مع تصاعد وتيرة الحرب ووصول الصراع بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل إلى مستويات خطرة، بات الشرق الأوسط يواجه احتمال سيناريو نووي لم يعد مستحيلاً كما كان يُعتقد في السابق، وهو احتمال يثير قلقاً واسعاً بشأن تداعياته على المنطقة والعالم.
خلال أول 72 ساعة بعد ضربة نووية على إيران، ما سيحدث للشرق الأوسط لن يكون مجرد “انفجار كبير”، بل سلسلة صدمات متزامنة: عسكرية، إشعاعية، اقتصادية، وسياسية. وأهم نقطة: درجة الكارثة ستعتمد على مكان الضربة بالضبط. فإذا كانت الضربة على مدينة أو قاعدة عسكرية فسيكون الدمار البشري فورياً مع خطر إشعاعي متفاوت بحسب نوع الانفجار. أما إذا أصابت منشأة نووية عاملة مثل بوشهر، فالوكالة الدولية للطاقة الذرية نفسها كانت قد حذّرت من أن عواقب الهجوم على هذا الموقع قد تكون “الأكثر خطورة” لأنه مفاعل تشغيلي ويحتوي على كميات كبيرة من المواد النووية.
في الساعات الأولى جداً، ستكون الصورة داخل إيران كارثية: موجة حرارية هائلة، ضغط انفجاري، حرائق، انهيار بنية تحتية، وانقطاع واسع في الاتصالات والكهرباء والخدمات الطبية. ثم يبدأ الخطر الثاني: السقوط الإشعاعي. هذا لا يتحرك بشكل سحري أو ثابت؛ انتشاره يعتمد على اتجاه الرياح، سرعة الرياح، ووجود أمطار، لأن المواد المشعة قد تُحمل في الهواء ثم تترسب على الأرض والمياه والغذاء. لهذا السبب لا توجد وسيلة مضمونة تجعل الإشعاع “لا يصل” إلى دول المنطقة إذا وقع انفجار نووي أو تضررت منشأة نووية.
خلال اليوم الأول، ستكون دول الجوار أول من يدخل دائرة القلق الفوري، لا لأن الجميع سيتعرض لنفس الجرعة، بل لأن أي دولة قريبة ستضطر فوراً إلى تشغيل أنظمة الرصد الإشعاعي، مراقبة الهواء والمياه، والاستعداد لاحتمال انتقال التلوث عبر الكتل الهوائية أو عبر البحر إذا كان الموقع قريباً من الساحل. والوكالة الدولية للطاقة الذرية أوضحت في مناسبات حديثة أن شبكات المراقبة الإقليمية تُستخدم بالفعل لمتابعة أي ارتفاع غير طبيعي في مستويات الإشعاع حول إيران.
أما الخليج فسيواجه في أول يومين خطراً مزدوجاً: خطر أمني وخطر اقتصادي. أمنياً، أي رد إيراني أو رد من حلفائها قد يطال قواعد أمريكية أو منشآت نفطية أو ممرات ملاحة. واقتصادياً، مجرد اهتزاز الملاحة في مضيق هرمز يكفي لإحداث صدمة عالمية، لأن هذا المضيق يمر عبره نحو 20% من استهلاك العالم من السوائل النفطية، كما يمر عبره نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، ومعظم هذا الغاز يأتي من قطر. لذلك، حتى من دون وصول إشعاع كثيف إلى كل الدول، قد ترتفع أسعار الطاقة والتأمين والشحن فوراً، وتبدأ الأسواق في التوتر خلال ساعات لا أيام.
في اليومين الثاني والثالث تبدأ الآثار غير المرئية بالظهور أكثر من الانفجار نفسه: الذعر العام، موجات نزوح داخل إيران، ضغط على الحدود، قفزات في أسعار النفط والسلع، تعطّل الرحلات الجوية، وإجراءات طوارئ في عدة عواصم. إذا كان هناك إطلاق لمواد مشعة، فالخطر الصحي لن يظهر فقط على شكل مرض فوري، بل أيضاً على شكل زيادة لاحقة في مخاطر بعض السرطانات، خصوصاً إذا تم استنشاق أو ابتلاع اليود المشع، إذ توضّح منظمة الصحة العالمية أن هذا النوع من التعرض قد يرفع خطر سرطان الغدة الدرقية، خاصة لدى الأصغر سناً.
