لم تعد إسرائيل تكتفي بتصدير السلاح وأنظمة المراقبة إلى الأنظمة القمعية، بل انتقلت إلى مستوى أخطر: التدخل في السياسة الداخلية للدول، والتلاعب بالانتخابات، ودعم المرشحين اليمينيين والاستبداديين الذين يتبنون خطابًا مؤيدًا لها أو معاديًا للفلسطينيين. وفي اللحظة التي تتراجع فيها صورة إسرائيل عالميًا بسبب الإبادة في غزة والاحتلال والأبارتهايد، يبدو أن تل أبيب تعوّض خسارتها في الرأي العام عبر بناء تحالفات مع أي طاغية جديد الجدد واليمين المتطرف حول العالم.

لسنوات، ظلت الصناعات الإسرائيلية في مجالي السلاح والمراقبة تعمل كذراع غير معلنة للدولة. شركات مثل NSO Group، التي طورت برنامج التجسس الشهير “بيغاسوس”، لم تكن مجرد شركات خاصة تبحث عن الربح، بل جزءًا من شبكة نفوذ إسرائيلية تستخدم التكنولوجيا لاختراق الحكومات والمجتمعات والخصوم والصحفيين والنشطاء. بيع أدوات التجسس لم يكن تجارة عادية، بل شكلًا من أشكال الدبلوماسية القذرة: امنح الأنظمة القدرة على مراقبة معارضيها، تحصل في المقابل على نفوذ سياسي وأمني داخل عواصم العالم.

الكشف الأخير عن سفر شاليف هوليو، أحد مؤسسي NSO Group، إلى بنما بجواز سفر دبلوماسي إسرائيلي، وإقامته في السفارة الإسرائيلية، يفتح نافذة مهمة على طبيعة هذه العلاقة. فالرجل الذي كان في قلب صفقة بيع برنامج بيغاسوس للحكومة البنمية لم يتحرك كرجل أعمال عادي، بل بغطاء دبلوماسي كامل. وهذا يؤكد ما كان واضحًا منذ سنوات: شركات التجسس الإسرائيلية لا تتحرك في فراغ، بل تعمل تحت حماية الدولة، وتخدم مصالحها وتحالفاتها وأجندتها السياسية.

خطورة بيغاسوس وأدوات التجسس الإسرائيلية لا تكمن فقط في قدرتها على اختراق الهواتف، بل في حجم المعلومات التي تجمعها. فمن يملك القدرة على الوصول إلى هواتف سياسيين وصحفيين ونشطاء وحقوقيين ورجال أعمال، يملك أيضًا أدوات ابتزاز وضغط ونفوذ. وبهذا المعنى، لا تبيع إسرائيل التكنولوجيا فقط، بل تجمع الأسرار، وتخلق اعتمادات متبادلة مع أنظمة تحتاج إلى أدوات لقمع معارضيها وحماية سلطتها.

هذه هي إحدى طرق إسرائيل للحفاظ على نفوذها الدبلوماسي رغم جرائمها المتصاعدة. فحين تخسر إسرائيل تعاطف الرأي العام العالمي، تلجأ إلى الحكومات والأجهزة الأمنية والأنظمة الاستبدادية. وحين تتراجع صورتها بين الشعوب، تعزز علاقتها بمن يخافون شعوبهم. إنها علاقة قائمة على المصالح القذرة: أنظمة تريد التجسس والقمع، وإسرائيل تريد الولاء والدعم السياسي والصمت الدولي.

لكن الأخطر أن دور إسرائيل لم يعد مقتصرًا على المراقبة والتجسس. خلال السنوات الأخيرة، توسعت شركات وشبكات إسرائيلية في مجال التلاعب بالانتخابات والتأثير على الرأي العام. من أوروبا إلى أمريكا اللاتينية، تظهر أنماط متكررة: مزارع حسابات وهمية، حملات تضليل، تشويه مرشحين مؤيدين لفلسطين، تضخيم خطاب اليمين، والتلاعب بمنصات التواصل الاجتماعي لدفع مرشحين مؤيدين لإسرائيل أو قريبين من واشنطن وتل أبيب.

هذا التدخل يضرب جوهر الديمقراطية. فالانتخابات لا تعود انتخابات حرة حين تدخل شركات أجنبية بخبرات استخباراتية وتقنية لتوجيه الناخبين عبر الأكاذيب والخوف والكراهية. وما تفعله إسرائيل هنا ليس دفاعًا عن نفسها، بل تخريب سياسي مباشر للدول والمجتمعات. إنها تبيع أدوات تزوير الوعي لمن يدفع أكثر، وتستخدمها في الوقت نفسه لحماية مصالحها ودفع المرشحين الموالين لها إلى السلطة.

