أصدر رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني عبد الفتاح البرهان قرارًا بإعادة تشكيل المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي بين السودان والمملكة العربية السعودية، في خطوة تبدو للوهلة الأولى إدارية ودبلوماسية، لكنها تحمل في طياتها أبعادًا سياسية وأمنية عميقة، خاصة في ظل استمرار الحرب في السودان، وتصاعد المواجهة المفتوحة بين الجيش السوداني وميليشيا مدعومة إقليميًا.

القرار، بحسب وكالة الأنباء الرسمية، جاء استنادًا إلى تفاهمات جرى التوصل إليها خلال لقاء البرهان بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ضمن مسعى معلن لتعزيز العلاقات الثنائية والانتقال بها إلى “آفاق استراتيجية شاملة”. غير أن توقيت الخطوة، وسياقها الإقليمي، يطرحان أسئلة تتجاوز لغة البيانات البروتوكولية.

سياق الحرب وتحوّل التحالفات

تأتي إعادة تشكيل المجلس في وقت يخوض فيه الجيش السوداني معركة وجود ضد ميليشيا الدعم السريع، التي يتهمها على نطاق واسع بالارتباط بأجندات خارجية، وعلى رأسها دولة الإمارات. وقد شهدت الأسابيع الأخيرة تحركات ميدانية لافتة للجيش، حقق خلالها تقدمًا نسبيًا في عدد من الجبهات، في محاولة لاستعادة زمام المبادرة بعد شهور من الاستنزاف.

في هذا السياق، لا يمكن فصل التقارب السوداني–السعودي عن إعادة ترتيب موازين القوى الإقليمية حول الملف السوداني، خاصة مع تنامي الانتقادات الدولية للدور الإماراتي في دعم الميليشيا، سواء عبر الإمداد العسكري أو الغطاء السياسي واللوجستي. وعليه، تبدو الرياض –من منظور الخرطوم– شريكًا إقليميًا يمكن التعويل عليه في معركة تثبيت “شرعية الدولة” في مواجهة مشروع التفكيك.

مبادرة سلام أم إعادة تدوير للأزمة؟

البيان السوداني أشار إلى ما وصفه بـ”مبادرة السلام” التي يرعاها ولي العهد السعودي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بهدف معالجة أزمة السودان وإحلال السلام. غير أن هذه المبادرة، التي لم تُعلن تفاصيلها بشكل شفاف، تُثير شكوكًا لدى قطاعات واسعة من السودانيين، ممن يرون في المسارات الدولية السابقة محاولات لفرض تسويات مختلة، تُساوي بين الدولة والميليشيا، وتُبقي جذور الصراع دون معالجة.

إشادة البرهان بالدور الأمريكي، وتوجيه الشكر لترامب، تعكس من جهة رغبة القيادة العسكرية في كسب دعم واشنطن، لكنها من جهة أخرى تُظهر هشاشة الخيارات المتاحة أمام السودان، الذي يجد نفسه مضطرًا للتعاطي مع مبادرات خارجية، في ظل غياب مشروع وطني جامع قادر على فرض معادلة داخلية مستقلة.

السعودية بين الاستقرار والمصالح

من جانبها، شددت وكالة الأنباء السعودية “واس” على حرص المملكة على تحقيق السلام في السودان بما يحفظ وحدته ومؤسساته الشرعية. هذا الخطاب يتقاطع ظاهريًا مع موقف الجيش، لكنه لا ينفصل عن حسابات سعودية أوسع تتعلق بأمن البحر الأحمر، واستقرار الإقليم، ومنع تحوله إلى ساحة نفوذ لقوى منافسة.

السعودية، بخلاف الإمارات، تتبنى مقاربة أكثر حذرًا في السودان، قائمة على دعم مؤسسات الدولة رسميًا، دون الانخراط العلني في دعم ميليشيات موازية. إلا أن هذا لا يعني غياب المصالح الاقتصادية والسياسية، بل يعكس اختلافًا في أدوات النفوذ، لا بالضرورة في الأهداف النهائية.

رسالة للداخل والخارج

إعادة تشكيل المجلس الأعلى للتعاون مع السعودية تحمل رسالة مزدوجة: للداخل السوداني، مفادها أن القيادة العسكرية ليست معزولة إقليميًا، وأنها قادرة على بناء شراكات “شرعية” في مواجهة الميليشيا. وللخارج، خصوصًا للإمارات، بأنها لم تعد اللاعب الإقليمي الوحيد القادر على التأثير في مسار الأزمة السودانية.

في الوقت نفسه، يحاول البرهان توظيف هذا التقارب لتعزيز موقعه التفاوضي، سواء في أي مسار سلام قادم، أو في معركة الشرعية السياسية التي ستلي الحرب، حين يُطرح سؤال: من يمثل الدولة؟

بين السيادة والارتهان

رغم أهمية أي دعم إقليمي يساهم في وقف الحرب وإنهاء معاناة السودانيين، إلا أن الخطر يكمن في تحوّل هذه الشراكات إلى بدائل عن الإرادة الوطنية. فالتجربة السودانية خلال السنوات الماضية أثبتت أن الارتهان للمبادرات الخارجية، مهما كان رعاتها، لا يصنع سلامًا مستدامًا، بل يؤجل الانفجار.

وعليه، فإن إعادة تشكيل مجلس التعاون مع السعودية قد تكون فرصة لإعادة التوازن الإقليمي حول السودان، لكنها ستظل خطوة ناقصة ما لم تُترجم إلى دعم حقيقي لسيادة الدولة، وموقف واضح ضد الميليشيات المدعومة خارجيًا، وعلى رأسها أذرع الإمارات. دون ذلك، سيبقى المجلس إطارًا دبلوماسيًا، يُستخدم لتلميع المشهد، بينما تستمر الحرب على الأرض، ويدفع السودانيون وحدهم ثمنها.

اقرأ أيضًا : تشاد تحذّر بعد هجوم «ميليشيا الإمارات» في دارفور: رسائل نار على حدود دولة منهكة