تدخل بريطانيا مرحلة قانونية حساسة بعد حصول حكومتها على إذن رسمي بالطعن في حكم قضائي اعتبر حظر حركة “فلسطين أكشن” غير قانوني، في خطوة تعكس صدامًا متصاعدًا بين السلطة التنفيذية والجهاز القضائي حول حدود تعريف “الإرهاب” وحرية التعبير. وكانت المحكمة العليا في لندن قد رأت في حكمها الصادر منتصف الشهر الجاري أن قرار حظر الحركة المؤيدة للفلسطينيين “غير متناسب” ويقوّض بشكل كبير الحق في حرية التعبير، لكنها سمحت باستمرار سريان الحظر مؤقتًا إلى حين الفصل في الاستئناف.
الحكومة البريطانية كانت قد صنّفت “فلسطين أكشن” منظمة إرهابية في تموز/ يوليو 2025، عقب سلسلة من عمليات “العمل المباشر” استهدفت شركات دفاعية مرتبطة بدولة الاحتلال الإسرائيلي داخل الأراضي البريطانية، شملت إغلاق مداخل منشآت ورش الطلاء الأحمر على مقارها في رمزية احتجاجية ضد الحرب على غزة. إلا أن القضاء رأى أن اللجوء إلى أدوات مكافحة الإرهاب في مواجهة نشاط احتجاجي – مهما كان راديكاليًا – يطرح إشكاليات عميقة تتعلق بالتناسب والحقوق الأساسية.
وزيرة الداخلية شابانا محمود عبّرت عن “خيبة أملها” من الحكم، مؤكدة عزمها التوجه إلى محكمة الاستئناف، ومعتبرة أن توصيف الحركة كمنظمة إرهابية مبرر في ضوء ما وصفته بأعمال تخريب وأضرار جسيمة. وبينما تصر الحكومة على أن الحظر يهدف لحماية الأمن العام، يرى معارضو القرار أن السلطة التنفيذية توسّع بشكل خطير تعريف الإرهاب ليشمل أشكالًا من العصيان المدني السياسي.

المحاكم تبرئ والنشطاء يتمسكون بـ”العصيان المدني”
تزامن الجدل القضائي مع تطورات لافتة في محاكمات نشطاء الحركة. فقد برّأت محكمة بريطانية ستة ناشطين من “فلسطين أكشن” من تهمة السطو المقترن بالعنف على خلفية اقتحام منشأة تابعة لشركة “إلبيت سيستمز” الإسرائيلية في بريستول عام 2024. وأخفقت هيئة المحلفين في إصدار أي أحكام بالإدانة، ما شكّل ضربة واضحة للادعاء العام.
المتهمون أكدوا خلال المحاكمة أن هدفهم كان “تعطيل صناعة السلاح” وليس ممارسة العنف ضد الأفراد، معتبرين أن تحركاتهم تندرج ضمن تقليد بريطاني طويل في العصيان المدني السياسي. هذا الطرح وجد صداه في مرافعات الدفاع، حيث شدد محامو الحركة على أن بريطانيا عرفت تاريخيًا احتجاجات واسعة – من حركة suffragettes إلى احتجاجات مناهضة الحرب – دون أن تُصنّف كإرهاب.
لكن الحكومة ترى أن بعض العمليات، ومنها اقتحام قاعدة جوية في جنوب إنكلترا والتسبب بأضرار تُقدّر بنحو 7 ملايين جنيه إسترليني لطائرتين عسكريتين، تجاوزت حدود الاحتجاج السلمي. هذا التباين في توصيف الفعل – بين “تخريب إرهابي” و”احتجاج سياسي جذري” – هو جوهر المعركة القانونية الدائرة.
اعتقالات واسعة وانتقادات حقوقية دولية
قرار الحظر لم يبق في الإطار النظري، بل ترتبت عليه موجة اعتقالات واسعة. فبموجب القانون، يُعد الانضمام إلى الحركة أو دعمها جريمة جنائية قد تصل عقوبتها إلى 14 عامًا من السجن. وتشير منظمات حقوقية إلى اعتقال ما لا يقل عن 2300 متظاهر على خلفية الاحتجاجات المرتبطة بالحظر.
شرطة العاصمة لندن أعلنت أنها ستواصل رصد “الجرائم” المتعلقة بالتعبير عن دعم الحركة، لكنها ستركز على جمع الأدلة بدل تنفيذ اعتقالات فورية، في ما بدا محاولة لتخفيف حدة الانتقادات. غير أن هذا النهج لم يمنع استمرار المخاوف من تأثير القرار على المناخ العام للحريات.
الانتقادات لم تقتصر على الداخل البريطاني. فقد وصف مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك الحظر بأنه “غير متناسب وغير ضروري”، بينما انتقد مجلس أوروبا ما اعتبره “قيودًا مفرطة” على الحق في الاحتجاج. هذه المواقف الدولية وضعت لندن في موقع دفاعي، خاصة أنها لطالما قدّمت نفسها كمدافع تقليدي عن الحريات المدنية وسيادة القانون.
بين الأمن والانحياز السياسي
القضية تتجاوز إطار نزاع قانوني تقني لتلامس أبعادًا سياسية أعمق تتعلق بموقف بريطانيا من الحرب على غزة وعلاقتها الوثيقة بدولة الاحتلال الإسرائيلي. فاستهداف “فلسطين أكشن” جاء في سياق تصاعد الاحتجاجات الشعبية داخل المملكة المتحدة ضد الدعم العسكري والسياسي المقدم لتل أبيب.
منتقدو الحظر يرون أن الحكومة البريطانية تبنّت تعريفًا فضفاضًا للإرهاب يخلط بين العمل العنيف ضد المدنيين وبين أعمال التخريب الموجهة ضد ممتلكات في إطار احتجاج سياسي. ويعتبر هؤلاء أن هذا التوسع في المفهوم يعكس انحيازًا سياسيًا للاحتلال، ومحاولة لردع أي حراك شعبي يربط بريطانيا بشكل مباشر بعمليات عسكرية مثيرة للجدل في غزة.
في المقابل، تدافع الحكومة عن موقفها باعتباره ضرورة لحماية المنشآت الحيوية ومنع تصاعد أعمال قد تهدد السلامة العامة. إلا أن المحكمة العليا حين اعتبرت الحظر “غير متناسب” أشارت ضمنيًا إلى أن مكافحة الإرهاب لا يجب أن تتحول إلى أداة لتقييد الحريات السياسية.
المعركة الآن أمام محكمة الاستئناف، ونتيجتها لن تحدد فقط مصير “فلسطين أكشن”، بل قد ترسم أيضًا حدودًا جديدة لتعريف الإرهاب والاحتجاج السياسي في بريطانيا. وبينما تستمر الإجراءات القانونية، يبقى السؤال الأوسع مطروحًا: هل تتجه لندن نحو تضييق متزايد على الحريات باسم الأمن، أم أن القضاء سيعيد رسم الخط الفاصل بين حماية الدولة وحق المواطنين في معارضة سياساتها، خاصة حين يتعلق الأمر بدعم الاحتلال الإسرائيلي؟
اقرأ أيضًا : هبوط مقاتلات أمريكية في إسرائيل يرفع منسوب المواجهة مع إيران