محامٍ إيطالي رتّب محاولة سعودية لاقتناص مونديال 2030، وأسهم في بناء تحالف الرياض مع «فيفا»، وأشرف على منظومة خذلت ضحايا الاعتداءات الجنسية، ثم سرّب خطة إنفانتينو السرية لبيع أجزاء من كأس العالم للمستثمرين
لم يكن ماريو غالافوتي اسماً معروفاً لدى جماهير كرة القدم عندما شرع جياني إنفانتينو في إعداد خطة سرية تسمح ببيع أجزاء من الحقوق التجارية المرتبطة بكأس العالم إلى مستثمرين من القطاع الخاص، كما لم يكن عضواً منتخباً في قيادة الاتحاد الدولي لكرة القدم أو مسؤولاً يظهر في المؤتمرات الصحفية لشرح قراراته، ومع ذلك كان المحامي الإيطالي واحداً من الأشخاص القلائل الذين عرفوا تفاصيل المشروع الذي أخفاه رئيس «فيفا» عن كبار قيادات المؤسسة، ثم كان الشخص الذي كشف ملامح الخطة خلال حديث خاص مع خبير يعمل في قطاع الرياضة بمدينة نيويورك، فتحولت الصفقة التي أعدها إنفانتينو بعيداً عن مؤسسات الاتحاد إلى أزمة دولية تهدد مستقبله في رئاسة المنظمة.
يكشف حضور غالافوتي في هذه الأزمة جانباً من شبكة السلطة التي بناها إنفانتينو طوال عشرة أعوام، فقد عرف الرجلان أحدهما الآخر قبل أكثر من عقدين، وتقدم كل منهما داخل مؤسسات كرة القدم حتى أصبح الأول مستشاراً يتمتع بنفوذ لا يتناسب مع منصبه المعلن، بينما راكم الثاني سلطة واسعة وربط رئاسته بعلاقات وثيقة مع قادة من أمثال دونالد ترامب ومحمد بن سلمان وفلاديمير بوتين، واستخدم هذه العلاقات لزيادة النفوذ السياسي والإيرادات التجارية للاتحاد الذي يتخذ من زيورخ مقراً له ويُسجل نفسه منظمة غير ربحية.
تولى غالافوتي خلال رئاسة إنفانتينو ملفات سياسية وتجارية وأخلاقية شديدة الحساسية، فظهر في قضية إخفاق «فيفا» في حماية لاعبات اتهمن رئيس الاتحاد الهايتي بالاعتداء عليهن جنسياً، ورتب اجتماعات بين مسؤولين سعوديين وإيطاليين ضمن محاولة الرياض الفوز بتنظيم كأس العالم 2030، وأسهم في بناء العلاقة التجارية التي انتهت برعاية «أرامكو» للاتحاد ومنح السعودية مونديال 2034، وتدخل في ملفات مرتبطة بحصار قطر وحقوق بث شبكة «بي إن سبورتس»، ثم وصل نفوذه إلى اللجان التي يقدمها «فيفا» بوصفها هيئات مستقلة مسؤولة عن الأخلاق والانضباط والتدقيق.
وصف توماج فيسيل، الذي ترأس لجنة التدقيق المستقلة في «فيفا» لمدة خمس سنوات خلال رئاسة إنفانتينو، حجم نفوذ غالافوتي بقوله إن المتابع لا يستطيع أحياناً معرفة أي الرجلين أكثر أهمية داخل المنظمة، وأضاف أن المحامي الإيطالي يؤدي وظيفة سياسية تتجاوز دور أي شخص آخر في الاتحاد، بينما قال مسؤول أوروبي كبير يعرف غالافوتي وإنفانتينو منذ سنوات إن الرجل لم يعمل يوماً كمحامٍ تقليدي، وإنما أدى دور حلقة الوصل بين أصحاب النفوذ في عالم كرة القدم وتولى تنفيذ تحركات إنفانتينو في مختلف أنحاء العالم.
