أعلنت صحيفة معاريف العبرية أن خدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية “ستارلينك”، المملوكة للملياردير الأمريكي إيلون ماسك، أصبحت متاحة رسميًا في “إسرائيل”، بعد أن منحتها وزارة الاتصالات هناك الترخيص اللازم في العام الماضي. 

وتُعَد هذه الخطوة نقلة نوعية في البنية التحتية التكنولوجية للاحتلال، إذ تمنح سكانه إمكانية الوصول إلى الإنترنت بسرعة عالية، حتى في المناطق التي تفتقر إلى الشبكات الأرضية أو قد تتعرض لانقطاع بسبب الهجمات الصاروخية أو الهجمات السيبرانية.

الخدمة تعتمد على آلاف الأقمار الصناعية التابعة لشركة “سبيس إكس”، والتي تدور في مدارات منخفضة حول الأرض، لتوفير تغطية مستقرة وسريعة. وبحسب ما نشرته الصحيفة، فإن سرعة التنزيل تتراوح بين 150 و250 ميجابت في الثانية، بينما تصل سرعة الرفع إلى 30 ميجابت، بزمن استجابة يراوح بين 20 و40 مللي ثانية، وهو رقم متقدم مقارنة بالتقنيات التقليدية.

تكلفة باهظة وامتياز احتكاري

لكن هذه الخدمة التي يروّج لها الاحتلال على أنها “قفزة رقمية”، ليست متاحة للجميع. الأسعار، كما كشفت معاريف، مرتفعة مقارنة بمستويات الدخل، حيث تصل تكلفة الجهاز الأساسي إلى نحو 1500 شيكل (405 دولارات)، فيما يبدأ الاشتراك الشهري من 230 شيكل (62 دولارًا). هذه الأرقام تعكس أن المستفيد الأول سيكون الطبقات الميسورة، إضافة إلى المؤسسات الحكومية والعسكرية التي ستستغل الخدمة لتأمين قنوات اتصال بديلة في أوقات الأزمات.

الأهم من ذلك أن “ستارلينك” استثنت بشكل صريح مناطق السلطة الفلسطينية من التغطية. بمعنى آخر، بينما يحظى الإسرائيليون باتصال آمن وسريع في حالات الطوارئ، سيبقى الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة تحت رحمة الانقطاعات المتكررة، وهو ما يكرّس فجوة رقمية خطيرة بين الطرفين.

ماسك ودعم الاحتلال

هذه ليست المرة الأولى التي يثير فيها إيلون ماسك جدلاً بسبب دعمه الضمني للاحتلال الإسرائيلي. فقد سبق أن أعلن في نوفمبر 2023 عن زيارة لـ”إسرائيل” التقى خلالها مسؤولين سياسيين وعسكريين، متعهّدًا بتوفير خدمات “ستارلينك” للمستوطنات والجيش الإسرائيلي “لدعم الاتصالات في حالات الطوارئ”. في المقابل، لم يبدِ أي اهتمام أو التزام بتقديم الخدمة نفسها للفلسطينيين الذين يعيشون في ظروف أكثر قسوة وتحت حصار متواصل.

النقاد اعتبروا أن ماسك يساهم عمليًا في تعزيز التفوق التكنولوجي الإسرائيلي، ليس فقط في المجال المدني، بل أيضًا في المجال العسكري. فشبكة اتصالات مستقلة عبر الأقمار الصناعية تمنح جيش الاحتلال قدرة أكبر على إدارة عملياته الميدانية دون خشية من تعطيل الشبكات الأرضية، وهو ما يعزز آلة الحرب الإسرائيلية في مواجهة الفلسطينيين.

تكريس التمييز الرقمي

استثناء الفلسطينيين من تغطية “ستارلينك” ليس قرارًا تقنيًا بحتًا، بل هو انعكاس للسياسات التمييزية التي يفرضها الاحتلال في كل المجالات. ففي حين يحظى الإسرائيليون بخدمات الاتصالات المتقدمة، يعاني الفلسطينيون من قيود مشددة على شبكات الهاتف المحمول والإنترنت. قطاع غزة مثلًا لم يُسمح له بالانتقال إلى شبكة الجيل الرابع إلا مؤخرًا، بينما يستخدم الإسرائيليون منذ سنوات شبكات الجيل الخامس.

هذا التمييز الرقمي لا يقل خطورة عن التمييز في الموارد الطبيعية أو حرية الحركة، لأنه يضع الفلسطينيين في موقع الضعف على صعيد التعليم، الاقتصاد الرقمي، والعمل عن بعد. ففي عالم يتجه سريعًا إلى الرقمنة، يصبح حرمان مجتمع كامل من الوصول إلى الإنترنت السريع شكلًا من أشكال العقاب الجماعي والسيطرة الاستعمارية.

البعد السياسي والاستراتيجي

إتاحة “ستارلينك” في “إسرائيل” تندرج ضمن مسعى الاحتلال لتعزيز أمنه القومي عبر التكنولوجيا. فالشبكة الفضائية توفر بديلاً محصنًا ضد أي محاولة لتعطيل الاتصالات في حال اندلاع حرب أو تنفيذ هجوم سيبراني واسع النطاق. بمعنى آخر، الخدمة الجديدة لا تُعزّز رفاهية المستهلك الإسرائيلي فحسب، بل تشكّل أيضًا ركيزة أمنية وعسكرية إضافية.

أما استبعاد الفلسطينيين، فهو ليس مجرد قرار تجاري، بل رسالة سياسية مفادها أن التكنولوجيا الحديثة ستظل أداة لتكريس الهيمنة الإسرائيلية، ما لم تتدخل المؤسسات الدولية لإلزام الشركات العملاقة باحترام مبادئ العدالة وحقوق الإنسان.

خلاصة

خطوة إيلون ماسك بتوفير خدمة “ستارلينك” للإسرائيليين، مع استثناء مناطق السلطة الفلسطينية، تكشف الوجه الحقيقي للتكنولوجيا حين توظَّف في خدمة الاحتلال. فبينما يُسوّق ماسك نفسه كـ”رائد فضاء” يحرص على ربط العالم بالإنترنت، فإنه عمليًا يساهم في تعميق الفجوة الرقمية بين المستعمِر والمستعمَر.

إن ما يحدث ليس تطورًا تكنولوجيًا محايدًا، بل فصل جديد من فصول التمييز الممنهج الذي يتعرض له الفلسطينيون. فكما حُرموا من أرضهم ومواردهم، يُحرَمون اليوم من أبسط حقوقهم الرقمية، لتبقى فلسطين “خارج التغطية” في زمن يتباهى فيه العالم بعصر الفضاء والاتصالات الفائقة السرعة.

اقرأ أيضًا : 22 وفاة بالكوليرا في أسبوع.. الإمارات تشعل الحرب وتعمّق المأساة