كشفت صحيفة “لوموند” الفرنسية، في تقرير مطوّل للكاتب إليوت براشيه، عن أدلة جديدة تؤكد تورط قوات الدعم السريع في ارتكاب جرائم مروعة بحق المدنيين في مدينة الفاشر بإقليم دارفور، وعن مساعيها المحمومة لإخفاء معالم تلك الجرائم عبر طمس الأدلة وحرق الجثث ودفنها في مقابر جماعية.
وقال التقرير إن ما حدث في الفاشر بعد الهجوم الأخير لقوات الدعم السريع يرقى إلى جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب ممنهجة، مشيرًا إلى أن الشهادات الميدانية والصور الملتقطة بالأقمار الصناعية تكشف فظائع يصعب وصفها.

شهادات مروّعة من قلب المأساة
ونقلت الصحيفة شهادات حية من مدنيين فرّوا من المدينة بعد أيام من المجازر، بينهم مريم (اسم مستعار)، التي قالت:
“كانت الشوارع مغطاة بالجثث… لقد قتلوا الأطفال والنساء والرجال بلا تمييز، واختطفوا عشرات الفتيات الصغيرات، ولا أحد يعرف مصيرهن حتى الآن.”
وأضافت أن قوات الدعم السريع أوقفتها مع أسرتها عند حاجز تفتيش، حيث جُرّدوا من كل ما يملكون، وتعرضوا للضرب والإهانة، قبل أن ينجوا بأعجوبة بعد تسعة أيام من السير عبر الصحراء نحو مدينة طويلة غربي دارفور.
ووفق تقديرات المنظمة الدولية للهجرة، فقد فرّ أكثر من 71 ألف مدني من الفاشر منذ سقوطها بأيدي قوات الدعم السريع، بينما وصل نحو 7 آلاف فقط إلى مدينة طويلة، والبقية توزعوا في مناطق مختلفة شمال وشرق دارفور.
تجارة بالأسرى والمفقودين
وذكر التقرير أن قوات الدعم السريع حولت المدنيين المختطفين إلى رهائن تُدفع مقابل إطلاق سراحهم فديات مالية ضخمة عبر تطبيقات إلكترونية، في واحدة من أبشع صور استغلال المأساة الإنسانية.
وقال أحد عمال الإغاثة لـ”لوموند” إن “العملية تحولت إلى تجارة مربحة لقادة الميليشيا، حيث يتم بيع حياة الناس مقابل المال، وسط غياب كامل لأي سلطة دولية أو محلية قادرة على التدخل.”
مقابر جماعية وأدلة بالأقمار الصناعية
وكشف مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل الأميركية عن صور أقمار صناعية تُظهر حفراً لمقابر جماعية جديدة في الفاشر، مؤكداً وجود نشاط مكثف للجرافات والشاحنات التي تنقل الجثث من الشوارع إلى مواقع الدفن السرية.
وقال الباحث ناثانيال ريموند للصحيفة:
“لا يمكننا تحديد عدد القتلى بدقة لأن الجثث كانت مكدسة فوق بعضها… لكن المؤكد أن قوات الدعم السريع تتعمد إزالة كل أثر لجرائمها.”
وأكدت صور جديدة أن الميليشيا أضرمت النار في مقبرتين جماعيتين؛ الأولى قرب المستشفى السعودي، والثانية على أطراف خندق رملي يحيط بالمدينة بطول 55 كيلومتراً، في محاولة لإخفاء الأدلة قبل وصول أي لجنة تحقيق دولية.
تكرار لجرائم الجنينة
وذكّر التقرير بأن هذه ليست المرة الأولى التي تلجأ فيها قوات الدعم السريع إلى مثل هذه الأساليب، إذ سبق أن ارتكبت مجازر مماثلة في مدينة الجنينة عام 2023، راح ضحيتها ما بين 10 و15 ألف مدني، وتم دفن الجثث في 13 مقبرة جماعية وفق تقارير الأمم المتحدة.
دعوة عاجلة للتحقيق الدولي
ودعا الباحث ريموند الأمم المتحدة إلى إرسال بعثة تحقيق مستقلة إلى الفاشر فوراً، محذراً من أن استمرار صمت المجتمع الدولي يمنح قوات الدعم السريع الوقت الكافي لطمس الأدلة وتكرار الجرائم في مناطق أخرى من دارفور.
اقرأ أيضًا : فزع أممي من فظائع الدعم السريع بالفاشر .. وأبوظبي في تغذية آلة الحرب