شهد قطاع غزة، فجر الأحد، ليلة جديدة من التصعيد الدموي، راح ضحيتها ما لا يقل عن تسعة شهداء وعشرات الجرحى، في سلسلة غارات وانتهاكات متواصلة من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، وسط ما يُفترض أنه اتفاق لوقف إطلاق النار. هذه التطورات تعيد إلى الواجهة تساؤلات جوهرية حول مصداقية “الهدنة”، وحدود التزام الاحتلال بها، ومستقبل الأوضاع الإنسانية والأمنية في القطاع المنكوب.

غارات فجراً.. استهداف المدنيين بلا استثناء

مع ساعات الفجر الأولى، بدأت طائرات الاحتلال تنفيذ غارات جوية مركزة استهدفت مناطق متفرقة في قطاع غزة، كان أعنفها في جنوب غرب مدينة خانيونس، حيث استُشهد خمسة فلسطينيين أثناء تجمعهم في منطقة سكنية مدنية، دون أي مؤشرات على وجود أهداف عسكرية في المكان.

وفي شمال القطاع، استهدفت طائرة مسيّرة خيمة تؤوي نازحين في منطقة “الفالوجا” غرب جباليا، ما أدى إلى استشهاد أربعة فلسطينيين وإصابة آخرين. وبين الشهداء شاب فقد والده وأربعة من أشقائه خلال الحرب الأخيرة، في مشهد يلخص حجم المأساة المتراكمة التي تعيشها العائلات الفلسطينية منذ أكثر من عام.

هذه الهجمات تعكس نمطاً متكرراً من الاستهداف العشوائي، حيث لا تميّز الغارات بين مدني ومقاتل، ولا بين منزل وخيمة لجوء، في انتهاك صارخ لكل القوانين الإنسانية.

سياسة التدمير الممنهج وتفجير الأحياء السكنية

لم تقتصر الانتهاكات على الغارات الجوية، بل ترافقت مع عمليات تفجير واسعة للمنازل شمال شرقي مخيم جباليا، وفي محيط شارع الرضيع بمدينة بيت لاهيا، إلى جانب قصف مدفعي مكثف وإطلاق نار من الآليات العسكرية.

كما استهدفت المدفعية الإسرائيلية المناطق الشرقية من حي التفاح، ومخيم البريج، وأطراف مدينة خانيونس، في وقت شهدت فيه أحياء الشجاعية والزيتون ومدينة رفح إطلاق نار عشوائي، ما بثّ الرعب في صفوف المدنيين وأجبر العديد منهم على النزوح مجدداً.

هذه العمليات تعكس سياسة “الأرض المحروقة” التي ينتهجها الاحتلال، والقائمة على تدمير البنية العمرانية والسكنية بهدف جعل الحياة في غزة شبه مستحيلة، وفرض واقع جديد بالقوة.

ذرائع أمنية واتهامات متكررة لتبرير القتل

برر جيش الاحتلال هذا التصعيد بادعائه رصد خروج مسلحين فلسطينيين من نفق في مدينة بيت حانون، رغم إعلانه المتكرر سابقاً السيطرة الكاملة على المنطقة وتدمير بنيتها التحتية.

وتُكرر هذه الرواية في رفح وبيت حانون وخانيونس، حيث تُستخدم “الأنفاق” و”التحركات المشبوهة” ذريعة جاهزة لتبرير أي هجوم، دون تقديم أدلة مستقلة أو السماح بتحقيق دولي محايد.

هذا النمط من التبرير يعكس محاولة دائمة لتسويق الجرائم باعتبارها “إجراءات دفاعية”، في حين تؤكد الوقائع أن الضحايا في الغالب من المدنيين العزل، والنازحين، والأطفال والنساء.

أرقام دامية تكشف حقيقة “وقف إطلاق النار”

وفق وزارة الصحة في غزة، أسفرت خروقات الاحتلال لاتفاق وقف النار، حتى يوم السبت، عن استشهاد 591 فلسطينياً وإصابة أكثر من 1598 آخرين، منذ الإعلان عن الهدنة.

هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن خسائر بشرية، بل تكشف فشل أي إطار سياسي أو أمني في حماية المدنيين، وتحول “الهدنة” إلى غطاء هش يسمح للاحتلال بمواصلة عملياته بوتيرة أقل، دون توقف فعلي.

فعلياً، لم يشهد القطاع أي مرحلة استقرار حقيقي، بل انتقل من حرب شاملة إلى حرب منخفضة الكثافة، تستنزف السكان نفسياً وجسدياً واقتصادياً.

غزة بين حصار النار والصمت الدولي

في ظل هذا التصعيد، يعيش سكان غزة حالة من الإحباط والخذلان، مع استمرار الحصار، وتدمير المستشفيات، وشح الغذاء والمياه، وانعدام الأفق السياسي.

ورغم الإدانات الدولية المتكررة، إلا أنها بقيت في إطار التصريحات دون خطوات عملية لوقف الانتهاكات أو محاسبة المسؤولين عنها. هذا الصمت الدولي، أو الاكتفاء بالقلق اللفظي، شجّع الاحتلال على الاستمرار في سياساته دون خشية من العقاب.

كما فشلت الجهات الراعية للتهدئة في فرض آليات رقابة حقيقية، ما جعل الاتفاقات حبراً على ورق، تُخرق عند أول اختبار ميداني.

أين الهدنة؟ وأي مستقبل ينتظر القطاع؟

ما يجري في غزة يؤكد أن مفهوم “الهدنة” فقد معناه الحقيقي، وتحول إلى أداة سياسية لإدارة الصراع لا لإنهائه. فطالما استمر الاحتلال في استباحة الدم الفلسطيني، وتدمير البيوت، وتهجير السكان، فلن تكون هناك تهدئة حقيقية.

المشهد الحالي يطرح أسئلة مصيرية: إلى متى سيبقى المدنيون رهائن للتجاذبات السياسية؟ ومن يحمي الفلسطينيين من آلة القتل المستمرة؟ وهل يملك المجتمع الدولي إرادة حقيقية لفرض حل عادل؟

في ظل غياب الإجابات، تستمر غزة في دفع الثمن، ليلة بعد أخرى، وسط دماء لا تجف، وجرح مفتوح في ضمير العالم، يذكّر بأن العدالة ما زالت بعيدة، وأن الهدنة لم تكن سوى استراحة قصيرة في حرب طويلة على الوجود الفلسطيني.

اقرأ أيضًا : مطالبات أمريكية بالتحقيق في صفقة إماراتية مشبوهة مع شركة لعائلة ترامب وسط مخاوف أمنية