في مشهد يعكس حجم الانحراف الإماراتي عن الموقف العربي التاريخي تجاه القضية الفلسطينية، كشفت زيارة زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد السرية إلى أبو ظبي، وما سبقها من أحداث، عن خيوط تواطؤ سياسي وأمني جديد، تجاوز حدود “التطبيع” ليصل إلى التنسيق المباشر مع الاحتلال في قضايا على درجة عالية من الحساسية، من بينها مستقبل غزة وصفقة الأسرى.
الزيارة، التي فجّرت غضبًا في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لم تكن مجرّد اجتماع دبلوماسي، بل حملت في طياتها “أمراً سرياً” من الدولة العبرية إلى ولي عهد أبو ظبي، ما يعكس مدى تعمق التعاون الخفي بين الجانبين، على حساب دماء الفلسطينيين وحقوقهم.

رسالة على “الهاتف الأحمر”: لابيد مبعوث سري أم زعيم معارض؟
بحسب الصحفي الإسرائيلي البارز بن كسبيت، فإن لابيد تلقى اتصالًا وصفه بـ”الطارئ والسري” عبر ما يُعرف بـ”الهاتف الأحمر”، قبيل دخوله إلى لقاء جمعه بمحمد بن زايد، حاكم الإمارات الفعلي. المكالمة جاءت من داخل مكتب نتنياهو نفسه، وتضمنت معلومات حساسة طُلب من لابيد نقلها إلى الزعيم الإماراتي شخصيًا.
المفارقة أن لابيد، ورغم كونه زعيم المعارضة، كُلّف بمهمة دبلوماسية نيابة عن الحكومة، ما يعكس حجم الثقة بين الإمارات وأطراف متعددة داخل إسرائيل، بل ويفضح حالة الانقسام داخل القيادة الإسرائيلية نفسها، التي باتت تتنافس على كسب ود الإماراتيين.
وما يثير الريبة أكثر، هو أن تلك الزيارة -رغم سريّتها- أثارت حفيظة نتنياهو، الذي لم يُدعَ حتى الآن إلى أبو ظبي، رغم مرور أكثر من أربع سنوات على توقيع اتفاقيات “أبراهام”، وهو ما يؤكد أن قادة الإمارات يتعاملون بانتقائية مريبة، ويمنحون الشرعية والضوء الأخضر لأشخاص بعينهم داخل الاحتلال، دون أدنى اعتبار لمطالب الفلسطينيين.

خيانة متواصلة: من التطبيع إلى التواطؤ في الحصار والمساومة
زيارة لابيد لم تكن مجرد لقاء علاقات عامة، بل شهدت نقاشات مكثفة حول ملف غزة، وصفقة تبادل الأسرى، بحسب تصريحات لابيد نفسه الذي نشر صورة تجمعه بوزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد، وقال إنه ناقش معه سبل التوصل إلى اتفاق يضمن استعادة الجنود الإسرائيليين المحتجزين لدى المقاومة.
وهنا تظهر مجددًا طبيعة الدور الإماراتي الخطير، الذي لم يكتفِ بالتطبيع السياسي، بل دخل مرحلة “الوساطة لصالح الاحتلال”، متجاهلاً الكارثة الإنسانية المتواصلة في غزة، حيث يُحاصر أكثر من مليوني إنسان، ويُقتل الأطفال جوعًا وقصفًا، وتُمنع عنهم المساعدات، في ظل صمت عربي ودولي مهين.
وما يضاعف من خطورة الدور الإماراتي، هو أنه يُمارس تحت غطاء “السلام” و”الدبلوماسية”، بينما هو في حقيقته تواطؤ واضح لتبييض صورة الاحتلال، وتكريس واقع تقسيم المقاومة الفلسطينية، والترويج لصفقات جزئية لا تضع حدًا للعدوان، بل تمنحه شرعية سياسية جديدة في العواصم العربية.

نتنياهو غاضب.. ولكن من باب الغيرة لا المبدأ
الغضب الذي أبداه مكتب نتنياهو من دعوة الإمارات للابيد، لا يرتبط بخلاف حول مضمون اللقاء أو الموقف من التطبيع، بل ينبع من شعور رئيس الحكومة الإسرائيلي بالإقصاء، وحرمانه من منصة علاقات عامة عربية، هو في أمسّ الحاجة إليها لتلميع صورته داخليًا وخارجيًا، خصوصًا في ظل الضغوط المتصاعدة ضده من قبل عائلات الأسرى واليمين المتطرف.
ففي الوقت الذي يسعى فيه نتنياهو لإطالة أمد الحرب، وتحقيق مكاسب سياسية عبر توظيفها لصالح بقائه في السلطة، تطرح المعارضة، وعلى رأسها لابيد، بدائل تفاوضية تُغضب حلفاءه المتطرفين، وتُربك حساباته.

ومع ذلك، فالاتفاق على الأساسيات بين الطرفين لا خلاف فيه: الجميع في المؤسسة السياسية الإسرائيلية، سواء كانوا في الحكم أو المعارضة، يلتقون على دعم الحرب ضد غزة، وتصفية المقاومة، وتجاهل الجرائم المستمرة، مدعومين بشركاء إقليميين كأبو ظبي، ممن لم يعد لديهم ما يقدمونه للفلسطينيين سوى الابتسامات الدبلوماسية في الوقت الذي تموت فيه الطفولة في غزة جوعًا وقصفًا.

خاتمة: أبو ظبي.. عندما تتحول الوساطة إلى خيانة علنية
إن لقاء لابيد بابن زايد، وما رافقه من رسائل سرية وتنسيق سياسي، يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن الإمارات لم تعد طرفًا محايدًا أو وسيطًا في القضية الفلسطينية، بل شريكًا سياسيًا وأمنيًا للاحتلال، تُسهم في تمرير صفقاته، وتجميل جرائمه، وتضغط في الخفاء لإضعاف موقف المقاومة، عبر قنوات دبلوماسية مكشوفة.
لقد اختار قادة أبو ظبي الاصطفاف إلى جانب القاتل، على حساب الضحية، وتحولوا إلى بوابة خلفية تُستخدم لمراوغة الضغط الدولي، ولتجديد رواية الاحتلال الزائفة.
وإذا كانت زيارة لابيد قد كشفت شيئًا، فهي تؤكد أن “أبراهام” لم يكن اتفاق سلام، بل مشروع اصطفاف استراتيجي جديد في المنطقة، تُستخدم فيه الإمارات كجسر سياسي وعسكري نحو إعادة رسم خريطة التحالفات، على حساب الدم الفلسطيني والكرامة العربية.

اقرأ أيضا :فرنسا والإسلاموفوبيا المؤسسية.. كيف تغذّي الإمارات قلق الجمهورية وتغذي شعبويتها؟