في أول 72 ساعة، المنطقة ستدخل مرحلة فوضى استراتيجية شاملة. الدول الأقرب لإيران ستخشى من التلوث والرد العسكري معاً، الخليج سيواجه خطر الطاقة والملاحة فوراً، ومصر ستشعر بالصدمة الاقتصادية والسياسية أكثر من الإشعاع المباشر على الأرجح. والأخطر من كل ذلك أن استخدام سلاح نووي لن يبقى “حدثاً محلياً” داخل إيران، بل سيحوّل الشرق الأوسط كله إلى ساحة أزمة مفتوحة.
الانتشار الإشعاعي
بخصوص الانتشار الإشعاعي، لا أحد يستطيع أن يعطي خط سير الإشعاع بدقة دون معرفة 4 أشياء لحظية: مكان الضربة بالضبط، هل هي انفجار جوي أم أرضي، هل أصابت مفاعلاً عاملاً أو مجرد منشأة تخصيب، واتجاهات الرياح والأمطار في تلك الساعات. لكن يمكن رسم ما الذي سيحدث فعلاً للدول المجاورة لإيران: الخليج العربي والعراق وتركيا وجورجيا، وكذلك مصر، في أكثر السيناريوهات منطقية.
في تصريحات سابقة، حذر مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسي صراحة من أن أي هجوم على منشآت نووية قد يسبب “إطلاقات إشعاعية ذات عواقب كبيرة داخل حدود الدولة وخارجها”، وقال إن مُفاعل بوشهر هو الأخطر لأنّه مفاعل عامل ويحتوي على كميات كبيرة من المواد النووية.
السيناريو الأخطر خليجياً ليس إلقاء قنبلة نووية في صحراء، بل إصابة مُفعال بوشهر أو تعطل تبريده. لو أصابت الضربة المفاعل نفسه أو عطّلت خطوط الكهرباء التي تغذيه، فالخطر ليس فقط لحظة الانفجار، بل إطلاق مواد مشعة إلى البيئة أو حتى انصهار القلب إذا فُقد التبريد، وهذا بالضبط ما حذّر منه رافائيل غروسي. في هذا السيناريو تبدأ المشكلة من الساحل الإيراني المقابل للخليج، أي في نقطة حساسة جداً لأنك لا تتحدث عن أرض مقفرة، بل عن بحر شبه مغلق ومدن ساحلية ومحطات تحلية وممرات ملاحة.
ماذا سيحدث للهواء؟
في الساعات الأولى سيتكوّن عمود تلوث إشعاعي يحمل جسيمات ومواد مثل اليود المشع والسيزيوم مع الرياح. اليود المشع أخطر ما يكون في الأيام الأولى لأنه يدخل عبر التنفس أو الطعام والشراب ويتركز في الغدة الدرقية، خاصة عند الأطفال، بينما السيزيوم قد يبقى في البيئة سنوات طويلة لأن نصف عمره يقارب 30 سنة. كما أن مسار السحابة لا يكون خطاً ثابتاً؛ يتحرك بحسب الرياح، وتزيد الأمطار من ترسيب التلوث على الأرض والأسطح والمياه.
ماذا سيحدث للبحر ومياه الخليج؟
الخليج جسم مائي ضحل نسبياً وبطيء التجدد مقارنة ببحار مفتوحة، وقدّرت دراسات علمية زمن مكوث مياهه في حدود تقارب 14 شهراً في متوسطات حديثة، فيما قد يكون أطول في بعض الأجزاء وعلى السواحل العربية أكثر من غيرها. هذا يعني أن أي تلوث ساحلي كبير قرب بوشهر لن “يختفي” بسرعة، بل قد يدور داخل الخليج ويؤثر على السواحل، ومحطات السحب، والتحلية، والصيد. ومنظمة الصحة العالمية توضح أن المواد المشعة قد تنتقل من الهواء إلى البحر، ثم إلى الأسماك والمأكولات البحرية، كما يمكن أن تصل من التربة إلى الأعلاف والحليب والمحاصيل.
