دخل اليمن جولة جديدة من الحرب بعدما امتد الهجوم الحوثي إلى باب المندب، وانتقلت المواجهة إلى المنشآت النفطية والمدن السعودية، فيما بدأت الحكومة اليمنية المدعومة من الرياض هجوماً مضاداً لاستعادة الأراضي التي خسرتها. وخلف التحركات العسكرية تظهر نتائج سنوات من تفكيك السلطة وتعدد التشكيلات المسلحة والولاءات، وهي بيئة أسهمت الإمارات في ترسيخها بدعم قوى انفصالية تتعارض أهدافها مع الحكومة التي دخلت الحرب معلنة مساندتها.

في تحليل نشرته «الغارديان» في ٧ أكتوبر ٢٠٢٦، عرضت الصحيفة أسباب التصعيد وأدوار الأطراف المتورطة فيه. وتكشف الوقائع التي يعرضها التقرير المسؤولية السياسية لأبوظبي عن تعميق انقسام المعسكر المناهض للحوثيين؛ فقد دعمت تشكيلات عسكرية بمشروعات متنافسة، ثم انسحبت من المواجهة المباشرة، بينما بقي اليمن أمام قوى تختلف على شكل الدولة ومستقبلها، وبقيت السعودية تواجه نتائج حرب لم تنجح في حسمها أو الخروج منها.

بدأت شرارة الجولة الحالية خلال الصيف، عندما قصفت السعودية مدرج مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية تقل يمنيين عائدين من جنازة المرشد الإيراني من الهبوط. قالت الرياض إنها تقبل وصول الركاب على طائرة مستأجرة وترفض هبوط طائرة مملوكة لإيران، وانتهت الرحلة بالتوجه إلى الحديدة. استخدم الحوثيون القصف لتبرير توسيع المواجهة، ورفعوا شعار «حصار مقابل حصار»، ثم أعلنوا حصاراً بحرياً على السعودية وأطلقوا صواريخ باتجاه منشآتها النفطية.

بهذا التصعيد، انتهت التهدئة السعودية الحوثية التي استمرت منذ عام ٢٠٢٢، وتحول الخلاف حول رحلة جوية إلى مواجهة تطاول الطاقة والملاحة. وتتحمل السعودية مسؤولية قرار القصف الذي أشعل هذه الجولة، كما يتحمل الحوثيون مسؤولية اختيار توسيعها وتحويل الممرات البحرية والمنشآت الاقتصادية إلى أدوات ضغط، بما يعرّض المدنيين ومصادر رزقهم ومصالح دول المنطقة للخطر.

وفي منتصف سبتمبر، تحرك الحوثيون جنوباً على الساحل الغربي للوصول إلى أضيق أجزاء الممر البحري عند باب المندب. وبحلول ١٦ سبتمبر، كانوا قد سيطروا على المخا وجزر صغيرة في المضيق ومطار، ثم امتدت المعارك إلى مديرية الوازعية والمرتفعات المشرفة على الممر البحري، وصولاً إلى محافظة تعز ومحيط مدينتها، ثالث كبرى المدن اليمنية.

منحت هذه المكاسب الجماعة قدرة أكبر على تهديد حركة السفن وربط حربها مع السعودية بالتجارة الدولية. كما انسجم تهديدها بمنع مرور النفط السعودي القادم من ميناء ينبع مع مصالح إيران في مواجهتها مع الولايات المتحدة. ويشرح هذا التلاقي جانباً من خطورة الدعم الإيراني؛ فتعزيز القدرة العسكرية للحوثيين يتيح لهم توسيع الضغط إلى ممرات تحتاج إليها دول بعيدة عن ساحة القتال، مع احتفاظ الجماعة بأهدافها المحلية وعدائها المستقل للنفوذ السعودي.

أما سرعة سقوط المواقع، فتكشف مشكلة أعمق في المعسكر المقابل. يورد التقرير اتهامات بالخيانة طاولت طارق صالح، ابن شقيق الرئيس اليمني السابق وقائد قوات المقاومة الوطنية، إلى جانب تفسير يرتبط بانقسام القوات المناهضة للحوثيين وضعف القيادة والسيطرة ونقص المعلومات العسكرية. لم تُحسم اتهامات الخيانة، بينما يوضح تعدد الولاءات لماذا لم تكن الأسلحة والتشكيلات المنتشرة على الساحل كافية لتوفير دفاع متماسك أمام الهجوم.