نفى «فيفا» هذا الوصف في بيان واحد أصدره نيابة عن المؤسسة وغالافوتي، واعتبر الحديث عن ممارسة المستشار الإيطالي سلطة سياسية واسعة داخل الاتحاد ادعاءً غير صحيح، فيما ترسم شهادات مسؤولين حاليين وسابقين ومسيرة الملفات التي أدارها صورة مختلفة لرجل يعمل بعيداً عن الأضواء ويظهر اسمه كلما انكشفت واحدة من أخطر أزمات كرة القدم العالمية.
صداقة بدأت في أوروبا وصعدت فوق أنقاض فضيحة الفساد
بدأت علاقة غالافوتي بإنفانتينو قبل نحو خمسة عشر عاماً من وصول الأخير إلى رئاسة «فيفا»، وفق روايات ثلاثة مسؤولين حاليين وسابقين في كرة القدم الأوروبية لديهم معرفة مباشرة بالعلاقة، وكان إنفانتينو في تلك المرحلة موظفاً مبتدئاً يعمل وسيطاً بين الاتحاد الأوروبي لكرة القدم والروابط الوطنية في القارة، بينما عمل غالافوتي مستشاراً قانونياً لرابطة الدوري الإيطالي التي كانت تحاول استيعاب النتائج التي أحدثها حكم محكمة العدل الأوروبية الصادر عام 1995 بشأن حرية انتقال لاعبي كرة القدم المحترفين.
أتاحت تلك المرحلة للرجلين بناء علاقة استمرت حتى انفجار فضيحة الفساد الكبرى عام 2015، عندما قادت وزارة العدل الأمريكية تحقيقاً أجبر قيادات «فيفا» على الاستقالة وأرسل عدداً من كبار مسؤولي كرة القدم إلى السجون ومهد الطريق أمام إنفانتينو للوصول إلى الرئاسة، فقدم الرئيس الجديد نفسه باعتباره رجل الإصلاح الذي سيعيد الشفافية والمساءلة إلى المؤسسة، ثم أعاد تنظيم هيكل الاتحاد ووضع عدداً كبيراً من اللجان تحت إدارة مسؤول واحد واختار صديقه القديم غالافوتي لتولي المهمة.
منح المنصب الجديد غالافوتي سلطة إدارية على اللجان المعنية بالمخالفات التأديبية والشكاوى الأخلاقية، ووضعه على مقربة من الملفات التي تستطيع تحديد مصير رؤساء الاتحادات الوطنية ومعاقبة المسؤولين أو حمايتهم، كما أتاح له العمل داخل مساحة تجمع بين الإدارة القانونية والقرار السياسي من دون أن يضطر إلى تحمل مسؤولية علنية توازي مقدار النفوذ الذي أصبح يمارسه.
كان هذا الهيكل واحداً من أبرز التغييرات التي قدمها إنفانتينو دليلاً على الإصلاح بعد انهيار القيادة السابقة، ثم تحول مع مرور الوقت إلى نموذج يوضح كيفية تركيز السلطة داخل دائرة الرئيس، حيث احتفظت اللجان بأسماء توحي بالاستقلال بينما أصبح الشخص الذي ينسق عملها واحداً من أقرب مساعدي إنفانتينو وأكثرهم نشاطاً في الملفات السياسية والتجارية.
لاعبات هايتي دفعن ثمن انهيار منظومة الأخلاق
ظهرت نتائج هذا النظام بوضوح في ربيع عام 2020، عندما اتهمت لاعبات في هايتي رئيس اتحاد كرة القدم إيف جان-بارت بالاعتداء عليهن جنسياً داخل مركز التدريب الوطني، وجاءت الاتهامات بعد نحو ثمانية عشر شهراً من اتهام لاعبات أفغانيات رئيس اتحاد بلادهن كرام الدين كريم بارتكاب اعتداءات جنسية، وهي القضية التي انتهت بمنعه مدى الحياة من ممارسة أي نشاط متعلق بكرة القدم.
