كتب الصحفي البريطاني أوين جونز مقالًا في صحيفة الغارديان بعنوان: «لماذا يتفاجأ أي شخص بالحرب الأخيرة للولايات المتحدة وإسرائيل؟ ألم يكن هذا بالضبط ما سمح لهم العالم بفعله في غزة»، تناول فيه كيف أن ما يحدث اليوم لم يكن مفاجئًا، بل نتيجة مباشرة لما سُمح بحدوثه في فلسطين.
يقول الكاتب إن ثمن صمت السياسيين ووسائل الإعلام الغربية على أفعال إسرائيل في فلسطين يُدفع الآن من قبل المدنيين في إيران ولبنان.
ويشير إلى أن رئيس الولايات المتحدة هدد هذا الأسبوع بارتكاب إبادة جماعية ضد إيران. ومع استمرار إسرائيل في قصف لبنان وقتل أكثر من 200 شخص في يوم واحد، يؤكد الكاتب أن هذه الحقيقة لا يجب أن تُمحى أو تُنسى، خاصة أنه لا يوجد ما يضمن عدم إعادة إحياء هذا التهديد. لكنه يضيف أنه بينما ينحدر العالم نحو الهاوية، يجب فهم أين بدأ هذا السقوط.
يستشهد الكاتب بتصريحات دونالد ترامب الذي كتب: «حضارة كاملة ستموت الليلة ولن تعود أبدًا»، ويذكّر بأنه قبل أكثر من عام بقليل، أعلن أن «حضارة قد مُسحت من الوجود في غزة». ويرى أن العلاقة بين التصريحين واضحة، إذ كان ترامب يعلم أن غزة دُمّرت بالكامل على يد إسرائيل، بل وصرّح بأنها «ليست مكانًا صالحًا للعيش». وعندما انضم إلى من ارتكب هذه الإبادة في حرب غير قانونية على إيران، أصبحت أنقاض غزة نموذجًا يُحتذى.
ويؤكد أوين جونز أن السياسيين ووسائل الإعلام الغربية عملوا على مدى عامين ونصف على تطبيع الانتهاك الكامل للقانون الدولي من قبل إسرائيل. وكان معارضو الإبادة في غزة قد حذروا من أن هذا سيؤدي إلى إطلاق عنف بلا حدود، وقد ثبت أنهم كانوا على حق.
ويشير إلى أن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران بدأت بمقتل 175 شخصًا، معظمهم من تلميذات المدارس، في مدينة ميناب. وعندما حدث ذلك، لم تمتلئ الصفحات الأولى بالغضب، ولم تصدر إدانات قوية كافية من القادة الغربيين. ويتساءل: ماذا كان متوقعًا؟ فالغرب كان قد طبع بالفعل قتل أكثر من 20 ألف طفل فلسطيني، بعضهم احترقوا في أسرّتهم، وآخرون أُطلق عليهم الرصاص عمدًا في الرأس والصدر والأعضاء التناسلية، وفقًا لأطباء غربيين عملوا في غزة.
ويضيف أن 763 مدرسة في إيران تضررت أو دُمّرت، متسائلًا: ألم يُسهّل الغرب المصير نفسه تقريبًا لكل مدرسة في غزة؟ كما يشير إلى أن 316 مركزًا طبيًا في إيران تضررت أو دُمّرت، بينما قام الغرب بتطبيع الهجوم الإسرائيلي على كل مستشفى في غزة، ومقتل ما لا يقل عن 1722 من العاملين في القطاع الصحي.
ويذكر أن ترامب هدد بتدمير محطات الكهرباء الإيرانية، ويستحضر في المقابل تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، الذي أعلن في بداية الهجوم على غزة: «لا كهرباء، لا طعام، لا ماء»، مبررًا ذلك بأن إسرائيل تقاتل «حيوانات بشرية». وعندما وُوجه ترامب بأن استهداف البنية التحتية قد يكون جريمة حرب، كان رده مشابهًا بشكل لافت: «إنهم حيوانات».
