطقي.
وأوضح أن العملية رغم فشلها في إسقاط الحكومة المعترف بها دوليًا في طرابلس، إلا أنها نجحت في ترسيخ سيطرة حفتر على شرق ليبيا، وخصوصًا مدينة بنغازي. هناك، أنشأ حفتر نظام رعاية عائلية يضمن استمرارية حكمه، بدعم إماراتي واسع. وقد ساعدت الإمارات في إحياء “القضية الشرقية” الليبية، وهي شعور تاريخي بالتمايز الثقافي والاجتماعي لدى قبائل إقليم برقة (سيرينيكا) عن إقليمي طرابلس وفزان.
وأشار كريغ إلى أن الشبكة الأمنية التي تغذي “الجيش الوطني الليبي” أصبحت عابرة للحدود، إذ تحوّلت ليبيا إلى بوابة رئيسية لمرتزقة أفارقة، وخصوصًا من منطقة الساحل والصحراء، مع انخراط قوات فاغنر الروسية في المشهد، والممولة جزئيًا عبر قنوات إماراتية.
وأكد كريغ أن الإمارات قامت بتزويد حفتر بالدعم اللوجستي والعسكري والاستخباراتي، بل وقدمت له غطاء جوي مباشر في معارك 2019. وعندما قامت مجموعة فاغنر الروسية بإنشاء قاعدة لها في ليبيا، كانت ممولة على الأرجح من بنوك إماراتية، ما جعل من شرق ليبيا مركزًا لقوات المرتزقة العابرة للمنطقة.
وبيّن أن الإمارات اعتمدت على شركات لوجستية خاصة لتوفير القدرة على نقل المعدات والجنود، ليس فقط إلى ليبيا، بل إلى ساحات قتال أخرى أيضًا. وقد تم خصخصة سلسلة التوريد بالكامل لتوفير الإنكار الرسمي، بحيث يصبح من الصعب إثبات التورط الإماراتي المباشر. ففي ذروة جائحة كورونا عام 2020، استخدمت القوات الجوية الإماراتية شركات محلية لإنزال 150 طائرة شحن عسكرية في ليبيا، لا تزال ذخائرها تغذي الميليشيات حتى اليوم.
وأضاف أن الإمارات ساعدت أيضًا في تمويل عمليات حفتر من خلال أصول مالية مجمدة تعود للقذافي، تم الإفراج عنها من بنوك إماراتية وتحويلها إلى شرق ليبيا. كما حاول حفتر بيع النفط الليبي خارج الإطار الرسمي للدولة، وفتح حسابات خاصة في بنوك إماراتية، رغم أن التجار الدوليين ترددوا في خرق سلطة المؤسسة الوطنية للنفط، مما دفع المبيعات نحو السوق السوداء.
اليمن – مشروع الانفصال والتقسيم
قال كريغ إن اليمن شكّل محطة حاسمة في تطور استراتيجية الإمارات بعد دعوتها من قبل السعودية في مارس 2015 للمشاركة في الحرب ضد الحوثيين. لكن أبو ظبي لم تكتفِ بالمشاركة ضمن التحالف، بل رأت في اليمن فرصة لتعزيز العمق الاستراتيجي في المناطق الساحلية الجنوبية، خاصة في مدينة عدن ومضيق باب المندب، الذي يُعد من أهم الممرات البحرية العالمية.
أوضح كريغ أن الحرب في اليمن سمحت للإمارات بمواصلة حملتها ضد “الإرهاب”، والتي تستهدف بها الحركات الإسلامية والمجتمع المدني الإسلامي، وفي الوقت نفسه وسّعت شبكة الاعتماد المتبادل التي أنشأتها. ففي سبتمبر 2015، عندما استُهدفت قاعدة إماراتية في مأرب بصاروخ حوثي أدى إلى مقتل 52 جنديًا، أعادت الإمارات التفكير في استراتيجيتها، وقررت تقليل الوجود العسكري المباشر، والاعتماد بدلًا من ذلك على المرتزقة والوكلاء المحليين.
