كشف صحفي استقصائي بريطاني، يقيم منذ أشهر في هرجيسا، أن الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» كدولة مستقلة في 26 كانون الأول/ديسمبر 2025 لا يعكس إرادة السكان، بل جاء نتيجة هندسة سياسية وأمنية تقودها أبوظبي لخدمة مصالح الاحتلال الإسرائيلي في القرن الإفريقي، وسط معارضة شعبية ودينية واسعة جرى التعتيم عليها إعلاميًا.

الصحفي البريطاني جودي ماكنتاير قال، في سلسلة تغريدات مطولة نشرها عبر منصة «إكس»، إن ما سُوّق دوليًا بوصفه «تحولًا تاريخيًا» في موقف الإقليم، ليس سوى «احتيال مصطنع» يخفي حقيقة أن نحو ستة ملايين مسلم في الإقليم يرفضون الاعتراف بدولة الاحتلال والانخراط في مسار التطبيع. وأكد أن الإعلام الدولي تجاهل عمدًا الأصوات المعارضة، مفضلًا سردية سياسية جاهزة تخدم أطرافًا إقليمية بعينها.

قمع الأصوات الدينية والشعبية

استهل ماكنتاير شهادته بسرد واقعة اعتقال عالم الدين محمد عبد الرشيد، بعد خطبة جمعة انتقد فيها رئيس «أرض الصومال» عبد الرحمن محمد عبد الله، بسبب إشادته برئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، وانخراطه في مسار اتفاقيات أبراهام. وبحسب ما نقله الصحفي، قال الشيخ في خطبته: «لقد نصحناه وحذرناه، لكنه الآن في طريقه إلى تل أبيب»، معتبرًا أن تجربة الإمارات مع التطبيع أظهرت حجم الرفض الشعبي الحقيقي، وهو ما يتكرر اليوم في أرض الصومال.

وبحلول مساء الجمعة، أكدت تقارير محلية احتجاز عبد الرشيد، إلى جانب اعتقال عالم دين آخر في هرجيسا، قال إن سجنه «شرف» بسبب موقفه الرافض لنتنياهو. ويرى ماكنتاير أن هذه الاعتقالات تكشف طبيعة المرحلة الجديدة، حيث يجري إسكات أي صوت معارض لصفقة سياسية أُبرمت من فوق، دون أي تفويض شعبي.

مظاهرات مؤيدة لفلسطين ورسائل مغيّبة

وأشار الصحفي البريطاني إلى خروج مظاهرات مؤيدة للقضية الفلسطينية في مدن عدة، بينها بوراما في الشمال ولاسعانود في الجنوب، حيث عبّرت حشود عن رفضها للاعتراف الإسرائيلي. هذه التحركات، بحسب قوله، جرى تجاهلها بالكامل في التغطيات الدولية، مقابل التركيز على مشاهد محدودة جرى تضخيمها إعلاميًا لإظهار قبول شعبي مزعوم.

واعتبر ماكنتاير أن الادعاء بقبول ستة ملايين مسلم في القرن الإفريقي بـ«الدولة اليهودية الوحيدة المعلنة ذاتيًا» يمثل خدعة مدبرة، لافتًا إلى أن الخوف يسود بين السكان من اتفاق أُبرم مع نتنياهو، الذي وصفه بأنه «مطلوب هارب ومتهم بالإبادة الجماعية».

صناعة القبول عبر المنصات الرقمية

في هذا السياق، تحدث ماكنتاير عن دور وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة «تيك توك»، في صناعة صورة مضللة عن الواقع. فقد جرى الترويج لمقاطع تُظهر عددًا محدودًا من الأشخاص يرفعون الأعلام الإسرائيلية في هرجيسا، رغم أن المنصة هي الأكثر انتشارًا بين الشباب هناك. وربط الصحفي بين هذا الترويج وبين استحواذ الملياردير الأميركي لاري إليسون على «تيك توك»، باعتباره من أبرز الممولين الداعمين للاحتلال والمقربين من نتنياهو، وممن يعلنون صراحة أن شركاتهم في «مهمة لدعم دولة إسرائيل».

وجود أمني خفي وضلوع الموساد

وكشف ماكنتاير أن «صحفيين» إسرائيليين اثنين جرى تصويرهما أثناء دخولهما هرجيسا عبر معبر واجالي من إثيوبيا لتفادي إجراءات التأشيرة، قبل أن يتبين لاحقًا أنهما عنصران سابقان في جيش الاحتلال. ونقل عن امرأة من هرجيسا قولها: «إذا كانوا دخلوا بهذه السهولة، فلا بد أنهم كانوا هنا من قبل».

وفي تطور لافت، أشار الصحفي إلى أن نتنياهو شكر علنًا رئيس الموساد ديفيد برنيا على «سنوات من المشاركة الهادئة» في صفقة أرض الصومال، ما يعزز فرضية وجود دور أمني استخباراتي طويل الأمد سبق الإعلان الرسمي.

الإمارات… اللاعب الخفي في المشهد

في قلب هذه الصفقة، يضع ماكنتاير الإمارات كلاعب محوري، لا سيما عبر سيطرتها الاقتصادية والعسكرية غير المباشرة على مدينة بربرة الساحلية. فالمدينة، المطلة على مضيق باب المندب الحيوي، تضم استثمارات ضخمة لشركة موانئ دبي العالمية بقيمة 400 مليون دولار، فيما يُدار مطار بربرة فعليًا من قبل أبوظبي. ويرى الصحفي أن هذه السيطرة تجعل الإقليم جزءًا من شبكة مصالح إقليمية تخدم الاحتلال الإسرائيلي، خصوصًا في ظل استهداف السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر منذ اندلاع الحرب على غزة.

صفقة فوقية ومشروع أوسع

ويخلص ماكنتاير إلى أن التقاط الصور مع زعيم مسلم بات، بعد أكثر من عامين من الحرب على الفلسطينيين، محاولة يائسة من نتنياهو لغسل صورته، بينما يجري تمرير مشاريع استراتيجية أعمق. فبينما يتبادل الصوماليون في هرجيسا ومقديشو الاتهامات عبر الإنترنت، يستمر مشروع «إسرائيل الكبرى» – بحسب وصفه – بوتيرة متسارعة، مستفيدًا من تفكك المنطقة وتواطؤ قوى إقليمية.

ويؤكد الصحفي البريطاني، في ختام روايته، أن تحقيقاته حول لوبيات الاحتلال وصلت في عام 2025 إلى ملايين الأشخاص، وأنه سيواصل كشف هذه الشبكات رغم الضغوط المتزايدة، معتبرًا أن ما يجري في أرض الصومال ليس تعبيرًا عن إرادة شعب، بل حلقة جديدة في لعبة نفوذ تقودها الإمارات تنفيذًا لمصالح الاحتلال الإسرائيلي.

اقرأ أيضًا : الغيظة تعود إلى الحكومة… ورسائل ما بعد انسحاب ميليشيا الإمارات