في ضوء عدم التكافؤ الواضح بين الضربات الإسرائيلية المؤلمة والرد الإيراني المحدود، يطرح البعض فرضية مفادها أن طهران تتعمّد ضبط النفس حاليًا وترجئ التصعيد الكبير إلى توقيت أنسب دوليًا. وفق هذا الرأي، تسعى إيران إلى استثمار موقعها كضحية معتدى عليها لحشد دعم سياسي ودبلوماسي من قوى دولية كبرى، بدل التورط في مواجهة عسكرية شاملة فورًا. وقد برزت عدة مؤشرات تدعم هذه الفرضية:

تنديد الصين بانتهاك سيادة إيران: اتخذت بكين موقفًا داعمًا قويًا لطهران بعد الهجوم. في اجتماع بمجلس الأمن، أدان سفير الصين لدى الأمم المتحدة فو كونغ الضربات الإسرائيلية واعتبرها انتهاكًا لسيادة إيران وسلامة أراضيها، مطالبًا بوقف فوري لكافة الأعمال العسكرية الخطيرة . كما أعربت الصين عن معارضتها توسيع نطاق الصراع وأبدت قلقها البالغ من العواقب المحتملة . هذا الموقف العلني يعني منح إيران غطاءً سياسيًا مهمًا في المحافل الدولية كالأمم المتحدة، وإبرازها كطرف معتدى عليه يستحق التضامن.

الدعم الروسي والدعوة للتهدئة: أدانت روسيا هي الأخرى الضربة الإسرائيلية. فقد صرّح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن الحل لقضية برنامج إيران النووي لا يمكن أن يكون عسكريًا وأن الدبلوماسية هي المسار الوحيد . واعتُبر ذلك انتقادًا واضحًا للمغامرة الإسرائيلية. كما حذّرت موسكو من أن التصعيد يهدد الاستقرار الإقليمي، داعية إلى ضبط النفس من جميع الأطراف. الموقف الروسي يوازن بين إدانة العدوان الإسرائيلي والتشديد على العودة للتفاوض لحل الخلاف النووي – وهو ما يصب في مصلحة إيران بتخفيف الضغط العسكري المباشر عليها.

باكستان تتضامن وتؤكد حق إيران في الدفاع: اتخذت إسلام آباد موقفًا لافتًا شبه غير مسبوق بدعم إيران علنًا ضد إسرائيل. فباكستان – التي لا تعترف بإسرائيل رسميًا – نددت بشدة بالضربات ووصفتها بأنها “عدوان غير مبرر وغير مشروع” ينتهك سيادة إيران ويخالف ميثاق الأمم المتحدة . وأعلنت أنها تقف في تضامن راسخ مع الشعب الإيراني ضد هذه الاستفزازات الخطيرة التي تهدد أمن المنطقة . بل ذهب بيان الخارجية الباكستانية إلى تذكير المجتمع الدولي بواجب إيقاف العدوان ومحاسبة المعتدي . كما أكدت باكستان صراحة على حق إيران في الدفاع عن نفسها وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة . هذا الاصطفاف الباكستاني العلني يمنح طهران زخماً ضمن العالمين الإسلامي والدولي، ويعزل إسرائيل دبلوماسيًا إلى حد ما.

مواقف إقليمية ودولية مساندة أخرى: إلى جانب ما سبق، صدرت إدانات عربية وإسلامية واسعة للهجوم الإسرائيلي. ندّدت قطر والعراق وسوريا وعُمان وغيرها بالعدوان وطالبت بوقف التصعيد فورًا. حتى السعودية – وإن بحذر – أعربت عن قلقها من التصعيد داعيةً لضبط النفس (في ظل التقارب السعودي الإيراني الأخير برعاية الصين).

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ناشد كذلك بوقف فوري لكافة الأعمال العدائية قائلاً “كفى تصعيدًا، حان وقت التهدئة” . هذه المواقف مجتمعة رسمت صورة إسرائيل كطرف مبادر بالهجوم ومهدّد للسلم الإقليمي، فيما ظهرت إيران بوصفها الطرف المعتدى عليه الذي يكتفي بالدفاع عن نفسه. ومن الواضح أن طهران سعت إلى تعزيز هذه الصورة إعلاميًا ودبلوماسيًا، أملاً في كسب تعاطف عالمي وكبح أي اندفاع لدعم عسكري دولي مباشر لإسرائيل.