وفي هذا السياق، أنشأت الإمارات في عام 2016 قوات “الحزام الأمني”، وهي قوة شبه عسكرية مكوّنة من مقاتلين قبليين جنوبيين. وتحت المظلة السياسية للمجلس الانتقالي الجنوبي (STC)، الذي تأسس في العام التالي، أصبحت الإمارات تدير سياستها في اليمن بعيدًا عن التوجه السعودي الأصلي.
وأشار كريغ إلى أن الإمارات تبنت نهج “فرّق تسُد” نفسه الذي اتبعته في ليبيا. حيث بَنَت سياستها على الحركة الجنوبية الانفصالية، التي كانت أصلًا التنظيم الأكثر جاهزية وتنظيمًا في الجنوب، ولها رواية سياسية قوية تطالب بالاستقلال عن الشمال، وشبكة جاهزة من المقاتلين يمكن الاعتماد عليهم بتكلفة منخفضة.
وبيّن أن الإمارات دفعت باللواء عيدروس الزبيدي، وهو جنرال من الحزام الأمني، إلى قيادة المجلس الانتقالي، رغم أنه لم يكن يمتلك الكاريزما العسكرية التي يتمتع بها حفتر. لكن كما هو الحال في ليبيا، فإن القيادة في الشبكة الأمنية الإماراتية لا مركزية إلى حد كبير، حيث يتمتع قادة الألوية باستقلال واسع، ويتصرفون كأمراء حرب بقواتهم الخاصة.
وأوضح كريغ أنه مع تفاقم الفوضى في شمال اليمن، سعت الإمارات لترسيخ نفوذها في الجنوب تحت راية المجلس الانتقالي. ففي عام 2019، سيطرت ميليشيات تابعة للمجلس على القصر الرئاسي في عدن، ما حرم الحكومة المعترف بها دوليًا – والتي كانت منفية أصلًا – من مقارها في الداخل.
وأشار إلى أن اتفاق الرياض لعام 2019، الذي تم تقديمه كاتفاق مصالحة، في الواقع قام بإضفاء شرعية دولية على المجلس الانتقالي، مما أتاح للإمارات استخدام وزنها الدبلوماسي لتقديم الزبيدي كشخصية شرعية في المحافل الدولية، بما في ذلك زيارات إلى روسيا.
وسلط كريغ الضوء على أن الإمارات وفرت البنية المالية واللوجستية لدعم المجلس الانتقالي. فالجنوب اليمني، خصوصًا عدن، يمتلك موقعًا بحريًا استراتيجيًا بالغ الأهمية. وبعد إنهاء عقد شركة موانئ دبي لإدارة ميناء عدن في عام 2012، بدأت شركة AD Ports الإماراتية في التفاوض العام الماضي لاستئناف إدارة الميناء، مما يمنح الإمارات موطئ قدم في أحد أهم الموانئ الإقليمية.
وأشار أيضًا إلى أن المجلس الانتقالي مكّن الإمارات من الوصول إلى منشآت الطاقة في بلحاف وحقول النفط في المسيلة. وتم تهريب النفط من الجنوب عبر شبكات من تجار السلع الإماراتيين، ليُباع في السوق الدولية، ويعود جزء من أرباحه إلى المجلس، بينما توفر الإمارات الاستثمارات والبنية التحتية في المقابل.
السودان – الذهب والمرتزقة والتهريب بين دارفور وأبو ظبي
قال كريغ إن السودان يشكّل أحد أبرز المحاور في شبكة الإمارات من الفاعلين الانفصاليين، مشيرًا إلى أن المقاتلين السودانيين كانوا جزءًا من هذه الشبكة منذ بدايتها، حيث أُرسل الآلاف من مقاتلي قوات الدعم السريع (RSF)، بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، للقتال في اليمن دعمًا للإمارات في حربها ضد الحوثيين.