كانت لجنة الأخلاقيات التابعة لـ«فيفا» الجهة المنوط بها التعامل مع هذه القضايا، وكانت أمانة اللجان المستقلة تعمل في ذلك الوقت تحت تنسيق غالافوتي، وقد اتهمت الناجيات والمدافعون عنهن الاتحاد الدولي بإساءة إدارة الشكاوى خلال تعامله مع سلطات كرة القدم في هايتي، حيث اضطرت شابات ومراهقات إلى تكرار رواية الاعتداءات التي تعرضن لها في ظل غياب أنظمة توفر لهن دعماً نفسياً أو تحميهن وتحمي أسرهن من تهديدات القتل.
وصفت مينكي ووردن، مديرة المبادرات العالمية في منظمة «هيومن رايتس ووتش»، المنظومة التي عملت تحت إدارة غالافوتي بأنها غير مؤهلة تماماً للتعامل مع الناجيات، وأكدت أن «فيفا» لم يوفر لهن الحماية اللازمة لإبلاغ المحققين بما تعرضن له، وهو إخفاق لا يمكن فصله عن أزمة الحوكمة داخل منظمة تتدفق منها أموال ضخمة إلى دول لا تملك ضوابط مالية فعالة.
فرض «فيفا» على جان-بارت حظراً مدى الحياة في نوفمبر 2020، وظل المسؤول الهايتي ينفي الاتهامات حتى ألغت محكمة التحكيم الرياضي العقوبة بعد عامين، وقال الاتحاد الدولي إن الغرفة المختصة بالتحقيق داخل لجنة الأخلاقيات فتحت تحقيقاً أدى إلى صدور عدة عقوبات، وإن دور غالافوتي اقتصر على تنسيق أمانة اللجان المستقلة وتقديم الدعم الإداري اللازم لعملها.
رأت ووردن في القضية دليلاً على عطب أوسع داخل «فيفا»، وأوضحت أن غياب الحوكمة والضوابط المالية في الجهات التي تتلقى أموال الاتحاد يصنع بيئة تصبح فيها أنظمة الحماية والإبلاغ واجهات شكلية، ويستطيع المعتدون داخل مؤسسات كرة القدم استغلال الفتيات والفتيان المراهقين من دون محاسبة فعالة، وهو ما يجعل الفساد المالي وسوء إدارة قضايا الاعتداءات وجهين لنظام واحد يمنح المسؤولين الأموال والسلطة من دون رقابة تتناسب معهما.
غالافوتي يقود محاولة سعودية للالتفاف على قواعد استضافة المونديال
انتقل نفوذ غالافوتي من لجان «فيفا» إلى مشاريع السعودية الكروية في أبريل 2021، عندما وصل ممثلو الاتحاد السعودي لكرة القدم إلى روما حاملين ملابس تقليدية هدية لمضيفيهم الإيطاليين، فارتدى المسؤولون الإيطاليون الأثواب والتقطوا الصور قبل بدء الاجتماعات التي خصصت لمناقشة إمكانية تقديم ملف مشترك بين السعودية وإيطاليا لاستضافة كأس العالم 2030.
رتب غالافوتي الاجتماعات داخل مقر الاتحاد الإيطالي لكرة القدم والسفارة السعودية في روما، ورأى في ضم إيطاليا إلى الملف وسيلة تمنح المشروع هوية عابرة للقارات وتساعد السعودية على تجاوز القيود التي تمنع قارة آسيا من استضافة كأس العالم مرتين خلال ثماني سنوات بعد تنظيم قطر بطولة 2022، وأكد مسؤول أوروبي مطلع على التحركات أن المحامي الإيطالي مارس ضغوطاً متواصلة لدفع الاتفاق إلى الأمام وأظهر إصراراً شديداً على إقناع الجانب الإيطالي.