في أمريكا اللاتينية، تبدو الصورة أكثر وضوحًا. المنطقة تشهد موجة من حملات التعطيل والتخريب السياسي التي ترتبط بمصالح إسرائيلية وأمريكية يمينية. الحديث عن تعاون بين إدارة ترامب ونظام نتنياهو ورئيس هندوراس السابق خوان أورلاندو هيرنانديز، المدان في الولايات المتحدة في قضايا مرتبطة بالمخدرات ثم المستفيد من عفو لاحق، يكشف طبيعة التحالفات التي لا تخجل إسرائيل من نسجها: تحالفات مع قوى متهمة بالفساد والجريمة والاستبداد، ما دامت تخدم الخط المعادي لفلسطين والمؤيد لتل أبيب.

الهدف واضح: إضعاف الحكومات غير الصديقة لإسرائيل والولايات المتحدة، ودعم شخصيات يمينية أو موالية للمشروع الإسرائيلي في دول مثل كولومبيا والمكسيك والبرازيل وهندوراس. وفي كولومبيا، حيث فاز الرئيس المنتخب أبيلاردو دي لا إسبرييلا، يرى مراقبون أن هذا المسار بدأ يعطي نتائجه. أما البرازيل، فقد تكون المحطة التالية، خاصة مع إطلاق فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، حملته بدعم علني من بنيامين نتنياهو.

هذا المشهد لا يمكن فصله عن صعود اليمين العالمي. إسرائيل تقدم نفسها اليوم كنموذج سياسي وأمني لهذا اليمين: دولة تقوم على التفوق القومي والديني، تمارس التمييز ضد الفلسطينيين، تضرب القانون الدولي، وتتباهى بالقوة العسكرية والقمع الأمني. لذلك لا عجب أن يجد اليمين المتطرف حول العالم في إسرائيل حليفًا وإلهامًا. فهي بالنسبة لهم ليست فقط دولة، بل مختبر كامل لكيفية بناء نظام استيطاني أمني يبرر العنف باسم الهوية والدين والخوف.

في الوقت نفسه، تعيش إسرائيل أكبر انهيار في صورتها العالمية منذ قيامها. الإبادة في غزة، والتدمير الواسع، والتهجير، والتجويع، والاقتحامات في الضفة الغربية، كلها جعلت الرأي العام العالمي أكثر عداءً لتل أبيب. لم تعد رواية “الدفاع عن النفس” قادرة على إخفاء جرائم الاحتلال. لذلك تبحث حكومة نتنياهو عن بدائل: إذا خسرت الشعوب، فلتشترِ الحكومات. وإذا خسرت الرأي العام، فلتتلاعب بالانتخابات. وإذا صار اسم إسرائيل مرتبطًا بالإبادة، فلتتحالف مع من لا يهتمون أصلًا بالديمقراطية أو حقوق الإنسان.

ما يحدث اليوم في فلسطين يفسر هذا الاندفاع الإسرائيلي. إسرائيل ترى في اللحظة الحالية فرصة تاريخية لإعادة رسم الواقع بالقوة: تهجير أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين، تعميق السيطرة على غزة والضفة، توسيع المشروع الاستيطاني، ودفع المنطقة نحو نموذج تفوق يهودي أكثر وضوحًا وتطرفًا. وكلما زادت وحشية المشروع، احتاجت إسرائيل إلى شبكة دولية تحميه سياسيًا وإعلاميًا وانتخابيًا.

لهذا أصبحت إسرائيل صديقة الطغاة الجدد. فهي لا تبحث عن ديمقراطيات تحاسبها، بل عن حكام يحتاجون أدواتها. لا تبحث عن شعوب تؤيدها، بل عن أنظمة يمكن اختراقها أو ابتزازها أو تسليحها أو مساعدتها في البقاء. ولا تريد عالمًا حرًا، لأن العالم الحر يرى غزة ويفهم الجريمة؛ بل تريد عالمًا من الحكام الخائفين، واليمين المتطرف، وشركات التجسس، والحسابات الوهمية، والتضليل الرقمي.

من بيغاسوس إلى حملات التلاعب بالانتخابات، ومن بنما إلى البرازيل وهندوراس، تكشف إسرائيل أنها لم تعد تعتمد فقط على الدبلوماسية التقليدية، بل على شبكة سوداء من المراقبة والتأثير والتخريب السياسي. هذه الشبكة لا تستهدف الفلسطينيين وحدهم، بل تهدد الديمقراطية في كل مكان. فالدولة التي تختبر أدوات القمع على الفلسطينيين، تصدرها لاحقًا إلى العالم.

الخلاصة أن إسرائيل لا تتحالف مع الاستبداد صدفة، بل لأنها جزء منه. إنها تقدم للطغاة ما يحتاجونه: السلاح، التجسس، التضليل، وتجميل القمع باسم الأمن. وفي المقابل، تحصل على ما تحتاجه: الصمت، الدعم، التطبيع، وحماية جرائمها من المحاسبة.

إسرائيل التي تخسر العالم أخلاقيًا تحاول الآن شراءه أمنيًا وانتخابيًا. وهذا هو الخطر الحقيقي: دولة احتلال لا تكتفي بتدمير فلسطين، بل تصدّر أدوات التلاعب والقمع إلى كل من يريد أن يصبح طاغية جديدًا.