وأوضح أن هذه المليشيا، التي نشأت من قبائل منطقة دارفور الحدودية مع تشاد، استُخدمت سابقًا كقوة حرس رئاسي للرئيس السوداني السابق عمر البشير، لكنها منذ تأسيسها رسميًا في 2013، تحوّلت إلى “دولة داخل الدولة”، بفضل الثروات الضخمة التي جنتها من تجارة الذهب والتهريب.
وأشار كريغ إلى أن حميدتي وأسرته استخدموا الإمارات كمنصة لتسويق وبيع الذهب السوداني – سواء المستخرج قانونيًا أو بشكل غير شرعي – مما أتاح لهم تراكم ثروات ضخمة مخزنة في بنوك إماراتية، بعيدًا عن أعين الدولة السودانية أو الرقابة الدولية.
وبيّن أنه بعد اندلاع الثورة السودانية في 2018، وسقوط نظام البشير، دعمت قوات الدعم السريع الانقلاب العسكري في 2019، الذي قاده الجيش السوداني، مما أطلق صراعًا بين القوتين على النفوذ في الخرطوم. وهنا رأت الإمارات فرصة للتخلص من نظام البشير الإسلامي الهوى، والسيطرة على السودان كمركز استراتيجي في شرق أفريقيا.
لكن هذا الدعم الإماراتي – ومعه الدعم السعودي – لم يكن كافيًا لاحتواء الصراع، الذي تطور إلى حرب أهلية شاملة بحلول عام 2023، بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
وصف كريغ حميدتي بأنه نموذج آخر من “الرجال الأقوياء” المرتبطين ماليًا بالإمارات، والذين يمتلكون ميليشيات تستند إلى قضية انفصالية. فالقبائل الدارفورية شاركت تاريخيًا في الحروب عبر الحدود، لا سيما في الحرب الليبية التشادية في الثمانينات، والتي قادها آنذاك خليفة حفتر لصالح القذافي.
وأوضح أن مقاتلي الدعم السريع الذين قاتلوا في اليمن وليبيا عادوا إلى السودان بخبرات قتالية وأسلحة، ما عزز من قوتهم. كما أن مخازن أسلحة الجيش الوطني الليبي، التي أعيد تزويدها من قبل الإمارات عام 2020، أصبحت مصدرًا لتسليح قوات حميدتي، في عملية تُدار بتنسيق غير مباشر لضمان الإنكار الإماراتي.
وبيّن كريغ أن أبو ظبي استخدمت وسائل مبتكرة لتهريب الأسلحة إلى قوات الدعم السريع، مثل إخفاء شحنات السلاح داخل ما يُفترض أنه مساعدات إنسانية، وشحنها عبر شركات لوجستية إماراتية إلى تشاد وأوغندا، ومنها تُنقل برًا إلى دارفور.
وأشار إلى أن شبكة حميدتي التمويلية أصبحت شبه مكتفية ذاتيًا، وتعمل من خلال منظومة مناجم، وتجار سلع، وشركات وهمية، وحسابات بنكية، جميعها مرتبطة بالإمارات. ويتم استخراج الذهب من مناطق سيطرة الدعم السريع، ثم يُنقل جوًا إلى دبي، حيث يتم تسييله نقدًا، وتخزينه في حسابات مصرفية، تُستخدم لاحقًا لدفع رواتب المقاتلين، وتأجير طائرات شحن، وشراء أسلحة، أو حتى التعاقد مع مرتزقة روس وشركات علاقات عامة.
ولفت كريغ إلى أن وزارة الخزانة الأمريكية فرضت عقوبات على عدد من الشركات الإماراتية التي تقدم خدمات لهذه الشبكة، سواء من خلال تسهيل شراء الإمدادات لصالح قوات الدعم السريع، أو نقل مرتزقة فاغنر إلى السودان.