حاولت الرياض في الفترة نفسها بناء ملفات مشتركة مع مصر واليونان وإيطاليا للحصول على مونديال 2030، لأن انضمام دول من اتحادات قارية أخرى كان سيمنحها مخرجاً من قواعد التناوب الجغرافي، واختارت إيطاليا الانسحاب من المشروع بسبب سجل السعودية الحقوقي والخلاف القائم مع مصر بشأن مقتل طالب الدكتوراه الإيطالي جوليو ريجيني.
أثار الرفض الإيطالي غضب دائرة إنفانتينو وأدى إلى تدهور مستمر في العلاقة بين «فيفا» والاتحاد الإيطالي، وقال المسؤول الأوروبي إن إيطاليا خرجت منذ ذلك الوقت من دائرة الدول المقربة وأصبح إنفانتينو يتعامل مع اتحادها بوصفه اتحاداً غير صديق، كما ربط فيسيل هذا الرد بطريقة غالافوتي في التعامل مع المعارضين، موضحاً أن شخصيته تتغير عندما يرفض الطرف الآخر السير في الاتجاه الذي يريده.
وصف مسؤول كبير سابق في «فيفا» غالافوتي بأنه شخص قاسٍ وذكي يقود مجموعة إيطالية تدير أجزاء كبيرة من الاتحاد في عهد إنفانتينو من خارج الأمانة العامة الرسمية، وهو وصف يوضح كيف يمكن لرفض مشروع تستفيد منه السعودية أن يتحول إلى معيار يعاد على أساسه تحديد علاقة الاتحاد الدولي بدولة مؤسسة في كرة القدم الأوروبية.
تحالف سعودي مع «فيفا» صنعه المال والنفوذ المتبادل
لم تنته علاقة غالافوتي بالسعودية بعد فشل مشروع 2030، فقد أدى دوراً رئيسياً في تطوير العلاقة التجارية التي جعلت الرياض واحدة من أهم مراكز المال والنفوذ داخل «فيفا» خلال رئاسة إنفانتينو، وفقاً لخمسة مسؤولين لديهم معرفة مباشرة بهذه العلاقة.
أثمرت هذه الجهود اتفاقاً تدفع بموجبه شركة «أرامكو» السعودية الحكومية مئات الملايين من الدولارات إلى «فيفا» مقابل رعاية عالمية تستمر حتى نهاية عام 2027، ثم حصلت السعودية على حق استضافة كأس العالم للرجال عام 2034، لتصبح العلاقة بين الطرفين نموذجاً واضحاً لتبادل المصالح بين مؤسسة رياضية تبحث عن مصادر أموال ضخمة ونظام ملكي يوظف الرياضة لتوسيع حضوره الدولي ومواجهة الانتقادات المرتبطة بسجله في حقوق الإنسان ومقتل صحفي بارز بموافقة الدولة.
أنفق محمد بن سلمان مبالغ هائلة على الغولف والملاكمة وسباقات السيارات وكرة القدم، ووفرت له رئاسة إنفانتينو مساراً نحو البطولة الرياضية الأكثر مشاهدة في العالم، بينما حصل «فيفا» على رعاية بمئات الملايين وعلى حليف قادر على استخدام ثروته ونفوذه السياسي لدعم قيادة الاتحاد عند تعرضها للأزمات.
توضح محاولة ضم إيطاليا إلى مشروع مونديال 2030 أن منح السعودية بطولة 2034 لم يكن قراراً ظهر فجأة، وإنما جاء بعد سنوات من العمل والضغط وبناء العلاقات والبحث عن طرق تتجاوز القيود التنظيمية، وكان غالافوتي أحد الأشخاص الذين تولوا إدارة هذه التحركات في مرحلة مبكرة ثم واصلوا تطوير الملف السعودي حتى أصبح ركناً من أركان سلطة إنفانتينو.