وفق هذه القراءة، ترى القيادة الإيرانية مكاسب استراتيجية في لجم ردها الفوري وانتظار “لحظة دولية مواتية”. فمن خلال الصبر النسبي الآن، قد تجني طهران:  تعاطفًا دوليًا يترجم إلى ضغوط لفرملة إسرائيل ومنع تكرار الضربات؛ وتحييدًا (مؤقتًا) للولايات المتحدة التي أعلنت عدم مشاركتها في الهجوم وقد تتردد في الانخراط إذا لم تستطع إسرائيل تبرير تصعيد إضافي (خاصة إن بدا أن إيران لا تهاجم إلا ردًا على العدوان)؛ وكذلك حشد دعم سياسي واقتصادي من حلفاء كالصين وروسيا للتعويض عن أي خسائر ولتعزيز وضع إيران التفاوضي مستقبلًا سواء في الملف النووي أو الأمن الإقليمي. بكلمات أخرى، قد تعتبر طهران أن ضبط النفس التكتيكي الآن سيكون استثمارًا استراتيجيًا مربحًا على المدى المتوسط، خاصة إذا صوّرت نفسها كضحّية معتدٍ إسرائيلي متهور أمام الرأي العام العالمي.

فاعلية النهج الإيراني: دعم دولي أم تآكل لمصداقية الردع؟

السؤال الجوهري هنا: هل استراتيجية ضبط النفس هذه تخدم مصالح إيران فعلاً أم تأتي على حساب هيبتها الرادعة إقليميًا؟ يمكن تقييم ذلك من زاويتين؛ الأولى مدى نجاح إيران في حشد الدعم الدولي وتعزيز موقفها الدبلوماسي، والثانية أثر الرد المحدود على صورة إيران كقوة ردع في نظر خصومها وحلفائها.

  1. على الصعيد الدولي والدبلوماسي: يبدو أن إسرائيل في موقف دفاعي على الساحة العالمية – إذ لم تحظ عمليتها بإجماع دولي بل واجهت انتقادات ودعوات لضبط النفس. حتى الحليف الأقرب، الولايات المتحدة، التزم موقفًا حذرًا؛ فقد نفى مسؤولون أمريكيون أي دور لواشنطن في الضربة ، واكتفت الإدارة الأمريكية (بحسب التقارير) بحثّ الجانبين على تفادي الانزلاق إلى حرب واسعة.

 ويمكن القول إن الهدف الإيراني من نهج “اللعب على وتر الضحية” قد تحقق جزئيًا: فبدلاً من أن تُعزل إيران أو تُدان دوليًا بسبب ردها الصاروخي، وجدت تفهمًا لموقفها واعتُبر ردّها دفاعًا مشروعًا عن النفس . وقد يساعدها هذا التموضع في كسب الوقت دوليًا لإعادة ترتيب أوراقها، وربما استئناف المفاوضات النووية من موقع أقل ضعفًا.

كذلك فإن امتناع طهران عن رد قوي (مثل استهداف عشوائي للمدنيين في إسرائيل أو مهاجمة مصالح أمريكية مباشرة) حال دون تشكيل تحالف دولي مناهض لها في هذه الأزمة، وحصر المواجهة في نطاق إيران وإسرائيل مباشرة. هذا بالضبط ما تحتاجه إيران لتفادي إعطاء ذريعة لتدخل عسكري دولي أوسع ضدها.

  1. على صعيد الردع والمصداقية الإقليمية: في المقابل، هناك ثمن تدفعه إيران جراء ضبط النفس المفرط – ألا وهو تآكل صورة الردع الإيراني أمام خصومها وربما حتى أنصارها. فإسرائيل بتوجيهها ضربة نوعية هائلة للعمق الإيراني دون أن تواجه عقابًا مماثلًا تكون قد هزّت هيبة إيران عسكريًا.