وأوضح أن الإمارات لم توفّر فقط البنية اللوجستية والمالية لهذه الشبكة، بل دعمتها إعلاميًا أيضًا. فمع تصاعد الضغوط الإعلامية على قوات حميدتي بسبب ارتكابها فظائع يُتّهم بعضها بأنه يرقى إلى جرائم إبادة جماعية، لجأ حميدتي إلى شركات علاقات عامة إماراتية لتلميع صورته ومنح قواته مظهرًا من “الشرعية البديلة” للحكومة السودانية المدعومة من الأمم المتحدة.
الصومال – العبث بالجغرافيا والسيطرة على الموانئ
قال كريغ إن الصومال يُعد التجسيد الملموس لهدف الإمارات في القرن الأفريقي، حيث يتمتع هذا البلد بموقع استراتيجي بالغ الأهمية، يربط بين الممرات البحرية العالمية والمنافذ التجارية المؤدية إلى عمق أفريقيا. ومنذ عام 2010، وضعته الإمارات في صلب استراتيجيتها الرامية إلى بناء شبكة من الاعتمادات المتبادلة المدفوعة والمُسلّحة.
وأوضح أن الشركات الإماراتية المملوكة للدولة، مثل موانئ دبي العالمية وAD Ports، كانت تنظر إلى الصومال كموقع مثالي لإنشاء مراكز شحن وتوزيع إقليمي. لكن العلاقة بين أبو ظبي والحكومة الفيدرالية في مقديشو كانت دائمًا مضطربة وغير موثوقة، ما دفع الإمارات إلى تبني استراتيجية تجاوز الحكومة المركزية والتعامل مباشرة مع الكيانات الانفصالية في الأقاليم.
وأشار كريغ إلى أنه في عام 2010، أسست الإمارات قوة شبه عسكرية في إقليم بونتلاند لمحاربة القراصنة، سُميت قوات شرطة بونتلاند البحرية (PMPF). كانت هذه القوة تدار في البداية من قبل شركة إماراتية خاصة، في خرق واضح لحظر السلاح الذي فرضته الأمم المتحدة، وكانت تتبع مباشرة لرئيس إقليم بونتلاند، متجاوزة بذلك سلطة الحكومة المركزية.
وبيّن أن الإمارات لم تكتفِ بتمويل هذه القوة، بل افتتحت في عام 2022 قاعدة عسكرية في مدينة بوصاصو، والتي أصبحت لاحقًا نقطة لوجستية في شبكة تزويد قوات الدعم السريع في السودان.
وذكر كريغ أن الإمارات منذ عام 2017 وسّعت تواصلها مع إقليم صوماليلاند، وهو الكيان شبه المستقل الذي يطالب بالانفصال التام عن الصومال. وقد وافقت سلطات صوماليلاند على إنشاء قاعدة عسكرية إماراتية في ميناء بربرة، المطل على خليج عدن، في موقع استراتيجي بالغ الأهمية. كما قامت الإمارات بتدريب قوات صوماليلاند الأمنية، ما أدى إلى تعميق الفصل بين هذه القوات والحكومة المركزية.
وأوضح أن الإمارات أصبحت اليوم المستثمر الأجنبي الأكبر في صوماليلاند، وكانت خلف محاولات للضغط على إدارة ترامب من أجل الاعتراف باستقلال صوماليلاند مقابل الحصول على حقوق إقامة القواعد العسكرية.
وبيّن أن الإمارات منذ عام 2023 زادت من تدخلها في إقليم جوبالاند جنوبي الصومال، حيث دعمت الطموحات الانفصالية هناك في ظل تصاعد التوترات مع مقديشو. وقد نفذت أبو ظبي ضربات بطائرات مسيّرة، وقدّمت مركبات عسكرية لقوات جوبالاند. ويتمتع زعيم جوبالاند، أحمد مدوبي، بعلاقات وثيقة مع الإمارات، وقد سمح لها بإنشاء قاعدة عسكرية في مدينة كسمايو، عاصمة الإقليم.