من حصار قطر إلى اتصالات الجهات المصرية
امتد عمل غالافوتي في المنطقة إلى النزاع الذي نشأ خلال حصار قطر في فترة إدارة ترامب الأولى، عندما تعاونت قوى إقليمية على عزل الدوحة سياسياً واقتصادياً واستهدفت جهات قرصنة سعودية شبكة «بي إن سبورتس» القطرية صاحبة النفوذ الواسع في سوق البث الرياضي بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
أثار مسؤولون قطريون مخاوفهم لدى «فيفا» بعد حظر الجهات التنظيمية المصرية قنوات الشبكة، وتركزت المخاوف على اتصالات غالافوتي بالمسؤولين المصريين بشأن القضية، وفق ملاحظات معاصرة للأحداث اطلعت عليها «بوليتيكو».
وقال مشارك إقليمي حضر اتصالات بين الاتحاد الأفريقي لكرة القدم وشبكة «بي إن سبورتس» إن غالافوتي ظهر خلال الفترة الممتدة من عام 2018 إلى عام 2021 باعتباره المسؤول الفعلي عن إدارة الاتحاد الأفريقي، حيث قاد النقاشات وأدار المكالمات من دون أن يشغل أي منصب رسمي داخل المؤسسة القارية.
يكشف هذا الحضور اتساع المساحة التي تحرك فيها المحامي الإيطالي، فقد بدأ مسؤولاً عن تنسيق عمل لجان مستقلة داخل «فيفا»، ثم أصبح طرفاً يدير مناقشات تخص اتحاداً قارياً لا يحمل فيه صفة رسمية ويتدخل في نزاع يجمع السعودية وقطر ومصر وشبكة إعلامية تملك حقوقاً تجارية ضخمة في المنطقة.
غادر غالافوتي منصبه المشرف على اللجان المستقلة عام 2021 وانتقل إلى مكتب إنفانتينو بصفته مستشاراً كبيراً، وجاء انتقاله في الوقت الذي بدأ فيه رئيس «فيفا» توجيه اهتمامه إلى الفرص الاقتصادية والتحديات السياسية المتعلقة بكأس العالم 2026 في أمريكا الشمالية، وقال المسؤول السابق في الاتحاد إن غالافوتي أصبح الشخص الذي يدير العمل الفعلي نتيجة سفر إنفانتينو المستمر وجولاته حول العالم.
ترامب يضغط وعضو إماراتي في لجنة الانضباط ينفذ القرار
أظهرت كأس العالم 2026 كيف يمكن استخدام هيكل اللجان الذي أشرف غالافوتي على بنائه لتحقيق أهداف سياسية، فقد ضغط دونالد ترامب على إنفانتينو لإلغاء بطاقة حمراء حصل عليها مهاجم المنتخب الأمريكي فولارين بالوغون قبل مباراة مصيرية يحتاج فيها المنتخب إلى الفوز، ثم قدم الاتحاد الأمريكي لكرة القدم استئنافاً رسمياً حظي بدعم البيت الأبيض وأُحيل إلى لجنة الانضباط التابعة لـ«فيفا».
تولى مسؤول إماراتي غير معروف على نطاق واسع التعامل مع الاستئناف داخل اللجنة، وانتهى الأمر بإلغاء إيقاف بالوغون وتنفيذ النتيجة التي ضغط الرئيس الأمريكي من أجلها، لتقدم الواقعة مثالاً على الطريقة التي يستطيع بها إنفانتينو استخدام اللجان التي تظهر أمام الجمهور بصفتها مؤسسات مهنية مستقلة من أجل تمرير قرارات تخدم علاقاته السياسية.
قال فيسيل إن غالافوتي كان يسيطر على الهيئات المستقلة ويستخدم العقوبات المالية أداة سياسية لتعزيز تأييد الاتحادات الوطنية لإنفانتينو، وأضاف أن المسؤولين تعرضوا لضغوط متواصلة تمنعهم من اتخاذ بعض الإجراءات أو تدفعهم إلى تخفيف عقوبات الإيقاف المفروضة على مؤيدي الرئيس.
