كشف تحقيق مطول لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية كيف نجحت الإمارات خلال نحو عقدين في إعادة بناء صورتها داخل الولايات المتحدة، والانتقال من دولة أثارت مخاوف واسعة في الكونغرس بعد أزمة موانئ دبي عام 2006، إلى واحدة من أكثر العواصم الخليجية نفوذًا داخل دوائر القرار الأمريكي. ووفق التحقيق، اعتمدت أبوظبي على مزيج من المال، جماعات الضغط، مراكز الأبحاث، الاستثمارات الاستراتيجية، والعلاقة مع إسرائيل لفتح أبواب واشنطن وتحصين نفسها من ضغوط كانت ستواجهها دول أخرى في ظروف مماثلة.

270 مليون دولار لفتح أبواب واشنطن

بحسب التحقيق، أنفقت الإمارات أكثر من 270 مليون دولار خلال السنوات العشر الماضية على أنشطة مرتبطة بالضغط والتأثير السياسي في واشنطن، لتصبح ضمن أكثر عشر دول إنفاقًا في هذا المجال عالميًا. كما تدفقت الأموال الإماراتية إلى مؤسسات بحثية مؤثرة، من بينها المجلس الأطلسي ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ومؤسسة راند.

ولعب السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة دورًا مركزيًا في هذه الاستراتيجية، عبر بناء شبكة علاقات واسعة داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري، واستضافة المسؤولين والشخصيات النافذة، وتشجيع السياسيين والباحثين على زيارة الإمارات والترويج لصورة مختلفة عنها.

المسألة، وفق ما يرسمه التحقيق، لم تكن «علاقات عامة» بالمعنى البسيط، بل عملية طويلة لإعادة هندسة صورة أبوظبي داخل المؤسسة الأمريكية، وتحويل الأموال والاستثمارات إلى رصيد سياسي يمكن استخدامه عند الحاجة.

التطبيع مع إسرائيل كان «الباب الخلفي»

جاء التحول الأهم مع توقيع الإمارات اتفاقيات أبراهام عام 2020.

فبحسب مسؤول أمريكي سابق وردت شهادته في التحقيق، أدركت أبوظبي أن العلاقة مع إسرائيل تمثل طريقًا مباشرًا إلى فريق ترامب والمؤسسة السياسية الأمريكية، وتحولت تلك العلاقة إلى ما وصفه بـ**«باب خلفي ضخم»** يسمح للإمارات بتجاوز كثير من الانتقادات التي كانت تلاحقها.

ومن هذه اللحظة، لم يعد التطبيع مجرد علاقة ثنائية مع الاحتلال، بل أصبح ورقة نفوذ داخل واشنطن نفسها.

أي أن بن زايد لم يقدم لإسرائيل الاعتراف والعلاقات فقط؛ بل استثمر هذا التطبيع للحصول على مكاسب أوسع لدى الولايات المتحدة، من صفقات السلاح والتكنولوجيا إلى النفوذ السياسي.

المال الإماراتي يدخل قلب التكنولوجيا الأمريكية

تجاوزت الاستراتيجية الإماراتية جماعات الضغط إلى الاستثمار المباشر في قطاعات شديدة الحساسية داخل الولايات المتحدة.

فصناديق وشركات إماراتية مدعومة من الدولة دخلت في شراكات واستثمارات مع شركات تعمل في الذكاء الاصطناعي والرقائق ومراكز البيانات، إلى درجة أن مسؤولًا بارزًا سابقًا في إدارة بايدن قال إن مدى ارتباط صناعة الذكاء الاصطناعي الأمريكية بالأموال الإماراتية أصبح «مخيفًا».

وفتح ذلك لأبوظبي بابًا للحصول على تقنيات أمريكية متقدمة، بينها رقائق الذكاء الاصطناعي، رغم تحذيرات مسؤولين ومشرعين من احتمال انتقال تقنيات حساسة إلى الصين بسبب العلاقات الإماراتية الصينية الوثيقة.

نصف مليار دولار لعائلة ترامب.. ثم اتفاق الرقائق

يسلط التحقيق الضوء أيضًا على واحدة من أكثر النقاط إثارة للجدل: شراء شركة MGX التابعة للشيخ طحنون بن زايد حصة تبلغ 49% في شركة العملات المشفرة التابعة لعائلة ترامب «وورلد ليبرتي فاينانشال»، في استثمار بلغ نحو 500 مليون دولار.

ثم استخدمت MGX ما قيمته مليارا دولار من العملة المستقرة التابعة للشركة في صفقة أخرى، بينما اشترى صندوق مقره الإمارات رموزًا رقمية بقيمة 100 مليون دولار.

ويؤكد الجانب الإماراتي أن هذه استثمارات تجارية مستقلة لا علاقة لها بالسياسة. لكن مشرعين ديمقراطيين ربطوا بينها وبين قرار إدارة ترامب اللاحق بالسماح للإمارات بالحصول على رقائق متقدمة، واعتبر بعضهم الأمر نموذجًا شديد الخطورة لتداخل المال الخاص مع القرار السياسي الأمريكي.

الدعم السريع.. اتهامات بلا عقاب

الأخطر أن النفوذ الإماراتي لم يقتصر على الحصول على المكاسب، بل ساعد أبوظبي أيضًا، وفق منتقدين داخل الولايات المتحدة، على تجنب كلفة ملفات شديدة الحساسية.

