في الوقت الذي تنشغل فيه المنطقة بصراعاتها الوجودية، مر خبر توقيع مجموعة موانئ أبوظبي اتفاقية إدارة ميناء العقبة لثلاثين عاماً قادمة “مرور الكرام”، لكنه في الحقيقة يمثل حجر الزاوية في استراتيجية إماراتية تهدف إلى إعادة صياغة الجغرافيا السياسية للمشرق العربي بما يخدم “الممر البري” المرتبط بالاحتلال الإسرائيلي. هذا الاستثمار، الذي يقدر بـ 2.3 مليار دولار لبناء سكة حديد، ليس مشروعاً تنموياً للأردن، بل هو عملية “استلاب” ممنهجة لسيادة المملكة ومقدراتها لصالح أجندة إقليمية مشبوهة.
خبر مر مرور الكرام رغم أهميته: موانئ ابوظبي ستتولى إدارة ميناء العقبة في الأردن لمدة 30 سنة قادمة كما ستقوم الإمارات ببناء سكة حديد يربط الميناء بمناطق التعدين في الأردن باستثمار قدره 2.3 مليار $. استقرار الأردن اولوية لدى صانع القرار في الإمارات. pic.twitter.com/wq9eeKDS5B
— Abdulkhaleq Abdulla (@Abdulkhaleq_UAE) April 26, 2026
ارتهان السيادة لثلاثة عقود
أن تضع الإمارات يدها على ميناء العقبة -منفذ الأردن الوحيد على العالم- لمدة 30 عاماً، فهذا يعني ببساطة أن القرار الاقتصادي والسياسي الأردني بات رهينة في يد “صانع القرار” في أبوظبي. هذا التمدد لم يعد مجرد تعاون استراتيجي، بل هو استغلال لحاجة الأردن الاقتصادية لفرض واقع جديد يربط مصير عمان بمصالح أبوظبي وتفاهماتها مع تل أبيب. إن تحويل مناطق التعدين في الشيدية ووادي الأبيض إلى مجرد “مغذيات” لسكك حديد تديرها الإمارات، يفرغ الدولة الأردنية من سيطرتها على مواردها الاستراتيجية.
ضرب الهوية التاريخية: سكة “التطبيع” ضد “قطار الحجاز”
أخطر ما في المشروع الإماراتي هو محاولته الخبيثة لدفن أي أمل في إحياء المشاريع التي تربط الأمة العربية والإسلامية ببعضها. فبينما يمثل “خط قطار الحجاز” رمزية تاريخية للربط بين الشمال والجنوب (دمشق – عمان – المدينة المنورة)، يأتي قطار أبوظبي ليكون “المضاد الوظيفي” لهذا الإرث.
الإمارات لا تبني سكة حديد لربط العرب ببعضهم، بل تبني سكة حديد “عرضية” وظيفتها الأساسية أن تكون الامتداد الطبيعي لخطوط الشحن القادمة من موانئ حيفا والداخل المحتل. إنه استبدال لهوية المنطقة التاريخية بهوية “لوجستية” باردة، تخدم حركة البضائع الصهيونية وتجعل من الأراضي الأردنية مجرد “ساحة تفريغ” ومعبر آمن للتجارة التي تلتف على مشاعر الشعوب الرافضة للتطبيع.
الاستقرار بصبغة “أمنية إماراتية”
يدعي المروجون لهذا المشروع أن استقرار الأردن أولوية، ولكن أي استقرار هذا الذي يبنى على التبعية المطلقة؟ إن ما تفعله الإمارات هو “تأميم” للاستقرار الأردني لصالح مشروع “الممر البري”. فمن خلال السيطرة على الموانئ والسكك الحديدية، تضمن أبوظبي ألا يخرج القرار الأردني عن المسار المرسوم له في الاتفاقيات الإبراهيمية.
هذا الاستثمار هو في الحقيقة “قيد من ذهب” يُوضع في معصم الدولة الأردنية، ليحولها إلى “حارس” لمصالح الممر التجاري الذي يربط دبي بحيفا. إنها محاولة لتجفيف منابع أي تحرك وطني مستقل، عبر ربط لقمة عيش الأردنيين وقطاعاتهم الإنتاجية (الفوسفات والبوتاس) بمنظومة نقل تسيطر عليها أيادٍ خارجية، هدفها الأول والأخير هو دمج الكيان الصهيوني في نسيج المنطقة الاقتصادي قسراً.
الخلاصة: اختراق صامت
إن مشروع سكة الحديد الإماراتي في الأردن هو “حصان طروادة” الجديد. فخلف عناوين التنمية والاستثمار، تختبئ أجندة لتفكيك الروابط التاريخية للمنطقة وبناء واقع جغرافي جديد تكون فيه “إسرائيل” هي القلب، ودول الجوار هي مجرد “أطراف” أو “رئات” تخدم تدفق الأموال والبضائع العابرة للحدود. إنها السياسة الإماراتية التي تتقن فن السيطرة الصامتة، وتستبدل القومية باللوجستيات، والسيادة بالاستثمارات المشروطة.
اقرأ أيضًا : إيران استخدمت قمر صناعي صيني لضرب قواعد أمريكية.. ما دلالة ذلك؟