في تصعيد سياسي يعكس التوتر المتزايد في مسار المفاوضات غير المباشرة لوقف إطلاق النار في غزة، ردت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بقوة على تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب والمبعوث الأميركي الخاص ديفيد ويتكوف، ووصفتها بأنها “غير متوازنة وتفتقر للمصداقية”، معتبرة أنها تأتي لتغطية على تهرب حكومة الاحتلال الإسرائيلي من الالتزامات وتعطيلها المتعمّد للمسار التفاوضي.

واشنطن تهاجم وحماس ترد: من يعرقل فعليًا؟
جاء الردّ الحاد من عضو المكتب السياسي لحركة حماس، عزت الرشق، الذي قال في بيان نشره على قناته الرسمية إن تصريحات ترامب وويتكوف “تتجاهل التقييمات الإيجابية للوسطاء، وعلى رأسهم قطر ومصر، الذين عبّروا مرارًا عن ارتياحهم لمرونة الحركة وجديّتها في التعاطي مع جهود وقف إطلاق النار”.
وكان ترامب قد صرّح مؤخرًا بأن حماس هي من تعرقل جهود التوصل إلى هدنة، فيما ذهب ويتكوف إلى الزعم بأن الحركة لم تُبدِ المرونة الكافية تجاه المقترحات المطروحة، متهماً إياها بتأخير الوصول إلى صفقة التبادل.
غير أن الرشق نفى هذه المزاعم جملةً وتفصيلاً، مؤكدًا أن حماس “تعاملت بمسؤولية وطنية ومرونة عالية، وقدّمت ردودًا مدروسة بعد مشاورات موسّعة مع مختلف الفصائل، بما ينسجم مع وثيقة ويتكوف نفسها”.
وأوضح الرشق أن تعديل حماس على مقترح الاتفاق لم يكن إلا “تحصينًا للبنود الإنسانية”، من حيث ضمان تدفق المساعدات عبر الأمم المتحدة دون تدخل إسرائيلي، وتقليص المناطق العازلة لتسهيل عودة السكان إلى منازلهم.
العرقلة من تل أبيب.. لا من غزة
الرشق لم يكتفِ بنفي مزاعم الطرف الأميركي، بل حمّل المسؤولية الكاملة لرئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، عن تعثر التوصل إلى اتفاق.
وقال: “نتنياهو هو من يراوغ، ويضع العراقيل عمدًا، ويُفشل المبادرات من أجل مصالحه الشخصية والسياسية، وعلى رأسها بقاؤه في الحكم، حتى لو كان ذلك على حساب دماء المدنيين في غزة”.
في الواقع، لم تكن هذه الاتهامات معزولة عن الواقع، إذ إن تقارير متعددة تحدثت عن تعمّد حكومة نتنياهو تشديد المواقف كلما اقتربت المفاوضات من اتفاق، في ظل تجاذبات داخلية بين أعضاء حكومته اليمينية المتطرفة، وضغوطات من وزراء مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، الرافضين لأي هدنة لا تحقق لهم “نصرًا سياسيًا أو أيديولوجيًا”.
ورغم التصريحات الأميركية، فإن الوسطاء القطريين والمصريين لم يصدر عنهم أي تأكيد لادعاءات ويتكوف، بل تحدثت تسريبات عن ارتياح نسبي للمواقف الأخيرة لحماس، وخصوصًا تجاوبها مع بعض البنود الجوهرية المتعلقة بترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار.
دحض الاتهامات حول المساعدات: الحقائق تفضح الدعاية
من النقاط التي ركّز عليها الردّ الحمساوي أيضًا، اتهامات أميركية وإسرائيلية سابقة بأن الحركة “تسرق المساعدات الإنسانية”، وهو ادعاء كرّره ترامب قبل أيام. غير أن الرشق فنّد هذا الاتهام مستندًا إلى تحقيق أجرته وكالة التنمية الأميركية (USAID) ونقلته رويترز، والذي أشار إلى عدم وجود أدلة على سرقة ممنهجة للمساعدات من قبل حماس.
التقرير أظهر أن 44 من أصل 156 واقعة استيلاء على المساعدات الإنسانية كانت بسبب العمليات العسكرية الإسرائيلية، وليس بسبب سيطرة الحركة، في دلالة واضحة على أن الاحتلال هو الطرف الذي يعيق الإغاثة ويستخدم المساعدات كسلاح حرب.
وأضاف الرشق أن الاحتلال “يقصف المدنيين في مناطق توزيع المساعدات، ويمنع وصول القوافل الإنسانية، ويغذّي الفوضى والانفلات الأمني”، مطالبًا واشنطن بالتوقف عن “توفير الغطاء السياسي والعسكري لإسرائيل” والانخراط الجاد في إنهاء الحرب وفتح الطريق لاتفاق إنساني وسياسي شامل.
رسائل مزدوجة من واشنطن: دعم غير مشروط لإسرائيل أم تسويق لدور الوسيط؟
تصريحات ترامب وويتكوف أعادت إلى الواجهة التساؤلات حول نوايا الولايات المتحدة الأميركية، التي تزعم لعب دور الوسيط، بينما توجّه سهام الاتهام لطرف دون آخر، في الوقت الذي تستمر فيه بدعم إسرائيل سياسيًا وعسكريًا في المحافل الدولية، وتحبط أي محاولات أممية لفرض وقف إطلاق النار أو محاسبة الاحتلال على جرائمه.
البيان الحمساوي بدا وكأنه دعوة لكشف تناقضات واشنطن: فمن جهة، تتحدث عن “حلول دبلوماسية” و”دعم للمبادرات الإنسانية”، ومن جهة أخرى تهاجم حماس وتتبنى الرواية الإسرائيلية بالكامل، متجاهلة التقدّم الفعلي في المسار التفاوضي، ومحاولات حماس تعديل المقترحات بما يحفظ الحدّ الأدنى من الكرامة الإنسانية لأهالي غزة.
ختامًا.. لعبة مكشوفة أم إخفاق في التقدير؟
تصريحات ترامب وويتكوف، بحسب مراقبين، لا تعكس واقع المفاوضات بقدر ما تعكس اضطرابًا في الموقف الأميركي بين تغطية فشل نتنياهو السياسي من جهة، وبين الحاجة لإظهار دور فعال لواشنطن من جهة أخرى.
ومع تصاعد الضغط الدولي من أجل إنهاء الحرب على غزة، يبدو أن الولايات المتحدة تُمعن في التلاعب بالخطاب السياسي، بدلًا من استخدام نفوذها للضغط على حكومة الاحتلال للدخول في مفاوضات حقيقية تفضي إلى وقف شامل لإطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى، وهو ما تسعى إليه حماس بوضوح في تصريحاتها الأخيرة.
اقرأ أيضًا : “بي بي سي” منبرتبرير المجازر.. كيف خسرت المؤسسة بتحيزها السافر لإسرائيل؟