ماذا سيحدث لمياه الشرب في الخليج؟
هذه من أخطر النقاط. دول الخليج تعتمد بدرجات كبيرة على التحلية، ومنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة FAO، والبنك الدولي يصفان التحلية بأنها مصدر رئيسي لمياه الشرب في دول الخليج، مع تمركز ضخم للقدرة التحلية على سواحل الخليج نفسه. لذلك لو كان هناك تلوث بحري قرب مآخذ السحب، فالأزمة لا تكون فقط “هل الإشعاع عبر الغشاء أم لا”، بل هل ستُوقف المحطات السحب أصلاً، وهل تستطيع السلطات الوثوق بجودة المياه الخام، وهل يمكن استمرار التشغيل من دون ذعر جماهيري أو قيود صحية. وحديثاً حذرت تقارير ميدانية من أن مئات محطات التحلية على سواحل الخليج تشكّل نقطة ضعف مركزية في أي حرب واسعة.
ماذا يحصل في الكويت والبحرين، وقطر، والسعودية، والإمارات؟
في البداية، ستبدأ إجراءات حكومية صامتة وسريعة: إغلاق أو تقييد مآخذ مياه معينة، تشغيل مراقبة إشعاعية للماء والهواء، وقف مؤقت لبعض المنتجات المحلية الحساسة، ومنع الصيد أو تسويق بعض الأسماك إن ظهرت قراءات غير طبيعية. في الدول الأصغر مثل البحرين والكويت وقطر، حساسية المياه أعلى لأن المساحة أصغر والاعتماد على السواحل ومحطات التحلية مركّز. الخطر هنا ليس أن كل مدينة ستصبح “هيروشيما”، بل أن ماء الشرب والغذاء البحري والثقة العامة قد تتأثر بسرعة، حتى لو كانت الجرعات خارجياً ليست كارثية للجميع.
ماذا سيحدث للعراق؟
العراق سيتضرر بطريقتين مختلفتين. إذا اتجهت الرياح غرباً أو جنوب غرب ثم شرقاً، فالعراق قد يتلقى تلوثاً هوائياً أسرع من بعض الدول الأبعد، خاصة الجنوب والوسط، ثم تأتي مشكلة السلسلة الغذائية: خضار مكشوفة، أعلاف، ماشية، ومياه سطحية محلية تتلقى ترسيباً من الغبار أو المطر. العراق أيضاً أكثر هشاشة مؤسسياً من بعض دول الخليج في نظم الرصد والاحتياطيات المائية وشبكات الصحة، لذلك حتى تلوث متوسط قد يتحول إلى أزمة إدارة لا مجرد أزمة بيئية. وما يرفع الخطر أن الإشعاع لا يضر فقط عبر جرعة خارجية؛ منظمة الصحة العالمية تؤكد أن الخطر يزيد أيضاً عبر الابتلاع والاستنشاق ثم تراكم المواد داخل الجسم.
دول الجوار الأخرى
تركيا ليست في الصف الأول إشعاعياً مثل العراق والخليج، لكن هذا لا يعني أنها خارج الصورة. إذا كان الإطلاق كبيراً جداً ودفعت أنظمة الرياح السحابة شمالاً أو شمال غرب، فشرق وجنوب شرق تركيا قد يواجهان موجات قياس ومراقبة وقيوداً على بعض المنتجات الزراعية أو الرعي في المناطق المتأثرة. عملياً، تركيا ستكون غالباً أمام خطر مراقبة واحترازات غذائية وتجارية أكثر من كونها أمام تعرض جماعي حاد، إلا إذا كان الحدث هائلاً أو استمر الإطلاق من منشأة متضررة مدة طويلة. كما أن تركيا ستتأذى فوراً اقتصادياً من تعطل طرق التجارة والطاقة والمرور الإقليمي، حتى لو ظل الأثر الإشعاعي المباشر محدوداً.
