كشف تحقيق استقصائي بثّته شبكة الجزيرة عن أدلة صادمة توثّق تنفيذ الجيش الإسرائيلي عمليات نسف وتجريف ممنهجة طالت أحياء سكنية كاملة في شمال قطاع غزة، في واحدة من أوسع عمليات التدمير المتعمد منذ بدء الحرب، رغم مرور أكثر من شهرين على دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ.
التحقيق، الذي استند إلى مقاطع مصوّرة، وتحليل صور أقمار صناعية، وشهادات ميدانية، كشف أن ما يجري في غزة لم يعد يندرج ضمن العمليات العسكرية التقليدية، بل يعكس سياسة محو عمراني شاملة تهدف إلى إزالة مدن وأحياء بكاملها من الخريطة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.

نسف في رفح تحت غطاء “الهدنة”
وبحسب التحقيق، بثّ ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يُظهر تنفيذ عملية نسف واسعة في حي الزهور شمال مدينة رفح جنوب القطاع. ونشر الصحفي الفلسطيني يونس الطيراوي، المتخصص في تتبع حسابات جنود الاحتلال وتوثيق انتهاكاتهم، المقطع مرفقًا بتعليق قال فيه إن التفجير جرى “غزة عشية عيد الميلاد”، في إشارة ساخرة إلى استمرار آلة الدمار رغم سريان وقف إطلاق النار.
فريق التحقق الرقمي في الجزيرة حدّد موقع التفجير بدقة، ليتبيّن أنه وقع في منطقة كانت تؤوي عائلات فلسطينية نازحة، ما ينسف الرواية الإسرائيلية المعتادة حول “استهداف مواقع عسكرية”. وأظهر التحليل أن المنطقة خضعت لعمليات تجريف واسعة خلال الأيام السابقة، حيث انتشرت آليات عسكرية ثقيلة ونُفّذت أعمال هدم ممنهجة، تتطابق آثارها مع مشاهد التفجير.
شهادات ميدانية تؤكد التوقيت
وعلى الرغم من غياب التوقيت الدقيق للتفجير في المقطع، إلا أن التحقيق عزّز استنتاجاته عبر شهادات ميدانية لصحفيين داخل القطاع، أكدوا سماع دوي انفجارات ضخمة شمال رفح قرابة الساعة الحادية عشرة ليلًا، بالتزامن مع عمليات نسف مماثلة في خان يونس وشرق مدينة غزة، ما يشير إلى نمط عمليات متزامن ومنسّق.
هذا التزامن، وفق التحقيق، لا يمكن فصله عن سياسة عسكرية تهدف إلى استكمال تدمير ما تبقى من النسيج العمراني، وفرض واقع جديد يمنع عودة السكان حتى في حال توقف العمليات العسكرية مستقبلًا.
شمال غزة.. أرض ممسوحة
وفي سياق متصل، وثّق التحقيق مشاهد مصوّرة بثّها صحفي إسرائيلي تُظهر حجم الدمار الهائل في حي تل الزعتر ومخيم جباليا شمال القطاع. ويظهر المقطع جنودًا إسرائيليين يرافقون وفدًا صحفيًا داخل نقطة عسكرية مستحدثة أُقيمت فوق مرتفع يطل على المنطقة.
التحليل الجغرافي للجزيرة كشف أن هذه النقطة أُنشئت فوق “جبل تل الزعتر” المحيط بالمستشفى الإندونيسي، وأن المشاهد تُظهر المستشفى الإندونيسي وما تبقى من مستشفى العودة كالمعلمين الوحيدين الصامدين وسط محيط مدمر بالكامل، بعد أشهر من النسف والقصف والتجريف المتواصل.
ولفت التحقيق إلى أن عمليات المسح الشامل أدت إلى كشف حدود مدينة بيت لاهيا، أقصى شمال القطاع، بشكل مباشر، وهي رؤية لم تكن ممكنة قبل الحرب بسبب الكثافة العمرانية العالية، ما يعكس حجم التغيير الجغرافي القسري الذي فرضه الاحتلال.
سياسة تدمير لا “أضرار جانبية”
ويؤكد التحقيق أن ما يجري في غزة لا يمكن تصنيفه كـ“أضرار جانبية” أو نتائج عرضية للقتال، بل هو تدمير متعمّد يستهدف الأحياء السكنية والبنية التحتية المدنية، بما في ذلك محيط المستشفيات، في مخالفة واضحة لمبدأ التمييز والتناسب المنصوص عليه في القانون الدولي.
ويواصل الجيش الإسرائيلي عمليات الهدم في أحياء مدينة غزة مثل الشجاعية والتفاح، وشرق جباليا شمالًا، إضافة إلى خان يونس ورفح جنوبًا، رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار ضمن خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى هذه التفاهمات، والدور الدولي في توفير غطاء سياسي لإجرام الاحتلال.
خلاصة: محو ممنهج وجريمة موثّقة
يخلص تحقيق الجزيرة إلى أن إسرائيل تمضي قدمًا في تنفيذ سياسة محو عمراني شاملة في قطاع غزة، تُنفّذ على مراحل، وتُوثّق بالصورة والتحليل والشهادة الميدانية. ومع كل حي يُسوّى بالأرض، تتكرّس حقيقة أن ما يجري ليس حربًا عابرة، بل جريمة منظمة تهدف إلى تغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي للقطاع، في تحدٍّ سافر لكل القوانين والأعراف الدولية، وسط صمت دولي يرقى إلى التواطؤ.
اقرأ أيضًا : عباس يذلّ أهالي الأسرى… قرار يحوّل النضال إلى صدقة