وأشار كريغ إلى أنه عندما شعرت الإمارات أن الحكومة الفيدرالية في مقديشو لا ترغب بالارتهان الكامل لها، قررت تبني سياسة اللامركزية في التأثير، عبر التعامل مع مراكز قوة بديلة تضمن فيها احتكار الولاء، ولو على حساب وحدة الصومال وسلامة أراضيه.
شبكة متكاملة من النفوذ والارتباط – الإمارات كوسيط لا غنى عنه
قال كريغ إن دعم الإمارات لقوات الدعم السريع في السودان ليس إلا حلقة في شبكة أوسع بكثير، تهدف إلى خلق عمق استراتيجي من خلال منظومة من الوسطاء، في ظل محدودية قدرة الدولة الإماراتية كمؤسسة رسمية على إدارة مشاريع التوسع بمفردها.
وأوضح أن أبو ظبي بنت شبكة إقليمية عضوية، ذاتية الاستدامة، تعمل بمرونة، حيث تمنح الفاعلين المحليين هامشًا من الاستقلالية مقابل ولاء وظيفي يتيح للإمارات ممارسة نفوذها دون الظهور في الصورة بشكل مباشر. هذه الشبكة لا يمكن فصلها عن الإمارات ككيان قانوني وجغرافي، لكنها تُدار من خلال تكتلات من الفاعلين الرسميين والخاصين، دون الحاجة إلى الظهور المباشر لعائلة البني فاطمة.
وبيّن كريغ أن ما يجمع بين عناصر هذه الشبكة هو الدافع نحو الانفصال السياسي عن الحكومات المركزية، والبحث عن الربح، وإمكانية الوصول إلى البنية التحتية المالية واللوجستية الفائقة التي توفرها الإمارات. ومن هذا المنطلق، تشكّل ما يمكن تسميته بـ”محور الانفصاليين”، كشبكة متعددة الأطراف، تعزز الموقع الجيوسياسي للإمارات في واحدة من أهم المناطق الاستراتيجية في العالم.
ورأى أن هذه الشبكة منحت الإمارات مكانة دولية جديدة، إذ لم تعد القوى الكبرى قادرة على تجاهل وجود أبو ظبي في ساحات الصراع، مما جعل منها وسيطًا لا غنى عنه، قادرًا على مساومة كل طرف بمصالح الطرف الآخر، وضمان حصتها من النفوذ في كل عملية تفاوض أو صفقة كبرى.
وأشار إلى أن روسيا، من خلال شبكتها الجديدة “أفريكا كور” (التي خلفت فاغنر)، تعتمد على محور الانفصاليين الإماراتي كطريق للدخول والخروج من أفريقيا. كما أن الصين، التي تحتاج إلى سلاسل توريد مستقرة لتأمين مواردها في القارة، تجد نفسها مضطرة للتعامل مع نقاط العبور التي باتت تحت النفوذ الإماراتي. أما إدارة ترامب، فهي تسعى لتوظيف شبكات الإمارات في إطار مشروعها الجيو-اقتصادي الجديد.
واختتم كريغ تحليله بالتأكيد على أن الإمارات، الدولة الصغيرة تقليديًا، تحوّلت إلى قوة إقليمية كبرى من خلال هذه الشبكة، وحققت مستويات من التشابك والتأثير الجغرافي-السياسي تتجاوز ما وصلت إليه السعودية الأكبر حجمًا، أو قطر الأكثر حركة. لقد أصبح هذا المحور ركيزة أساسية في استقلال الإمارات الاستراتيجي، يسمح لها بملاحقة مصالحها حتى عندما تتناقض مع مصالح القوى الغربية، أو قيمها المعلنة.