يتسلم لبنان، اليوم الجمعة، أربعة أسرى من الاحتلال الإسرائيلي، بعد يوم من تسلّم الجيش اللبناني الأسير مالك غازي عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر عند معبر الناقورة، في خطوة تراهن بيروت على أن تشكل اختراقاً في مسار المفاوضات المتعثرة مع الاحتلال، ولا سيما في ملف الأسرى ووقف الاعتداءات الإسرائيلية جنوباً.

وكان رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو قد أعلن الإفراج عن خمسة أسرى مدنيين، في إطار المفاوضات مع لبنان، فيما أفادت المعلومات بأن اثنين من الأسرى الأربعة الذين يفترض تسليمهم اليوم يحملان الجنسية السورية.

وجاء الإفراج بعد فترة من الجمود في المباحثات، وسط رفض الاحتلال اتخاذ خطوات عملية في عدد من الملفات التي يطالب بها لبنان، وعلى رأسها وقف العمليات العسكرية والانسحاب من الأراضي التي لا تزال قوات الاحتلال تسيطر عليها، إلى جانب التقدم نحو منطقة تجريبية ثانية ضمن التفاهمات الجاري التفاوض عليها.

وتشير مصادر رسمية لبنانية إلى أن ملف الأسرى كان محوراً أساسياً في الجولة الثالثة من المفاوضات التي عقدت في روما خلال أغسطس/آب الماضي، وأن الوفد اللبناني تمسك بضرورة قيام الاحتلال بخطوة ملموسة في هذا الملف، في ظل امتعاض بيروت من غياب تنفيذ الالتزامات الأخرى المتفق عليها.

وبحسب المصادر، لعب السفير الأميركي لدى بيروت ميشال عيسى دوراً في الدفع نحو الإفراج، خصوصاً خلال لقائه الأخير مع نتنياهو بحضور السفير الأميركي لدى الاحتلال مايك هاكابي، إذ طالبت واشنطن الجانب الإسرائيلي بخطوة إيجابية من شأنها إبقاء المفاوضات قائمة ومنع انهيارها.

وتتمسك الولايات المتحدة باستمرار المباحثات وعقد جولة جديدة في أقرب وقت ممكن، وتضغط في اتجاه تنفيذ اتفاق الإطار الموقع في 26 يونيو/حزيران الماضي بين الطرفين.

وفي المقابل، تعهد لبنان بتقديم معلومات تتعلق برفات يهود لبنانيين اختفوا خلال ثمانينيات القرن الماضي، وقالت المصادر إن العمل بدأ بالفعل في هذا الملف، وسط توقعات بأن يؤدي إحراز تقدم فيه إلى الإفراج عن مزيد من الأسرى اللبنانيين.

وتعود قضية المفقودين اليهود إلى عمليات خطف وقعت في بيروت بين عامي 1984 و1987، وشملت شخصيات من الطائفة اليهودية اللبنانية، فيما ظل مصير عدد من الجثامين وأماكن دفنها مجهولاً حتى اليوم.

وترى بيروت أن الإفراج عن الأسرى الخمسة يمثل تطوراً مهماً، لكنها لا تعتبره كافياً في ظل استمرار الاحتلال في عملياته العسكرية جنوب لبنان، واستمرار احتجاز عشرات اللبنانيين.

وتضم القائمة المحدثة التي نشرتها الجمعية اللبنانية للأسرى والمحررين في 26 أغسطس/آب الماضي 36 اسماً، بينهم مزارعون وصيادون ومدنيون ومتطوعون ومقاومون، موزعون على فترات مختلفة منذ ما قبل أكتوبر/تشرين الأول 2024 وحتى ما بعد اتفاق الإطار الموقع في يونيو/حزيران 2026.

واللافت أن مالك غازي، الذي سُلّم الخميس، لم يكن مدرجاً ضمن قوائم الجمعية، وكذلك الأسرى الأربعة المقرر الإفراج عنهم اليوم، ما يشير إلى وجود حالات أسر واحتجاز لم تكن معلومة للجهات اللبنانية المختصة.

ورغم هذا التطور، لا تزال الجولة الثامنة من مفاوضات روما من دون موعد معلن، فيما تبقى عدة ملفات خلافية عالقة، من بينها استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، والمنطقة التجريبية الثانية، وآلية الإشراف على تنفيذ التفاهمات، إضافة إلى البحث عن صيغة بديلة للتنسيق الأمني بعد انتهاء ولاية قوات «يونيفيل» أواخر عام 2026.

لكن خطوة الإفراج ترافقت في الوقت نفسه مع تطورات ميدانية تناقض أجواء التهدئة، إذ أقدم الاحتلال الخميس على خطف ثلاثة مواطنين من بلدة حلتا جنوبي لبنان، كما واصل عملياته العسكرية في مناطق الجنوب.

وسجلت منذ منتصف ليل الخميس وحتى صباح الجمعة اعتداءات إسرائيلية في عدد من المناطق، بينها القنطرة باتجاه وادي الحجير والمنصوري والنبطية الفوقا، في استمرار لمشهد التصعيد الذي يضعف الرهان اللبناني على أن يتحول ملف الأسرى إلى بداية انفراج أوسع.

كما أعلن الاحتلال أنه استكمل عمليات قال إنها استهدفت بنى تحتية تحت الأرض تابعة لحزب الله في مرتفعات علي الطاهر بقضاء النبطية، وهو تطور يضيف مزيداً من التعقيد إلى المشهد الأمني والسياسي.

وبالتالي، فإن الإفراج عن الأسرى الخمسة يمثل اختراقاً محدوداً في ملف واحد، لكنه لا يعني حتى الآن حدوث تحول حقيقي في موقف الاحتلال أو في مسار المفاوضات. فالمعيار الأساسي بالنسبة للبنان يبقى وقف الاعتداءات، واستكمال تحرير الأسرى، والانسحاب من الأراضي المحتلة.

ومن هنا تترقب بيروت ما إذا كانت الخطوة ستفتح الباب أمام تحديد موعد الجولة الثامنة من مفاوضات روما وتحقيق تقدم في الملفات الأخرى، أم أنها ستظل إجراءً منفصلاً يستخدمه الاحتلال لإظهار مرونة تفاوضية بينما يستمر التصعيد على الأرض.