رفض «فيفا» هذه الاتهامات ووصفها بأنها تفتقر إلى الأساس والأدلة، وأكد أن لجانه المستقلة وأعضاءها يؤدون أعمالهم بصورة مستقلة ووفق النظام الأساسي واللوائح، بينما أظهرت واقعة بطاقة بالوغون مساراً يبدأ بضغط مباشر من ترامب وينتهي بقرار يصدر عن لجنة يفترض أنها محصنة من التدخلات السياسية.
إنفانتينو يخفي خطة بيع كأس العالم عن قيادة «فيفا»
بعد أسبوعين من أزمة البطاقة الحمراء، بدأ أخطر فصول رئاسة إنفانتينو عندما أخبر دائرته الضيقة بخطة «FIFA Forward Enterprise» قبل أيام من نهائي كأس العالم، وهي خطة تهدف إلى استغلال الأصول التجارية لكرة القدم العالمية لجذب استثمارات خاصة وتحقيق عائدات أكبر من البطولة.
أخفى إنفانتينو المشروع عن كبار قادة الاتحاد ولم يطرحه عبر المؤسسات العليا المفترض أن تشارك في اتخاذ قرار بهذا الحجم، ثم نقل غالافوتي الخطوط الأساسية للاتفاق المقترح إلى خبير في صناعة الرياضة بمدينة نيويورك خلال محادثة خاصة، بحسب مسؤولين رفيعي المستوى أُطلعا على ما جرى.
أدى الكشف إلى انتشار العرض السري واندلاع عاصفة إعلامية وسياسية، واعتبر مسؤولون بارزون في كرة القدم أن المشروع محاولة مكشوفة للاستيلاء على أموال البطولة وتعريض أهم أصول اللعبة لمصالح المستثمرين، فمارسوا ضغوطاً على «فيفا» للتراجع عنه وبدأت الدعوات إلى إنهاء رئاسة إنفانتينو تتصاعد على مستوى الحكومات والاتحادات.
طالب رئيس الوزراء البريطاني آندي برنهام ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني بإبعاد إنفانتينو، وتحولت الخطة التي أُعدت داخل دائرة مغلقة إلى تهديد مباشر لولاية كان رئيس الاتحاد يتعامل معها قبل أسابيع قليلة باعتبارها مضمونة.
«يويفا» يلاحق شركة جوشوا كوشنر تمهيداً لقضية جنائية
تصاعدت الأزمة في الأسبوع الأخير من أغسطس 2026 عندما تقدم الاتحاد الأوروبي لكرة القدم بطلب إلى محكمة أمريكية لاستدعاء شركة رأس المال المغامر المملوكة لجوشوا كوشنر، بهدف الحصول على أدلة تدعم قضية جنائية يعتزم مسؤولون أوروبيون تحريكها في سويسرا ضد إنفانتينو بشأن دوره في مشروع «FIFA Forward Enterprise».
جاء التحرك في الوقت الذي اجتمع فيه مسؤولو كرة القدم الأوروبية في موناكو خلال الفعالية السنوية لافتتاح الموسم، وركزت المناقشات على زيادة الضغط على رئيس «فيفا» وإجباره على التنحي قبل الانتخابات المقررة في مارس 2027.
وضعت الخطوة مشروع الخصخصة أمام القضاء الأمريكي والسويسري، وربطت مصير إنفانتينو بشركة استثمارية يديرها جوشوا كوشنر، بينما بدأ خصوم الرئيس يجمعون الأدلة لإثبات أن محاولة بيع أجزاء من النشاط التجاري المرتبط بكأس العالم تجاوزت الخلاف الإداري وأصبحت أساساً محتملاً لملاحقة جنائية.
السعودية تهب لإنقاذ الرجل الذي منحها كأس العالم
رد إنفانتينو على الأزمة بتحريك شبكة النفوذ التي بناها بين اتحادات كرة القدم الوطنية، وبدأ العمل على ضمان أصوات أغلبية الأعضاء البالغ عددهم 211 اتحاداً قبل انتخابات مارس، حيث يملك كل اتحاد صوتاً واحداً مهما كان حجمه أو مكانته الكروية.