فالتحقيق يستعرض الاتهامات المتكررة للإمارات بدعم ميليشيا الدعم السريع في السودان، رغم اتهام الميليشيا بارتكاب جرائم حرب وفظائع واسعة.

ورغم هذه الاتهامات، استمرت محاولات الكونغرس لعرقلة صفقات السلاح للإمارات في الفشل، بينما ظل وصفها بأنها «حليف استراتيجي» يوفر لها مظلة سياسية يصعب على دول أخرى الحصول عليها.

هذه النقطة تكشف جوهر المسألة: النفوذ لا يُقاس فقط بما تحصل عليه الإمارات، بل بما تستطيع الإفلات منه.

الإمارات «مصرف إيران» رغم التحالف ضدها

ويكشف التحقيق مفارقة أخرى أكثر حدة.

فالإمارات قدمت نفسها لعقود باعتبارها من أكثر دول الخليج تشددًا تجاه إيران، ثم عمقت تحالفها مع الولايات المتحدة وإسرائيل بذريعة مواجهة طهران.

لكن تحليل «فايننشال تايمز» للعقوبات الأمريكية المرتبطة بإيران أظهر أن الإمارات جاءت ثاني أكثر دولة بعد الصين من حيث وجود صلات بالكيانات والأفراد الخاضعين للعقوبات.

ومن بين 1,573 كيانًا وفردًا لديهم صلات بدولة خارج إيران، فإن 22% منهم لديهم جنسية أو عنوان أو شركة مسجلة في الإمارات. بل إن ترامب نفسه وصف الإمارات بأنها كانت بمثابة «المصرف لإيران».

وهنا تنكشف الازدواجية بوضوح: أبوظبي تتحالف مع واشنطن وتل أبيب ضد إيران، بينما تحتفظ في الوقت نفسه بدور مالي وتجاري حيوي سمح لشبكات مرتبطة بطهران بالتحرك عبر أراضيها.

بن زايد اشترى أكثر من صورة جيدة

القصة التي يكشفها التحقيق ليست نجاحًا دبلوماسيًا عاديًا، بل بناء منظومة نفوذ متكاملة.

بن زايد تعلم من أزمة الموانئ عام 2006 أن القوة المالية وحدها لا تكفي إذا لم تكن مصحوبة بنفوذ داخل المؤسسة الأمريكية. ومنذ ذلك الحين، عملت أبوظبي على الاستثمار في الساسة، ومراكز التفكير، والجامعات، والتكنولوجيا، وإسرائيل، حتى أصبحت قادرة على التأثير في الطريقة التي تُرى بها داخل واشنطن.

وهذا يفسر كيف تمكنت الإمارات من الجمع بين ملفات متناقضة: علاقات عسكرية مع الصين، وشبهات الالتفاف على العقوبات الإيرانية، ودعم متهم لميليشيا الدعم السريع، وفي الوقت نفسه المحافظة على صفة «الحليف الموثوق» لدى الولايات المتحدة.

التطبيع لم يخدم فلسطين.. خدم نفوذ أبوظبي

أحد أكثر ما يكشفه التحقيق بوضوح هو أن اتفاقيات أبراهام لم تكن بالنسبة إلى أبوظبي مجرد مشروع «سلام».

فالإمارات استخدمت التطبيع كرافعة سياسية داخل واشنطن، عززت بها مكانتها، ووسعت وصولها إلى التكنولوجيا والسلاح والاستثمارات، وحمت نفسها من ضغوط كانت ستواجهها لولا علاقتها مع إسرائيل.

وهذا يجعل الفلسطينيين خارج معادلة التطبيع بالكامل؛ فالمكسب الحقيقي كان إماراتيًا: إسرائيل منحت بن زايد مفتاحًا إضافيًا إلى واشنطن.

نفوذ أكبر مما ينبغي

يلخص السيناتور الديمقراطي كريس فان هولين المشكلة بقوله إن الإمارات تتمتع في واشنطن بـ«نفوذ أكبر مما ينبغي»، وأن ذلك سمح لها بالإفلات من أمور لم تكن دول أخرى لتنجو منها.

وتتزايد الآن الدعوات داخل الحزب الديمقراطي إلى فتح تحقيقات أوسع في العلاقة الأمريكية الإماراتية إذا تغير ميزان القوى داخل الكونغرس.

وهذا يعني أن النموذج الذي بناه بن زايد قد يدخل مرحلة اختبار حقيقية: هل هو تحالف استراتيجي متوازن، أم شبكة مصالح مالية وسياسية أصبحت قادرة على التأثير في القرار الأمريكي نفسه؟

فالتحقيق يرسم صورة واضحة: الإمارات لم تصبح نافذة في واشنطن لأنها أكثر التزامًا بالمصالح الأمريكية، بل لأنها تعلمت كيف تشتري النفوذ، وتستثمر في السياسيين والمؤسسات والتكنولوجيا، وتستخدم إسرائيل بوابةً خلفية إلى النظام الأمريكي. وبين المال والتطبيع واللوبيات، صنع بن زايد شبكة تحميه من المحاسبة وتفتح له الأبواب؛ لكن كلما اتسعت هذه الشبكة، زاد السؤال إلحاحًا: هل تخدم واشنطن مصالحها، أم أصبحت أبوظبي بارعة في جعل واشنطن تخدم مصالح بن زايد؟