جورجيا أبعد من تركيا عن مركز الحدث المفترض، ولذلك الخطر الإشعاعي المباشر عليها عادة سيكون أضعف وأبطأ، لكنه ليس صفراً في سيناريو إطلاق ضخم وطويل مع مسارات هوائية مناسبة فوق الأناضول والبحر الأسود. ما قد تراه جورجيا واقعياً هو تشديد رقابة على الأغذية المستوردة، بعض القياسات الجوية والبحرية، وارتباك لوجستي وتجاري إقليمي أكثر من أزمة صحية إشعاعية كبيرة داخل البلد نفسه. بعبارة أوضح: جورجيا تتأثر غالباً كساحة استقبال لتداعيات إقليمية أكثر من كونها ساحة إصابة أولى.
بالنسبة لمصر، ففي أول 72 ساعة لن تكون غالباً في مقدمة الخطر الإشعاعي المباشر مقارنة بالعراق أو دول الخليج، لأن المسافة أبعد بكثير. لكن مصر ستتأثر بسرعة عبر الاقتصاد والطاقة والتجارة والتحويلات إذا توسعت الحرب أو تعطلت الملاحة وارتفعت أسعار النفط والغاز والشحن. وإذا حدث تلوث بحري واسع في الخليج أو تعطلت شبكات التجارة الإقليمية، فالأثر الاقتصادي قد يصل إلى القاهرة أسرع من أي أثر إشعاعي مباشر. وهذا استنتاج منطقي من مركزية هرمز في تجارة الطاقة العالمية، لا من فرضية أن الإشعاع سيتجه تلقائياً إلى مصر.
كم سنة ستمتد آثار الضربة النووية؟
هذا يختلف بحسب النظير المشع ونوع الضرر. اليود المشع عادةً مشكلته الأشد في الأيام والأسابيع الأولى لأنه يضمحل بسرعة نسبياً، لكن أثره الصحي قد يظهر لاحقاً على هيئة سرطان درقي بعد سنوات، خاصة لدى من كانوا أطفالاً وقت التعرض. أما السيزيوم-137 فله نصف عمر يقارب 30 سنة، ولذلك قد تبقى القيود على بعض الأراضي الزراعية أو بعض المنتجات الغذائية سنوات إلى عقود في البقع الأكثر تلوثاً. بالنسبة للبحر، فالتلوث لا يبقى ثابتاً بنفس الشدة كل هذه المدة، لكن الخليج ليس نظاماً سريع الغسل، ولذلك قد ترى آثاراً تشغيلية وغذائية وتجارية تمتد من أشهر إلى سنوات بحسب حجم الإطلاق ومكانه.
الهواء والماء والغذاء: أيهم أخطر؟
في أول 24 إلى 72 ساعة يكون الهواء والغبار والترسيب المباشر أخطر من ناحية التعرض العاجل قرب المسار. بعد ذلك يبدأ الغذاء والماء بأخذ دور أكبر: حليب، خضار ورقية، أعلاف، أسماك، ومياه سحب أو ريّ. هذه ليست مبالغة؛ منظمة الصحة العالمية تقول بوضوح إن المواد المشعة قد تترسب على الطعام مباشرة أو تدخل التربة ثم تنتقل إلى المحاصيل والحيوانات، أو تُغسل إلى الأنهار والبحر فتدخل الأسماك والمأكولات البحرية.
هل توجد طريقة تمنع وصول الإشعاع إلى دول المنطقة؟
الإجابة الواقعة المنطقية المختصرة: لا. لكن توجد فقط طرق لتقليل التعرض بعد وقوع الحدث: البقاء داخل المباني في الساعات الأولى، إيقاف استهلاك منتجات معينة، تقييد المياه أو الغذاء الملوث، كما قد توصي السلطات الصحية باستخدام يوديد البوتاسيوم (KI) في بعض الحالات. هذا الدواء لا يحمي الجسم من كل أنواع الإشعاع، بل يعمل فقط على حماية الغدة الدرقية من مادة محددة تسمى اليود المشع. إذ يقوم بإشباع الغدة باليود العادي، مما يمنعها من امتصاص اليود المشع الذي قد يدخل الجسم عبر الهواء أو الطعام. لكنه لا يوفر حماية من مواد مشعة أخرى مثل السيزيوم أو السترونتيوم، ولا يمنع تأثير الإشعاع الخارجي. كما أن أخطر فترة عندما يبدأ ما يُسمى السقوط الإشعاعي (Fallout) عادة هي الساعات الأولى وحتى أول 24 ساعة، ثم تنخفض المستويات بشكل معتبر مع الزمن، لكن هذا لا يلغي مشكلة التلوث البيئي والغذائي طويل الأمد.
