في خطوة وُصفت بأنها تحوّل نوعي في طبيعة التسليح الإقليمي في قلب أفريقيا، أعلنت وزارة الدفاع التشادية رسميًا تسلّمها منظومتي دفاع جوي من طراز FK-2000، وهي أنظمة صينية حديثة التصميم وصلت إلى نجامينا بدعم مباشر من وزارة الدفاع الإماراتية وبموافقة من بكين.

المنظومة الجديدة تمثّل نسخة مُعدّلة من النظام الروسي “بانتسير”، وتتميّز بقدراتها على كشف وتتبع الأهداف الجوية قصيرة المدى، حيث يتم تثبيتها على مركبات برية تحمل أيضًا مدافع رشاشة أوتوماتيكية، ما يمنحها مرونة قتالية عالية في البيئات المتغيرة.

اللافت في هذه الصفقة أنها تمت عبر طرف ثالث — الإمارات — ما يطرح علامات استفهام بشأن دوافع أبوظبي الاستراتيجية في تسليح دولة مثل تشاد، التي تلعب دورًا حساسًا في محيطها الإقليمي، وعلى حدود السودان المضطرب. 

وقد فتحت هذه الخطوة بابًا لتساؤلات أكثر عمقًا عن أهداف الإمارات من زيادة تسليح حلفائها في المنطقة، خاصةً في ظل ما يُثار حول دعمها لطرف النزاع في السودان، وتحديدًا قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي).

تطور نوعي في سلاح الدعم السريع

من جهة أخرى، شهدت الأسابيع الماضية تحولًا خطيرًا في ميزان القوة في السودان، لا سيّما في دارفور، ففي مطلع أبريل الجاري، أعلنت ميليشيا الدعم السريع إسقاطها لطائرة نقل من طراز أنتونوف تتبع للجيش السوداني في شمال دارفور. 

وفي فبراير، أعلنت أيضًا إسقاط طائرة شحن من طراز إليوشن قرب مدينة نيالا عاصمة جنوب دارفور، ما أسفر عن مقتل ثلاثة ضباط من سلاح الجو السوداني، في ضربة موجعة للقوات المسلحة.

مصادر عسكرية سودانية تحدّثت عن مفاجأتها باستخدام قوات الدعم السريع لأنظمة دفاع جوي متطورة لم تكن بحوزتها في السابق، وتحديدًا في محيط نيالا. ومنذ ذلك الحين، توقّف القصف الجوي للقوات الحكومية حول المدينة بشكل كامل، ما يشير إلى أن هذه الأنظمة فرضت واقعًا عسكريًا جديدًا في المشهد الميداني.

ولم تقتصر التحركات على نيالا وحدها، إذ رُصدت أيضًا أنظمة دفاعية مضادة للطائرات نُصبت في مدينة الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور، ما يعني أن الدعم السريع يسعى لفرض مظلة دفاعية جوية كاملة على مناطق نفوذه في الإقليم، ويحول دون التفوق الجوي للجيش.

الطائرات المسيّرة والممر الإماراتي

في ديسمبر الماضي، نشرت وكالة رويترز تحقيقًا استقصائيًا مفصلًا أكّد حصول قوات الدعم السريع على طائرات مسيرة من طراز CH-95 صينية الصنع.

هذه الطائرات قادرة على شنّ ضربات موجهة بدقة على أهداف تبعد أكثر من 200 كيلومتر، وقد تم إنشاء حظيرة مخصصة لها في مطار نيالا، حيث أصبحت جزءًا من الترسانة الجوية المتنامية لقوات حميدتي.

ما يدفع إلى القلق هو أن أفريقيا انتليجنس، وهي منصة استخباراتية موثوقة، أكدت سابقًا أن الإمارات وفّرت ممرًا جويًا وبحريًا لتزويد قوات الدعم السريع بالسلاح عبر تشاد وليبيا. 

وتربط هذه المنصة بين وصول منظومة FK-2000 إلى نجامينا وبين خط الإمداد الذي يربط العاصمة التشادية بمناطق نفوذ الدعم السريع في دارفور.

هذه المعلومات تتقاطع مع اتهامات أممية ودولية سابقة للإمارات بلعب دور سلبي في تأجيج النزاعات المسلحة، لا سيما في ليبيا واليمن، ويبدو أن السودان بات أحدث ساحات التدخل العسكري غير المباشر لأبوظبي، في إطار سياسة توسعية هدفها بسط النفوذ عبر وكلاء محليين.

المشهد الإقليمي: هل تشاد محطة تسليح أم طرف محتمل في النزاع؟

تسليم تشاد منظومة FK-2000 قد لا يكون فقط دعمًا دفاعيًا معزولًا، بل ربما يُمثّل إعادة تموضع إماراتي في منطقة الساحل والصحراء، حيث تسعى أبوظبي لتعزيز أدواتها في بيئة تشهد اضطرابات سياسية وعسكرية متصاعدة. 

فالتقارب الإماراتي-التشادي له جذور قديمة، وتزايد مؤخرًا مع دعم الإمارات لقوات الأمن التشادية وتدريبها في قواعد داخل أراضيها.

ويبقى السؤال: هل ستكتفي تشاد بدور الوسيط اللوجستي؟ أم قد تتحول إلى طرف فاعل في النزاع السوداني؟ لا سيما أن بعض المناطق الحدودية تُستخدم كممرات آمنة لتسليح قوات الدعم السريع، كما أن العلاقات المعقدة بين قبائل تشادية وسودانية تُضيف بُعدًا أهليًا للنزاع، يزيد من احتمالية تدويله.

خاتمة: حرب بالوكالة تُدار من أبوظبي؟

ما تكشفه هذه التطورات ليس فقط عن تحول نوعي في توازن القوة داخل السودان، بل أيضًا عن دور محوري تلعبه الإمارات في إعادة تشكيل الخرائط العسكرية في المنطقة. وبعيدًا عن الخطاب الدبلوماسي الرسمي، يبدو أن دعم أبوظبي لقوات الدعم السريع أصبح أمرًا يصعب إنكاره، ويطرح علامات استفهام كبرى حول دوافعها الحقيقية.

في هذا السياق، تصبح أنظمة الدفاع الجوي الصينية، والطائرات المسيرة، والمنصات الحدودية في تشاد، قطعًا جديدة في رقعة شطرنج معقدة، يُديرها لاعبون خارجيون ويُدفع ثمنها دماء السودانيين.

اقرأ أيضًا : الإمارات تحظر لهجتها على غير المواطنين: حماية ثقافة أم تمييز عنصري؟