كشفت مصادر سعودية مطلعة أن الرياض عارضت انضمام مصر إلى اتفاقية مكة للدفاع المشترك التي وقعتها السعودية وتركيا وباكستان، رغم أن أنقرة دفعت باتجاه إدخال القاهرة في الاتفاق. وبحسب ما نقل موقع Middle East Eye عن ثلاثة مصادر سعودية مطلعة على النقاشات، فإن الموقف السعودي لم يكن إجراءً مؤقتًا أو تفصيلًا فنيًا، بل جاء نتيجة تراكم غضب داخل الرياض من نظام عبد الفتاح السيسي، وشعور متزايد بأن مصر لم تعد تقدم القيمة السياسية أو العسكرية التي كانت تقدمها في السابق.
اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي وقعت في المدينة المقدسة بين السعودية وتركيا وباكستان، تنص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا على الجميع. ورغم أن آليات التنفيذ والتدخل العسكري لا تزال غير واضحة، فإن الاتفاق يمثل محاولة لبناء مظلة دفاعية جديدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، مع تصاعد الحرب مع إيران، واضطراب أمن الخليج، واهتزاز الثقة في الضمانات الأمريكية التقليدية.
لكن اللافت لم يكن فقط توقيع الاتفاق، بل غياب مصر عنه. فالقاهرة، التي كانت لعقود تقدم نفسها كركيزة عسكرية عربية وكشريك تقليدي لدول الخليج، وجدت نفسها خارج إطار دفاعي جديد تقوده السعودية مع تركيا وباكستان. ووفق المصادر السعودية، فإن الرياض لم تكن تريد انضمام مصر “في الوقت الحالي على الأقل”، بسبب قناعة متنامية بأن نظام السيسي أصبح عبئًا أكثر منه شريكًا موثوقًا.
أحد المصادر، وهو مستشار سابق بارز للملكية السعودية، قال إن السعودية كانت أكبر داعم مالي لحكومة السيسي بعد وصوله إلى السلطة في انقلاب 2013، وأنها أنفقت في البداية نحو 25 مليار دولار لدعم الاقتصاد المصري المتعثر. لكن الرياض، بحسب المصادر، بدأت تشعر بأن هذا الدعم لم يقابله موقف مصري واضح في الملفات الأمنية التي تهم السعودية مباشرة.
وتشير المصادر إلى أن الدور المصري في حرب السعودية الطويلة ضد الحوثيين في اليمن كان “محدودًا وغير موثوق”، كما أن موقف القاهرة خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران زاد من شكوك الرياض. فبينما كانت السعودية تتعرض لتهديدات مباشرة من الحوثيين وحلفاء إيران، لم ترَ من نظام السيسي دعمًا يوازي حجم الدعم المالي والسياسي الذي قدمته له على مدى سنوات.
العامل الأكثر حساسية في الموقف السعودي هو العلاقة بين السيسي وأبوظبي. بحسب المصادر، تنظر الرياض بقلق متزايد إلى ما وصفته بـ“تبعية” القاهرة للإمارات، خصوصًا بعد تصاعد الخلاف بين السعودية وأبوظبي بسبب دعم الإمارات للانفصاليين الجنوبيين في اليمن، وهي جماعات ترى الرياض أنها تهدد أمنها القومي ومصالحها المباشرة.
المصادر لفتت إلى أن مصر أرسلت أنظمة دفاع جوي وطائرات مقاتلة إلى أبوظبي ردًا على الهجمات الإيرانية، كما زار السيسي محمد بن زايد أكثر من مرة أثناء الحرب، في حين لم تُتخذ خطوات مماثلة تجاه السعودية. هذه النقطة، بحسب التقرير، عززت لدى الرياض الانطباع بأن السيسي يصطف عمليًا مع أبوظبي، حتى عندما تتعارض سياسات الإمارات مع المصالح السعودية.
والأمر لا يتوقف عند اليمن. فالسعوديون، وفق المصادر، يرون أن عدة سياسات إماراتية تتعارض حتى مع المصالح الاستراتيجية لمصر نفسها، منها دور الإمارات في أرض الصومال، وعلاقتها الاستراتيجية مع إسرائيل، وموقفها من إثيوبيا خلال أزمة سد النهضة، ودعمها لميليشيا الدعم السريع في السودان. ورغم ذلك، يواصل السيسي الارتماء في التحالف مع أبوظبي، بما يعمق الشكوك السعودية حول مدى استقلال قراره وجدوى الاعتماد عليه كشريك استراتيجي.
في المقابل، كانت تركيا تريد إدخال مصر في الاتفاق. وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قال إن القاهرة “شريك طبيعي” لأنقرة، وإنه لا يوجد ما يمنع انضمامها مستقبلًا بعد حل المسائل الفنية. كما قالت مصادر تركية إن أنقرة بذلت جهودًا كبيرة لإدراج مصر في المعاهدة، وقدمت اقتراحًا رسميًا بمشاركتها.
لكن المصادر السعودية رفضت الرواية التي تقول إن القاهرة هي التي لم تكن مستعدة للانضمام. المستشار السعودي السابق وصف هذا الطرح بأنه “مثير للسخرية”، وقال إن السيسي كان سيكون حريصًا على الانضمام للاستفادة ماليًا من الاتفاق، كما يفعل عادة، وفق تعبيره. وأضاف أن صناع القرار في السعودية لديهم مخاوف جدية من ولاء السيسي، ولا يعتقدون أنه يمكن الوثوق به كما يثقون بالقيادتين التركية والباكستانية.