ظهر أثر العلاقة التي بناها غالافوتي بين «فيفا» والسعودية يوم 27 أغسطس 2026، عندما أعلن الاتحاد السعودي لكرة القدم وقوفه إلى جانب إنفانتينو في اللحظة التي طالبت فيها قيادات سياسية وكروية برحيله وتحرك «يويفا» لدعم ملاحقته أمام القضاء السويسري.
حصل «فيفا» خلال هذه العلاقة على مئات الملايين من أموال «أرامكو»، وحصلت السعودية على استضافة كأس العالم 2034 بعد سنوات من المحاولات التي شملت البحث عن تحالفات مع إيطاليا ومصر واليونان، ثم قدمت الرياض دعمها لإنفانتينو عندما أصبح بقاؤه في السلطة مهدداً.
تجمع هذه الوقائع بين مشروع المونديال السعودي الذي دفعه غالافوتي في روما، والصفقات التجارية التي رسخت مكانة الرياض داخل الاتحاد، والموقف السعودي المؤيد لإنفانتينو خلال أزمته، وتوضح أن العلاقة تخطت حدود الرعاية واستضافة البطولات وأصبحت تحالفاً سياسياً يحمي كل طرف من خلاله مصالح الطرف الآخر.
الرجل الذي أدخل السعودية إلى دوائر النفوذ ثم كشف صفقة رئيسه
انضم غالافوتي إلى «فيفا» تحت شعار إصلاح المؤسسة بعد فضيحة فساد 2015، ثم أشرف على اللجان المسؤولة عن الأخلاق والانضباط في الفترة التي عجزت فيها المنظمة عن حماية لاعبات هايتي من التهديدات والتعامل مع شهاداتهن وفق أنظمة فعالة، وبعد ذلك تولى ترتيب محاولة سعودية للالتفاف على القيود القارية والفوز بمونديال 2030، وأسهم في بناء العلاقة التجارية التي قادت إلى رعاية «أرامكو» ومنح الرياض كأس العالم 2034، كما ظهر في اتصالات تتعلق بحصار قطر والاتحاد الأفريقي والجهات التنظيمية المصرية.
انتقل غالافوتي بعد ذلك إلى مكتب إنفانتينو وأصبح مستشاراً يدير ملفات الرئيس بينما يتنقل الأخير بين عواصم العالم وقادته، واتهمه رئيس لجنة التدقيق السابق بالسيطرة على اللجان المستقلة وتوظيف العقوبات لخدمة شبكة التأييد السياسي داخل الاتحادات الوطنية، ثم كان اسمه حاضراً في الأزمة التي أعقبت رضوخ لجنة الانضباط لضغط ترامب وفي الفضيحة التي نشأت عن خطة بيع أجزاء من كأس العالم للمستثمرين.
تعكس مسيرة المحامي الإيطالي حقيقة النظام الذي صنعه إنفانتينو داخل «فيفا»، حيث تركزت السلطة في أيدي دائرة صغيرة، واتسعت العلاقات مع الأنظمة الثرية والقادة السياسيين، وتحولت أموال الرعاية وحقوق استضافة البطولات إلى أساس لتحالفات تمتد آثارها إلى الانتخابات واللجان والقرارات التأديبية.
كان غالافوتي أحد أهم الرجال الذين ساعدوا إنفانتينو على بناء هذه المنظومة، ففتح قنوات «فيفا» أمام المشروع السعودي، وأدار الملفات الحساسة من دون منصب معلن يعكس حجم سلطته، وأسهم في إحاطة قرارات الرئيس بمظهر مؤسسي مستقل، ثم تسبب كشفه غير المحسوب لخطة «FIFA Forward Enterprise» في إشعال الأزمة التي قد تنهي حكم الرجل الذي عمل طوال سنوات على تثبيت سلطته.