ويقول الكاتب إن كثيرين ممن يعبرون الآن عن صدمتهم من خطاب ترامب الإبادي، كانوا صامتين خلال سيل من التصريحات المشابهة من قادة إسرائيليين، مثل الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ الذي قال إن «أمة كاملة مسؤولة»، أو الجنرال الذي وصف سكان غزة بأنهم «وحوش بشرية» يجب «التعامل معهم وفقًا لذلك»، بما يشمل إدخالهم «الجحيم». ويطرح السؤال: إذا لم يكن هناك غضب حينها، فلماذا يُفاجأ أحد الآن عندما يهدد ترامب بأن إيران «ستعيش في الجحيم»؟
ويؤكد أن ترامب يتحدى القانون الدولي علنًا، لكن هذا القانون كان قد دُمّر بالفعل. فقد ارتكبت إسرائيل جرائم حرب في غزة باستخدام أسلحة وفّرها الغرب. ومنذ أن أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق قادة إسرائيليين، رفضت دول غربية عديدة تنفيذها، بل ووضعت الولايات المتحدة قضاة المحكمة على قائمة العقوبات، وتركهم الأوروبيون دون دعم.
ويضيف أن معظم القادة الغربيين تجاهلوا نية الإبادة الجماعية تمامًا، كما أن العديد من وسائل الإعلام لم تغطها أو لم تسمّها، وعندما تحولت النية إلى واقع، تم تطبيع ذلك أيضًا.
ويتساءل الكاتب: كيف أوصلنا السياسيون ووسائل الإعلام الغربية إلى هذا الوضع؟ ويجيب بأن بعض السياسيين يرون إسرائيل أداة تخدم المصالح الاستراتيجية الغربية، مستشهدًا بتصريح جو بايدن عام 1986: «لو لم تكن هناك إسرائيل، لكان علينا أن نخترع واحدة». كما يشير إلى قوة جماعات الضغط، مثل لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية، التي أنفقت 221 مليون دولار منذ ديسمبر 2021، بما في ذلك تبرعات ضخمة للحملات السياسية.
أما وسائل الإعلام، فيقول إنها غالبًا ما تردد نقاط الحديث الرسمية للسياسة الخارجية الغربية. ويتساءل لماذا صمت الكثير من المعلقين، مرجحًا أنهم لم يروا حياة الفلسطينيين ذات قيمة متساوية، أو أن الجرائم لم تثر لديهم نفس التعاطف الذي كانت ستثيره لو كانت الضحايا من مجتمعاتهم.
ويضيف أن جزءًا كبيرًا من هذا الصمت كان بدافع الخوف. فقد أخبره صحفيون أنهم خافوا من التحدث خشية تدمير مسيرتهم المهنية، أو فقدان وظائفهم، أو حرمانهم من الظهور الإعلامي، أو اتهامهم زيفًا بمعاداة السامية أو دعم الإرهاب.
ويؤكد أن هذه المخاوف كانت واقعية، إذ حدث ذلك بالفعل. ومع ذلك، يطرح السؤال: ما ثمن هذا الجبن؟ وما تكلفة تقديم السمعة المهنية على حياة عدد لا يُحصى من الفلسطينيين الذين قُتلوا بالقصف أو الرصاص أو التجويع؟
ويقول إن ثمن ما فعله – أو لم يفعله – السياسيون ووسائل الإعلام الغربية يُدفع الآن في لبنان، حيث شنت إسرائيل هذا الأسبوع 100 غارة خلال 10 دقائق، دمرت منازل وبنية تحتية مدنية، وهي تعلم أنه لن تكون هناك عواقب حقيقية.
ويحذر من أن هذا الثمن سيستمر، في شكل سنوات من القتل والدمار. فعندما يتم تطبيع الوحشية إلى هذا الحد، وعندما يُمحى الخط الفاصل بين المقبول وغير المتخيل، لا يمكن ببساطة إعادة رسمه. ما كان غير قابل للقول يصبح عاديًا، وما كان غير قابل للتخيل يصبح سياسة.
ويختم الكاتب بأن الكوارث القادمة لن تقتصر على الشرق الأوسط، وعندما يعبر نفس السياسيين ووسائل الإعلام لاحقًا عن صدمتهم المتأخرة، يجب تذكّر أنهم هم من ساهموا في صنع هذا العالم.