هذا التقييم لا يتعلق بالسياسة وحدها، بل بالقدرة العسكرية أيضًا. فالمصادر السعودية ترى أن تركيا وباكستان تقدمان للاتفاق قيمة عسكرية أوضح من مصر. تركيا تمتلك صناعة دفاعية متقدمة ومتنامية، وباكستان تملك قطاع تصنيع عسكريًا راسخًا وجيشًا كبيرًا وخبرة قتالية واسعة. أما مصر، بحسب المصادر، فإن قدراتها التصنيعية العسكرية لا تقدم المستوى نفسه من التكنولوجيا الدفاعية المتقدمة، بل تتركز بدرجة كبيرة في إنتاجات مدنية.
أحد المصادر انتقد دور الجيش المصري بشكل مباشر، معتبرًا أن وظيفة المؤسسة العسكرية يجب أن تكون الاستثمار في قدراتها الصناعية الدفاعية، لا الانشغال بإدارة مصانع الطعام. كما شككت المصادر في الجاهزية القتالية والفعالية العملية للقوات المسلحة المصرية، وهو ما يعني أن قرار استبعاد القاهرة لم يكن فقط بسبب ولاء السيسي أو علاقته بالإمارات، بل أيضًا بسبب قناعة سعودية بأن مصر لم تعد تملك الوزن العسكري العملي الذي يجعلها إضافة حقيقية لتحالف دفاعي جديد.
هذا الموقف السعودي يأتي وسط نقاش أوسع عن تراجع الدور المصري في المنطقة. فقد نقل التقرير عن The Economist أن مصر، التي قدمت نفسها طويلًا كركيزة للنظام الإقليمي، أصبحت مهمشة كوسيط وكقوة عسكرية. والفارق واضح بين مرحلة كانت فيها مصر شريكًا عسكريًا مركزيًا لدول الخليج، كما حدث في حرب تحرير الكويت عام 1991، وبين لحظة تجد فيها دول مثل الكويت نفسها أكثر اهتمامًا بالانضمام إلى اتفاقية مكة بدل العودة إلى ترتيبات أمنية قديمة تعتمد على القاهرة.
بحسب المستشار السعودي السابق، ترى الرياض أن مصر في عهد السيسي أصبحت أكثر اعتمادًا على الدعم الخارجي، خصوصًا من السعودية والولايات المتحدة ودول الخليج، لكنها تقدم القليل في المقابل. وقال إن مصر “كانت دائمًا معتمدة علينا وعلى الولايات المتحدة، تأخذ ولا تعطي شيئًا في المقابل”، في تعبير يعكس تغيرًا حادًا في النظرة السعودية إلى القاهرة.
كما أشار التقرير إلى أن وسائل التواصل السعودية عكست هذا المزاج الرافض لانضمام مصر. فقد نشرت حسابات داعمة للقيادة السعودية مواد تقول إن القاهرة غير مرغوب فيها داخل الاتفاق. ومن بين هذه الحسابات حساب @Columbuos، الذي يُعتقد على نطاق واسع أنه مرتبط بسعود القحطاني، المستشار السابق المقرب من ولي العهد محمد بن سلمان. الحساب كتب أن باب التحالف ليس مفتوحًا لمن يريد فقط معالجة مشكلاته والاستفادة من الاتفاق دون المشاركة في المهمة الأمنية نفسها للمنطقة، مضيفًا أن زمن “الاستحقاقات الوهمية” و“العطاء من طرف واحد” قد انتهى.
ورغم ذلك، شددت المصادر السعودية على أن الباب ليس مغلقًا نهائيًا أمام مصر. لكن موقف الرياض الحالي هو أن تبقى القاهرة خارج الاتفاق في هذه المرحلة، إلى أن يطرأ تغير أو تحسن في سلوكها وموقعها وقدرتها على تقديم قيمة حقيقية.
ما يكشفه التقرير أن استبعاد مصر ليس قرارًا عابرًا، بل تعبير عن تدهور أعمق في ثقة السعودية بنظام السيسي. فالقاهرة، التي حصلت على عشرات المليارات من الدعم الخليجي بعد 2013، لم تعد تُرى في الرياض كشريك استراتيجي يمكن الاعتماد عليه، بل كدولة مثقلة بالاعتماد المالي، ومرتبطة بأبوظبي، وضعيفة التأثير في الملفات الأمنية الكبرى.
بهذا المعنى، فإن رفض بن سلمان انضمام السيسي إلى اتفاقية مكة لا يتعلق فقط بمن يجلس على طاولة التحالف، بل بمن يستحق أن يكون جزءًا من معادلة الأمن الجديدة في المنطقة. السعودية اختارت تركيا وباكستان لأنها ترى فيهما قوة عسكرية وصناعية وسياسية قابلة للاستخدام. أما مصر السيسي، فبدت في الحساب السعودي الحالي دولة تطلب الدعم، وتقترب من الإمارات، ولا تقدم في المقابل ما يكفي لتكون شريكًا موثوقًا في تحالف دفاعي حساس.