 لقد أبرزت الأحداث أن منظومة الدفاعات الإسرائيلية وقدرات سلاح الجو والتقنيات الاستخبارية (بالتنسيق مع حلفاء) تفوقت بوضوح على الصواريخ الإيرانية، مما قلل فعالية الترسانة الإيرانية الهجومية وإذا كانت إيران طالما روّجت لصواريخها الباليستية كركيزة قوة الردع ضد إسرائيل، فإن نجاح إسرائيل في اعتراض معظمها وتقليل أضرارها إلى الحد الأدنى يضع علامة استفهام على قدرة الردع تلك. بل إن بعض المحللين الإسرائيليين يرى أن طهران في حالة صدمة وارتباك بعد الضربات ، وأنها تبدو أضعف مما كانت تُظهره خطابياتها النارية.

من جهة أخرى، خصوم إيران الإقليميون (كإسرائيل ودول خليجية معادية لنفوذها) قد يقرأون عدم ردها الحاسم كدليل ضعف أو تردد. هذا قد يشجع نتنياهو وحكومته – المعروفة بتوجهاتها المتشددة – على مواصلة الضغط العسكري. بالفعل، لم تستجب تل أبيب فورًا لدعوات التهدئة، بل هدّد مسؤولون إسرائيليون بمواصلة العمليات “لأي مدة لازمة لإزالة التهديد” . لمّح نتنياهو أيضًا إلى أن هدف العملية يتجاوز المنشآت النووية ليطال ركائز النظام الإيراني نفسه . إذا صدق تقدير الإسرائيليين بأن طهران غير قادرة أو غير راغبة في حرب مفتوحة، فقد يدفعهم ذلك إلى توسيع أهدافهم أملاً بإضعاف النظام أو حتى إسقاطه . بمعنى آخر، انحسار الخوف من ردع إيران قد يغري إسرائيل بخطوات أشد جرأة في الوقت الحالي وفي المستقبل. وهذا تطور خطير لطهران لأنها تفقد بذلك عنصر الهيبة الذي كان يمنع أعداءها من مهاجمتها مباشرة.

كذلك على الصعيد الداخلي الإيراني والصورة التي رسمها لنفسه النظام الإيراني كقائد محور المقاومة والمدافع الأول والأقوى عن القضية الفلسطينية، قد تؤثر صورة الرد الإيراني الفاتر سلبًا.

فبعد مقتل هذا العدد من القادة والعلماء، كان الشارع المؤيد للنظام والفصائل الحليفة يتوقع “انتقامًا رهيبًا” انتصارًا للهيبة. الرد المحدود قد يولّد استياءً مكتومًا في أوساط موالية تعتبر أن القيادة “لم تثأر بما يكفي”، وربما تظهر انقسامات داخلية بين تيار متشدد في الحرس الثوري يريد ردًا أقسى (للحفاظ على معنويات قواته وهيبته)، وبين قيادات عليا في الدولة آثرت التريث وتجنّب المغامرة.

مثل هذه التباينات إن وجدت ستبقى خلف الأبواب المغلقة حاليًا، لكن تداعياتها قد تتجلى في المستقبل إن استمرت إيران على نهج امتصاص الضربات دون رد مكافئ، وبالطبع إذا ما تحولت الصورة إلى مجرد نزاع ثنائي يتجاهل معاناة غزة ويسفر في النهاية عن تخلي النظام الإيراني عنها علانية في لحظة مهمة كان يمكنه استثمارها بالتأكيد لوقف العدوان كله دفعة واحدة ولجم إسرائيل وتأديبها للأبد.

باختصار، النهج الإيراني الحالي هو مخاطرة بإضعاف هيبة إيران العسكرية وإعطاء خصومها انطباعًا بأنها “نمر من ورق” في المواجهة المباشرة.

والتحدي أمام صناع القرار الإيراني هو الموازنة بين الأمرين: أي استثمار الزخم الدبلوماسي لاحتواء الأزمة، دون أن تفقد قدرة الردع اللازمة لمنع إسرائيل من تكرار اعتداءات مماثلة مستقبلاً، وكذلك إجبار إسرائيل على وضع غزة ولبنان واليمن على الطاولة، فيسفر ذلك عن حل شامل أو لا حل، وهو أمر سيحظى بتأييد دولي كبير في أعقاب الموقف الدولي الرافض للحرب على غزة ولبنان والذي يكتسب مؤيدين يوما بعد يوم.