شهدت مناطق في شرق ليبيا خلال الساعات الأخيرة وقفات محدودة رفعت شعار “تفويض خليفة حفتر رئيسًا للبلاد”، في خطوة تبدو ظاهريًا تعبيرًا عن رغبة شعبية، لكنها في العمق لا تتجاوز كونها عملية تعبئة مصطنعة تُدار من غرف مغلقة، وتخدم مشروعًا سياسيًا لا يمت للديمقراطية بصلة.
المفارقة أن هذه “الوقفات” جاءت في توقيت حساس تشهده ليبيا، بالتزامن مع انسداد المسار السياسي وانهيار جهود الوساطة الدولية، ما دفع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح للدعوة إلى “انتخابات عاجلة”، في صياغة تحمل ظاهرها التهدئة وباطنها دعمًا للمشهد الجديد الذي يراد فرضه قسرًا.
لكن ما وراء الكواليس يكشف أن أبو ظبي هي اللاعب الأبرز في هذه الحلقة الجديدة من التخريب السياسي، وأن ما يحدث ليس سوى محاولة جديدة لإعادة تدوير حفتر عبر تفويض شعبوي ملفّق، تمهيدًا لشرعنته كرئيس أمر واقع، وبمباركة ودعم مالي وإعلامي إماراتي خالص.

حفتر يعود عبر البوابة الخلفية: تفويض لا يعكس إرادة الليبيين
المتابع للمشهد على الأرض يدرك أن حجم المشاركين في تلك الوقفات كان متواضعًا للغاية، لا يتناسب مطلقًا مع ما يُروَّج له من “حراك شعبي واسع”.
الحشود الصغيرة التي خرجت أثبتت حقيقة مهمة:
لا وجود لتفويض حقيقي، بل لقطات إعلامية مفبركة لصناعة وهم القيادة الشعبية.
فالغالبية الساحقة من الليبيين — شرقًا وغربًا وجنوبًا — سبق أن اختبرت مشروع حفتر العسكري، ورأت كيف قاد البلاد إلى حرب أهلية دموية، وكيف تحولت المناطق التي سيطر عليها إلى فضاء خانق تُكمّم فيه الحريات، وتُدار بمزيج من القمع والتضليل.
ما يجري الآن ليس تفويضًا بقدر ما هو إعادة إنتاج لنفس النهج الانقلابي الذي ظهر عام 2014 عندما أعلن حفتر “تجميد العمل بالدستور” من طرف واحد.
الفرق الوحيد أن هذه المرة يجري تسويق الانقلاب بغطاء شعبي مزيف.
عقيلة صالح والدور المزدوج: انتخابات عاجلة أم تمرير للانقلاب؟
دعوة عقيلة صالح إلى “انتخابات عاجلة” تبدو على الورق خطوة ديمقراطية، لكنها في الحقيقة لا تنفصل عن سياق التفويض الذي تحاول ميليشيات حفتر فرضه.
فـ:
- الانتخابات التي يطالب بها عقيلة لا تتضمن أي ضمانات لنزاهتها.
- ولا توجد سلطة قضائية مستقلة تشرف عليها.
- كما أن بيئة القمع في الشرق لا تسمح بأي تنافس سياسي حقيقي.
بمعنى آخر، الانتخابات — إن جرت بهذه الشروط — ستكون مجرد بوابة شرعية زائفة لتنصيب حفتر رئيسًا للبلاد، بعد أن فشل في الحصول على هذا المنصب بالقوة والسلاح.
الإمارات.. عقل المشروع ويده الخفية: لماذا تدعم أبو ظبي حفتر؟
لا يمكن قراءة ما يحدث في شرق ليبيا بمعزل عن اليد الإماراتية التي تتحرك في الظل منذ سنوات.
أبو ظبي تسعى لإعادة تشكيل ليبيا بما يناسب أجندتها الإقليمية، اعتمادًا على ثلاث ركائز:
1. السيطرة على النفط والغاز
الإمارات تحلم بوجود شريك مطيع في أهم مناطق النفط الليبي.
حفتر — بسلطته العسكرية على الهلال النفطي — يمثل بالنسبة لها البوابة الذهبية للدخول إلى الثروة الليبية والتحكم في عقود التصدير والموانئ.
