في خطوة وُصفت بالتاريخية على صعيد التوثيق والمساءلة، تقدمت مؤسسة هند رجب بالشراكة مع المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بشكوى رسمية إلى المحكمة الجنائية الدولية ضد قادة الاحتلال الإسرائيلي، وذلك عقب تحقيق موسع كشف التسلسل الكامل لمجزرة مستشفى ناصر بخان يونس التي وقعت يوم 25 أغسطس/آب 2024.

التحقيق قدّم رواية دقيقة مدعومة بالشهادات والوثائق والفيديوهات، ليُظهر أن المجزرة لم تكن حادثة عرضية أو نتيجة تبادل إطلاق نار، بل هجوم متعمد ومخطط له سلفًا، يرقى إلى جريمة إبادة جماعية.

التخطيط والجهات المنفذة

التحقيق أوضح أن لواء غولاني هو الذي تولى التنسيق والهندسة للعملية، تحت مراقبة مكثفة بطائرات مسيرة كانت تحلق فوق مستشفى ناصر بشكل دائم. أما التنفيذ المباشر فقد أوكِل إلى اللواء المدرع 188 الذي أطلق صواريخ موجهة من طراز “لهات” عبر دبابات “ميركافا”. هذا التسلسل يظهر أن العملية كانت جزءًا من هيكلية عسكرية واضحة، يقودها جنرالات بارزون من بينهم العميد موران عومير قائد الفرقة 36 (جعاش) والعقيد ميكي شارفيت الذي أشرف على الضربة الثانية.

ولم يتوقف الأمر عند مستوى القيادات الميدانية، بل حمل التحقيق مسؤولية سياسية وعسكرية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس الأركان إيال زامير، اللذين سمحا باستخدام تكتيك “الضربة المزدوجة”، أي استهداف موقع ثم إعادة قصفه بعد تجمع الصحفيين والأطباء وفرق الإنقاذ، وهو ما يعكس نية واضحة في تعظيم أعداد الضحايا.

تفاصيل المجزرة: من الضربة الأولى إلى الثانية

وفقًا للمعطيات، الضربة الأولى جاءت عبر طائرة مسيرة ركزت نيرانها على درج المستشفى حيث كان الصحفي حسام المصري يبث تغطية مباشرة لوكالة رويترز. الضربة أسفرت عن استشهاده على الفور وقطع البث بعد تسع دقائق فقط. هذا الاستهداف المباشر للصحفي، وهو يرتدي سترة صحفية واضحة المعالم، لا يترك مجالًا للادعاء بالخطأ.

بعد دقائق، وبينما تجمع الصحفيون وفرق الدفاع المدني والأطباء لإنقاذ الجرحى، جاءت الضربة الثانية التي كانت أكثر فتكًا. التحقيق أظهر أن دبابات “ميركافا” أطلقت صاروخين موجّهين بالليزر بشكل شبه متزامن نحو نفس الدرج، بفارق ثانية واحدة فقط، ما أدى إلى مضاعفة أعداد القتلى والجرحى. الأدلة الميدانية، بما في ذلك الحطام وجلود الذخائر، أكدت أن الهجوم استُخدم فيه سلاح متطور لا يخطئ أهدافه.

إشراف قيادات عليا وتواطؤ سياسي

التحقيق أشار إلى أن العميد موران عومير قام بجولة ميدانية قبل أيام من المجزرة، التقى خلالها بقادة لواء غولاني واللواء 188، ما يعكس علمه المسبق بالتخطيط. كما أن زيارة رئيس الأركان إيال زامير إلى خان يونس قبل العملية بأيام قليلة، ولقاءه بالقادة الميدانيين، تُظهر أن العملية تمت بموافقته المباشرة.

هذا التسلسل يجعل من الصعب فصل القرار العسكري عن الغطاء السياسي الذي وفره نتنياهو، والذي أعطى الضوء الأخضر لاستخدام تكتيكات محظورة دوليًا، كالضربة المزدوجة واستهداف المرافق الطبية والصحفيين.

استهداف الصحافة والقطاع الصحي كإستراتيجية حرب

مؤسسة هند رجب والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أكدا أن مجزرة مستشفى ناصر ليست حادثًا معزولًا، بل حلقة ضمن سياسة ممنهجة تستهدف الصحفيين والمنظومة الصحية في غزة. فمنذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، استشهد أكثر من 270 صحفيًا في القطاع، ما يجعل الحرب الإسرائيلية على غزة الأكثر دموية للعاملين في الإعلام في التاريخ الحديث.

في الوقت نفسه، تضررت أو دُمرت نحو 94% من مستشفيات غزة بفعل القصف المتكرر، وهو ما يكشف عن استراتيجية مزدوجة: القضاء على مقومات الحياة من خلال ضرب البنية الصحية، ومحو الأدلة والشهادات عبر استهداف الصحفيين الذين ينقلون الحقيقة.

دلالات قانونية ومطالب دولية

الشكوى المقدمة إلى المحكمة الجنائية الدولية لم تكتفِ بالمطالبة بالتحقيق، بل طالبت بإصدار أوامر اعتقال بحق جميع المسؤولين عن المجزرة، بدءًا من مشغلي الطائرات المسيرة وقادة الدبابات، وصولًا إلى الجنرالات والقيادة السياسية الإسرائيلية.

المؤسسة شددت على أن هذه الجريمة، بحكم طبيعتها المخططة والمتعمدة، تندرج ضمن جرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية، ولا يمكن التعامل معها كحادثة ميدانية عابرة. واعتبرت أن إفلات القادة الإسرائيليين من العقاب حتى الآن يعزز ثقافة الاستباحة ويشجع على تكرار الجرائم بحق المدنيين الفلسطينيين.

الخلاصة: من التوثيق إلى المساءلة

يكشف تقرير مؤسسة هند رجب والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان عن تفاصيل دقيقة لواحدة من أبشع المجازر التي ارتكبها الاحتلال خلال حربه على غزة. الأهمية هنا لا تكمن فقط في توثيق الجريمة، بل في تقديم تسلسل هرمي واضح يربط بين المشغلين الميدانيين وصنّاع القرار في تل أبيب.

بهذا التحقيق، وضعت المؤسسة والمركز الكرة في ملعب العدالة الدولية، وأكدا أن الوقت قد حان لإنهاء سياسة الإفلات من العقاب، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم ضد المدنيين، الصحفيين، والقطاع الصحي في غزة. فالمجزرة التي هزت مستشفى ناصر لم تكن سوى جزء من مشروع أوسع يستهدف شعبًا بأكمله، ويهدف إلى القضاء على الشهود والحياة معًا.

اقرأ أيضًا :أصابع أبوظبي تعبث في السودان: حميدتي يؤدي اليمين رئيساً لـ”المجلس الرئاسي” للحكومة الموازية