ومن هنا تتحدد مسؤولية الإمارات بصورة مباشرة. فقد دخلت أبوظبي التحالف عام ٢٠١٥ تحت شعار إبعاد الحوثيين عن صنعاء وإسناد الحكومة المعترف بها دولياً، ثم وجّهت سياستها نحو مواجهة حزب الإصلاح الذي اعتبرته امتداداً للإخوان المسلمين، ودعمت الانفصاليين الجنوبيين لتعزيز نفوذها داخل اليمن. ودربت قوات تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي وقوات المقاومة الوطنية، فأصبحت صاحبة تأثير في تشكيلات رئيسية داخل الجبهة المناهضة للحوثيين.

قدّمت هذه السياسة حسابات أبوظبي على الحاجة إلى توحيد مؤسسات الدولة. فالحكومة تتحدث عن استعادة السلطة على كامل الأراضي اليمنية، بينما يطالب المجلس الانتقالي بدولة جنوبية منفصلة، وتحتفظ التشكيلات المسلحة بقياداتها ومصالحها الخاصة. ودعم هذه المشروعات المتناقضة أضعف قدرة الحكومة على إدارة الحرب، ورسّخ واقعاً تستطيع فيه كل قوة أن تعطل الأخرى أو تنازعها السلطة، حتى عندما تواجهان الخصم نفسه.

ويظهر أثر هذا التناقض في وضع عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي. فبحسب التقرير، وُجهت إليه تهمة الخيانة العظمى على خلفية محاولة إقامة كيان انفصالي في يناير، وفرّ إلى الإمارات خشية اعتقاله من السعوديين. ويخطط المجلس لحشد جماهيري في ٢٣ أكتوبر لاختبار حجم تأييده، وهو اختبار يرتبط أيضاً بإمكان عودة الزبيدي من الخارج، بينما يخشى مساعدوه انتقال حليفه العسكري السابق أبو زرعة إلى الاصطفاف مع الرياض.

تجري هذه الحسابات بالتزامن مع حرب تتطلب تنسيقاً عسكرياً وسياسياً عاجلاً. وحتى المشاركة في الهجوم المضاد أصبحت مرتبطة بالتنافس على الجهة التي ستُنسب إليها قيادة العمليات وتحقيق المكاسب. وبذلك يدفع اليمن ثمن بناء قوى مسلحة تتعامل مع المعارك باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب نفوذها، ويجد الحوثيون أمامهم خصوماً يختلفون على شكل الدولة التي يقولون إنهم يقاتلون لاستعادتها.

انسحبت الإمارات من اليمن في يناير ٢٠٢٦، وفق التقرير، وبقيت آثار خياراتها داخل التشكيلات التي دربتها ودعمتها. فالانسحاب العسكري لا يلغي المسؤولية عن تعميق الانقسام، خصوصاً مع استمرار وجود القيادة الانفصالية في أبوظبي على خلاف حاد مع الحكومة والرياض. وهذه هي النتيجة الأشد ضرراً للتدخل الإماراتي: إضعاف سلطة الدولة وتعزيز مراكز قوة متنافسة، ثم ترك اليمنيين أمام تبعاتها.

أمام التقدم الحوثي، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي عملية «فجر اليمن»، بهدف إنهاء سيطرة الجماعة واستعادة الأراضي الخاضعة لها. ويذكر تقرير «الغارديان» مشاركة مئة طائرة سعودية في إسناد القوات البرية، وامتداد القتال إلى ثلاث جبهات على الأقل، تشمل الجبال غربي تعز ومأرب وصنعاء، فيما أطلق الحوثيون صواريخ باتجاه خمس مدن سعودية على الأقل. وتحذر الصحيفة من المبالغة في تصوير حجم التراجع الحوثي، بما يجعل التمييز بين إعلانات الانتصار والنتائج الميدانية ضرورياً لفهم اتجاه المعركة.

وتكشف العودة السعودية الواسعة إلى القتال حدود السياسة التي اتبعتها الرياض طوال سنوات. فالحكومة اليمنية تعتمد عليها مالياً وسياسياً، ويورد التقرير منحاً سعودية تصل إلى ١٢٫٦ مليار دولار خلال أربعة عشر عاماً، إلى جانب نحو مليوني يمني يعملون في المملكة وتساند تحويلاتهم أسرهم في الداخل. ومع ذلك، لم تتحول هذه الموارد إلى مؤسسات قادرة على فرض قيادة موحدة، وظل ابتعاد جانب من القيادات عن اليمن وإقامتها في الرياض مادة لانتقادات تصف السلطة بأنها «شرعية الفنادق».