2. ضرب أي نموذج ديمقراطي في المنطقة
مشروع أبو ظبي يقوم على خلق أنظمة عسكرية تابعة تمنع أي مسار ديمقراطي عربي قد يهدد نفوذها.
انتصار التجربة الديمقراطية في ليبيا يعني — بالنسبة للإمارات — تهديدًا مباشرًا لنموذجها السياسي القائم على القمع والتحكم.
3. بناء محور إقليمي يقوده العسكر
حفتر بالنسبة للإمارات جزء من محور تواجه به الثورات العربية:
عسكر في مصر، مليشيات في اليمن، دعم للانفصاليين في الجنوب، وميليشيات في السودان، والآن محاولة لإعادة تنصيب جنرال جديد في ليبيا.
لذلك، فإن تفويض حفتر اليوم ليس مبادرة محلية، بل دفعة إماراتية جديدة لتهيئة المسرح لجولة أخرى من السيطرة على ليبيا.
كيف تدير الإمارات المشهد؟ أدوات التأثير والتحريك
التحركات التي ظهرت في شرق ليبيا تحمل بصمة الإمارات بكل وضوح، اعتمادًا على:
- تمويل مباشر لمجموعات قبلية وسياسية كي تتصدر المشهد.
- تعبئة إعلامية عبر منصات تُدار من أبو ظبي للترويج لتفويض حفتر.
- ضغوط على بعض القيادات العسكرية في الشرق لدفعهم للمشاركة في “التصعيد السياسي”.
- استثمار حالة السخط الشعبي الناتجة عن الانقسام وغياب الحلول، لإقناع بعض المواطنين بأن الحل هو الرجل العسكري القوي.
هذه الأدوات ليست جديدة؛ فقد استخدمتها الإمارات سابقًا في اليمن، والسودان، وتونس، وكل مرة بهدف واحد:
خلق واقع سياسي يصنع رجالًا موالين لها ويحمي مصالحها في الموانئ والموارد.
ليبيا على حافة الهاوية: ما الذي ينتظر البلاد؟
إذا نجحت خطة تفويض حفتر — حتى ولو جزئيًا — فإن ليبيا ستدخل مرحلة جديدة من الفوضى قد تكون أخطر من كل ما سبق:
- عودة شبح الحرب الأهلية مع رفض الغرب والجنوب لأي مشروع عسكري جديد.
- انهيار أي فرصة للانتخابات الموحدة لأن حفتر لا يقبل بنتائج لا تعطيه السلطة.
- تعميق الانقسام الجغرافي والسياسي بين الشرق والغرب.
- تحويل ليبيا إلى ساحة نفوذ إماراتية تُدار بقبضة أمنية شبيهة بما يحدث في اليمن والسودان.
الأمر الأخطر هو أن هذا السيناريو قد يجر البلاد إلى موجة نزوح جديدة ويعرّض مواردها وثرواتها للنهب، في ظل غياب دولة مركزية قوية.
خلاصة: تفويض بلا شعب… وانقلاب برعاية إماراتية
ما يجري في شرق ليبيا ليس تفويضًا شعبيًا ولا إرادة وطنية، بل فصل جديد من الانقلاب السياسي الناعم الذي تحركه الإمارات لإعادة تنصيب رجلها الأول في البلاد.
الإمارات تسعى — بكل وضوح — إلى ابتلاع ليبيا عبر رجل يفتح لها الأبواب ويغلق أي نافذة نحو الديمقراطية أو الاستقلال السياسي.
حفتر ليس خيار الليبيين…
بل خيار دولة تبحث عن الهيمنة لا عن الاستقرار، وعن النفوذ لا عن السلام.
وإذا لم يتحرك الليبيون والفاعلون الإقليميون والدوليون لكبح هذا المسار، فإن ليبيا ستجد نفسها أمام نسخة جديدة من سيناريو اليمن والسودان:
بلد ممزق، ثروة منهوبة، ومشهد سياسي تصنعه أبو ظبي وفق قياسها ومصالحها.
اقرأ أيضًا : عنف المستوطنين يتصاعد: 10 إصابات شرق بيت لحم والضفة الغربية تشتعل مجددا