اقتصادياً، الخليج والعراق وتركيا سيتضررون حتى قبل أن تتضح خرائط الإشعاع. السبب بسيط: مضيق هرمز ينقل نحو 20% من استهلاك العالم من السوائل النفطية، ونحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال تمر منه أيضاً، ولا سيما من قطر. أي ضربة نووية أو حادث إشعاعي كبير قرب الخليج سيعني قفزة في أسعار الطاقة والتأمين والشحن، وتعطيل بعض الرحلات والموانئ، وضغطاً على سلاسل الغذاء والمبردات والأدوية. العراق والخليج يتأثران من الداخل والخارج معاً، وتركيا تتأثر بشدة عبر التجارة والنقل والطاقة وتكاليف الاستيراد.
هل يُمكن ضرب أمريكا بالنووي؟
الآن إلى السيناريو الآخر في حال تم الرد على أمريكا وضُربت نووياً، من المرشح أن يضربها؟ في الواقع، لا توجد أي جماعة مسلحة من حلفاء إيران أو تنظيم مرتبط بإيران يمتلك سلاحاً نووياً. السلاح النووي موجود فقط لدى دول وليس لدى جماعات أو ميليشيات. الجهات المرتبطة بإيران مثل حزب الله في لبنان أو الحوثيين في اليمن أو بعض الفصائل المسلحة في العراق لا تمتلك قنابل نووية، لأن إنتاج هذا السلاح يحتاج إلى برنامج علمي وصناعي ضخم لا تستطيع القيام به إلا الحكومات التي تملك دولة كاملة ومؤسسات علمية وصناعية كبيرة.
أما الدول التي تملك أسلحة نووية حالياً فهي تسع دول معروفة: الولايات المتحدة، روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا، الهند، باكستان، كوريا الشمالية، وإسرائيل. هذه المعلومة تعتمد على تقارير دولية متخصصة في مراقبة الأسلحة النووية، مثل تقارير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (Stockholm International Peace Research Institute)، وهو مركز أبحاث عالمي مقره السويد ينشر كل عام بيانات عن الترسانات النووية في العالم. كما تعتمد عليها تقارير الحملة الدولية للقضاء على الأسلحة النووية (International Campaign to Abolish Nuclear Weapons)، وهي شبكة منظمات دولية حصلت على جائزة نوبل للسلام عام 2017 بسبب جهودها في الدعوة لإلغاء الأسلحة النووية.
لهذا السبب، إذا وقع هجوم نووي على الولايات المتحدة أو أي دولة أخرى، فلن يكون ذلك من جماعة مسلحة أو تنظيم غير حكومي، بل من دولة تمتلك سلاحاً نووياً، لأن القنبلة النووية لا يمكن تصنيعها أو تشغيلها إلا ضمن برنامج نووي تديره دولة كاملة.
من هو المرشح واقعياً؟ منطقياً، وليس على أساس إعلان رسمي، لا يوجد مرشح “منطقي” يضرب الولايات المتحدة نيابة عن إيران. روسيا تملك قدرة نووية مقابلة لأمريكا، لكنها ليست في موقع يُعطي أساساً علنياً للقول إنها ستخاطر بتبادل نووي شامل من أجل إيران. كوريا الشمالية تملك سلاحاً نووياً وتشكل تهديداً منفصلاً لأمريكا، لكنها ليست ذراعاً نووية لطهران. الصين، بريطانيا، فرنسا، الهند، باكستان، وإسرائيل لا يوجد أساس علني يجعلها “مرشحة” لهذا السيناريو على خلفية إيران. إذن الواقعي هنا هو: هذا الرد غير مرجح جداً سياسياً، لكنه إذا حدث يصبح العالم في مستوى آخر تماماً من الكارثة. هذا استنتاج تحليلي مبني على قائمة الدول النووية المعروفة، لا على معلومات سرية.