تتحمل السعودية مسؤوليتها عن هذا الاعتماد وعن إدارة الحرب، وتتحمل الإمارات مسؤوليتها عن دعم مشروع موازٍ عمّق الانقسام. وقد تضافرت السياستان في إبقاء القرار اليمني موزعاً بين العواصم والتشكيلات المسلحة، بينما استثمر الحوثيون ضعف خصومهم لتوسيع سلطتهم بالقوة وربط بقاء الجماعة باستمرار التعبئة والحرب.

وفي لحظة التصعيد، لم تحصل الرياض على التدخل الأمريكي الذي طلبته. يذكر التقرير أن دونالد ترامب رفض مرتين المطالب السعودية بالتدخل، في ظل انشغال واشنطن بحرب إيران والضغط على مخزون الذخائر وحسابات انتخابات التجديد النصفي. وكان ترامب قد أنهى حملة قصف استمرت خمسين يوماً ضد الحوثيين في ربيع ٢٠٢٥ باتفاق ثنائي لوقف إطلاق النار لم يشمل إسرائيل.

يعكس هذا الموقف حدود الرهان السعودي على الحماية الأمريكية؛ فواشنطن تدير التزاماتها وفق حساباتها العسكرية والسياسية، ولا تتعامل مع كل تهديد للسعودية باعتباره سبباً كافياً لخوض حرب جديدة. وتجد الرياض نفسها مطالبة باستعادة المواقع المفقودة وحماية منشآتها النفطية، في وقت تعاني فيه القوات اليمنية التي تعتمد عليها من خلافات أسهم التدخل الإماراتي في ترسيخها.

أما الدعم الخارجي المتاح للسعودية، فيشمل مساهمة دول أوروبية، بينها بريطانيا، في التزود الجوي بالوقود. ويثير اتفاق الدفاع المشترك الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في مكة في ٧ أغسطس ٢٠٢٦ تساؤلات حول نطاق تطبيقه، إذ لم تتضح من التقرير آلية تفعيله في حرب اليمن، كما أن الأنباء عن إرسال أسلحة باكستانية إلى عدن لا تثبت مشاركة قتالية مباشرة.

وتزداد كلفة التصعيد لأن السعودية تواجه تهديداً يتجاوز الحدود اليمنية؛ فالهجوم على خط الأنابيب الممتد من شرق المملكة إلى غربها في ١١ سبتمبر، والمنطلق من الأراضي العراقية بحسب التقرير، أظهر إمكان فتح جبهات متزامنة ضد منشآتها. وهكذا أصبحت الحرب اليمنية متصلة بمواجهة إقليمية أوسع، يستخدم فيها الحوثيون موقع البلاد والدعم الإيراني لزيادة الضغط على الرياض والملاحة الدولية.

ولذلك لا يكفي التفوق الجوي السعودي وحده لضمان الوصول إلى صنعاء أو تثبيت السيطرة على الأراضي المستعادة. فالهجوم المضاد يواجه جماعة راكمت خبرة قتالية طويلة، ويعتمد في الوقت نفسه على قوات لم تتجاوز خلافاتها السياسية. وكل تقدم عسكري يبقى معرضاً للتآكل إذا عادت التشكيلات المنتصرة إلى الصراع على السلطة، أو احتفظ كل طرف بمرجعيته الخارجية ومشروعه المنفصل.

يكشف التصعيد الراهن حصيلة خيارات متراكمة: حوثيون يوسّعون الحرب إلى الملاحة والطاقة، ودعم إيراني يعزز قدرتهم العسكرية، وسياسة سعودية لم تنجح في بناء سلطة يمنية مستقرة، وتدخل إماراتي قدّم النفوذ والانفصال على وحدة المؤسسات. ومسؤولية أبوظبي تتجسد في هذا المسار؛ فقد ساعدت على تعزيز قوى متنافسة وأضعفت الحكومة التي أعلنت مساندتها، ثم انسحبت من المواجهة المباشرة بينما بقي اليمن والسعودية أمام نتائج تلك السياسة.

وفي كل مرحلة من هذا الصراع، يُطلب من اليمنيين تحمل ثمن قرارات لم يشاركوا في صنعها، ومن دولة ممزقة أن تستعيد وحدتها بقوات تتنازع على مستقبلها. وهذا هو المأزق الذي عمّقته الإمارات واستغله الحوثيون: مؤسسات ضعيفة، وسلاح موزع بين ولاءات متعارضة، وحرب يجد المتدخلون فيها سبيلاً لتغيير مواقعهم، بينما يبقى السكان محاصرين بعواقبها.