تمكنت المحامية غيداء قاسم من زيارة الطبيب الفلسطيني حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان في شمال غزة، في سجن عوفر الإسرائيلي، حيث يقبع بعد اعتقاله في شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي.
هذه الزيارة كشفت تفاصيل جديدة ومؤلمة عن تجربته القاسية في المعتقلات الإسرائيلية، حيث تعرض لعمليات تحقيق قاسية، وتعذيب ممنهج، وانتهاكات جسيمة لحقوقه كطبيب وكإنسان.
بحسب ما نقلته المحامية، فقد قضى أبو صفية نحو 14 يومًا في معتقل “سدي تيمان”، الذي يُعرف بسمعته السيئة في أوساط المعتقلين الفلسطينيين، وخلال هذه الفترة، خضع لتحقيقات استمرت لساعات طويلة، تعرض خلالها لأشكال متعددة من التعذيب الجسدي والنفسي.
هذا المعتقل الذي لطالما كان مسرحًا لانتهاكات حقوقية جسيمة، شهد على صمود طبيب لم يُعرف عنه سوى مداواة الجرحى وإنقاذ الأرواح، وهو ما يكشف عن استهداف الاحتلال الممنهج للكفاءات الفلسطينية في مختلف المجالات.

الخديعة الإعلامية الإسرائيلية
إحدى أكثر اللحظات صدمة في قصة أبو صفية، كانت عندما اكتشف أنه تم تصويره دون علمه خلال تحقيقات الاحتلال، وهو الفيديو الذي بثّته القناة 13 العبرية في إطار الدعاية الإسرائيلية لتبرير عمليات القمع ضد الفلسطينيين.
المحامية غيداء قاسم أوضحت أن الطبيب الفلسطيني تفاجأ تمامًا عندما تم عرض هذا الفيديو عليه خلال لقائه بها، حيث لم يكن على علم إطلاقًا بوجود كاميرات تسجل حديثه، ولم يتم إخباره بأنه سيتم استخدام صوره وتصريحاته في الإعلام الإسرائيلي.
هذا الأسلوب، الذي يعتمد على التضليل والتلاعب، يهدف إلى إظهار المعتقلين وكأنهم يدلون بشهادات لصالح الرواية الإسرائيلية، بينما الحقيقة أن هؤلاء الأسرى يتعرضون لضغوط هائلة وإكراه نفسي وجسدي أثناء احتجازهم.
ما كشفته المحامية يسلط الضوء على النهج الإسرائيلي في استغلال الأسرى الفلسطينيين دعائيًا، حيث يتم انتزاع تصريحات منهم تحت الضغط والتعذيب، ثم يتم توظيفها في وسائل الإعلام الإسرائيلية كجزء من استراتيجية لتبرير انتهاكات الاحتلال.
ما حدث مع أبو صفية ليس مجرد خرق للأخلاقيات الإعلامية، بل هو جريمة قانونية وأخلاقية تتطلب محاسبة منظمات حقوق الإنسان للسلطات الإسرائيلية على هذه الأفعال.
المأساة الشخصية: بين فقدان الأسرة والسعي وراء الحقيقة
لم يكن الاعتقال وحده هو الجرح العميق الذي تعرض له حسام أبو صفية، بل إن الاحتلال حرمه أيضًا من معرفة أخبار عائلته.
وفقًا لما ذكرته المحامية، فإن أبو صفية لم يكن على علم بوفاة والدته أثناء فترة احتجازه، ولم تصله أي أخبار عن ابنه الشهيد وما إذا كان قد تم نقل جثمانه من المستشفى أم لا.
هذه التفاصيل المأساوية تضيف بعدًا أكثر إيلامًا لتجربته، إذ لم يكتفِ الاحتلال باعتقاله وتعذيبه، بل عزله تمامًا عن الواقع الخارجي، وحجب عنه حتى الحق في الحزن على أسرته أو توديع أحبائه.
يُضاف إلى ذلك ما تعرض له من إهانات وضرب وابتزاز وتعذيب، مما يوضح حجم الانتهاكات التي تُمارس ضد الأسرى الفلسطينيين، وخاصة من الشخصيات ذات التأثير الاجتماعي مثل الأطباء والصحفيين.
ورغم كل ما عاناه، إلا أن أبو صفية ما زال متمسكًا بثباته وصموده، حيث نقلت المحامية عنه قوله: “الإنسان هو تاريخ، وتاريخه هو عبارة عن موقف يُوضَع ويُدرَس”، وهي عبارة تعكس مدى إيمانه بدوره في نقل الحقيقة، وموقفه البطولي الذي جعله أيقونة للصمود في قطاع غزة.
قضية أبو صفية مثال حي لانتهاكات الاحتلال
إن ما تعرض له الدكتور حسام أبو صفية هو نموذج حي لما يمر به آلاف الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، حيث يُستخدم التعذيب كأداة قمع، ويتم التلاعب بالإعلام لتشويه الحقيقة، ويتم عزل المعتقلين عن عائلاتهم بهدف كسر إرادتهم.
قضيته تطرح تساؤلات خطيرة حول مصير المعتقلين الفلسطينيين، وما يتعرضون له داخل زنازين الاحتلال بعيدًا عن أعين الإعلام.
كما تؤكد أن الاحتلال لا يستهدف فقط المقاتلين أو السياسيين، بل أيضًا الأطباء، والصحفيين، والناشطين الذين يعملون على كشف الحقيقة والدفاع عن حقوق الإنسان.
اليوم، أصبح اسم حسام أبو صفية رمزًا للنضال الفلسطيني، وصورته وهو يُساق إلى المعتقل ستظل شاهدة على الجريمة الإسرائيلية التي تستهدف كل من يساهم في إنقاذ الأرواح الفلسطينية، في وقتٍ تصمت فيه المنظمات الدولية عن هذه الانتهاكات المتكررة.