إذن التوقعات المنطقية: ضرب أمريكا بالنووي غير مرجح سياسياً، لكنه إذا حدث يصبح العالم في مستوى آخر تماماً من الكارثة. هذا استنتاج تحليلي مبني على قائمة الدول النووية المعروفة، لا على معلومات سرية.
ماذا سيحدث لو ضُربت أمريكا نووياً فعلاً؟
داخل الولايات المتحدة نفسها، الخسائر الأولى ستكون انفجاراً وحرارةً وحرائق وسقوط إشعاعي. الإرشادات الأمريكية الرسمية تذكر أن أخطر سقوط إشعاعي يكون في الساعات الأولى وأن البقاء داخل مبنى محكم خلال أول 24 ساعة مهم جداً لتقليل التعرض للإشعاعات. محلياً ستنهار الخدمات في منطقة الضربة: كهرباء، اتصالات، مستشفيات، نقل، وربما موانئ أو مطارات بحسب الهدف. سياسياً، أي ضربة نووية على الأراضي الأمريكية ستفتح فوراً احتمال رد نووي أمريكي وربما تفعيل التزامات تحالفية واسعة، ما يجعل الأمر أقرب إلى حرب نووية كبرى لا حادثاً منفرداً.
الآثار الاقتصادية والسياسية والغذائية لو دخلت أمريكا نفسها في تبادل نووي ستكون أوسع بكثير من الشرق الأوسط. هنا لا نتحدث فقط عن سعر النفط أو تعطل الشحن، بل عن احتمال اضطراب مالي عالمي، شلل في التجارة العابرة للمحيطات، هروب رأسمال، انهيار ثقة، وتحوّل الأمن الغذائي إلى أزمة عالمية. دراسة منشورة في Nature Food وموثقة أيضاً عبر ناسا خلصت إلى أن حقن كميات كبيرة من السخام في الغلاف الجوي من حرب نووية يمكن أن يخفض إنتاج المحاصيل والمصايد والثروة الحيوانية على نطاق عالمي، وأن السيناريوهات الأكبر تقود إلى نقص غذائي جماعي وربما مجاعات واسعة.
صحياً على مستوى العالم، الخطر لا يكون فقط في البلدان المضروبة. الحرب النووية الكبيرة قد تعني أيضاً تراجع ضوء الشمس، انخفاض الحرارة، ضغطاً على الزراعة، ثم سوء تغذية، وانقطاع أدوية وسلاسل تبريد ولقاحات، إضافة إلى آثار نفسية وسكانية هائلة. أي أن السؤال لن يعود: “هل وصل الإشعاع إلى هذه الدولة؟” بل: “هل بقي هناك غذاء كافٍ؟ وهل بقيت التجارة والتمويل والدولة نفسها تعمل؟” وهذا هو الفارق بين كارثة نووية إقليمية وكارثة نووية عالمية.
ختامًا، الخليج والعراق هما الأكثر عرضة للضرر الإشعاعي المباشر وغير المباشر إذا أصيبت منشأة عاملة مثل بوشهر، بسبب القرب الجغرافي، والبحر شبه المغلق، والاعتماد الكبير على التحلية والغذاء البحري. تركيا تدخل غالباً في نطاق المراقبة والاحترازات الغذائية والتجارية والاقتصادية، مع خطر إشعاعي مباشر أقل لكنه غير مستبعد في سيناريو إطلاق كبير. جورجيا أبعد، فتأثيرها المرجح اقتصادي وتجاري ورقابي أكثر من كونه تعرضاً إشعاعياً حاداً، ومصر ستتأثر اقتصاديًا بصورة كبيرة، بشكل لا يقل عن خسائر الدول التي تأثرت مباشرة بالضربات النووية. أما ضرب أمريكا نووياً رداً على ذلك فهو ليس سيناريو “وكلاء”، بل لا يمكن أن يحدث إلا عبر دولة نووية، وهو أقل احتمالاً سياسياً لكنه لو وقع فسينقل العالم من أزمة إقليمية إلى كارثة كوكبية.