تخيّل أن يكون مالك ناديك المفضّل متهماً – حتى وإن نفى ذلك – بالتورّط في حرب بالوكالة، إبادة عرقية، مجاعة جماعية، ومقتل أكثر من 1,500 إنسان بين رجال ونساء وأطفال.. كيف ستشعر؟ هذا هو السؤال القاسي الذي يطرحه الواقع أمام مانشستر سيتي اليوم، وقد بدا واضحًا أن القدرة على الشعور بالغضب أو حتى الربط بين الملكية الرياضية والمسؤولية السياسية ليست متاحة بنفس القدر حين يتعلق الأمر ببعض الأطراف دون غيرها. في أيام قليلة حضرتُ مباراتين في إنجلترا؛ كلتاهما محكومتان بسياق جغرافي وسياسي دموي، لكن احتجاجات الجمهور والنقاش الإعلامي اجتاحتا إحداهما بينما غابتا عن الأخرى تمامًا. هذا التفاوت ليس صدفة؛ إنه مرآة لطرق اختيار الغضب ولآليات تبييض الصورة التي تجيدها قوى المال والنفوذ.

الوقائع التي يجب أن نتعامل معها ببساطة: مانشستر سيتي مملوك عبر مؤسسات رسمية مرتبطة بأبو ظبي، ونفي هذا الارتباط كلامٌ هزيل أمام حقيقة أن الدولة الإماراتية هي نظام مركزي لا تتقاسم فيه السلطة مع كيانات مستقلة. نائب رئيس دولة الإمارات، الشيخ منصور بن زايد، مرتبط بصورة مباشرة بملكية النادي. وفي هذا الإطار جاء خطاب النائب البريطاني جيريمي كوربن إلى الحكومة البريطانية ليعيد إلى الواجهة ما خلصت إليه تقارير دولية: اتهامات متكررة للإمارات بتقديم دعم لوجستي وعسكري لقوات متهمة بارتكاب فظائع في السودان — اتهامات لم تنفَ عنها دوائر الأمم المتحدة أو تقارير أجهزة دبلوماسية غربية. الحديث ليس عن علاقات تجارية بعيدة أو شركات وسيطة؛ الحديث عن تداخل الهوية المؤسسية بين دولة ومالك نادي جماهيري، وتلالُ من الأدلة والاشتباهات التي تستدعي مساءلةً لا يمكن إغفالها.

الإدانة ليست مجرد عبارات إعلامية مبالغ فيها، بل وصفٌ متكرر من مؤسسات دولية لما شهدته سواحل وشوارع وقرى سودانية: اغتصابات جماعية، مذابح عرقية، مقابر جماعية وبقع دم ظاهرة في صور الأقمار الصناعية، وإعدامات ميدانية طالت مئات الأشخاص في مواقع حساسة كالمستشفيات. السلطات الدولية تحدثت عن تحذيرات من مجاعة وشيكة، وعن نزوح واسع يضع السودان في قلب أكبر أزمة إنسانية عالمية اليوم. وفيما تتوالى هذه الأدلة، تزعم تقارير استخباراتية ودبلوماسية اعتراض مكالمات ووجود اتصالات بين قيادات محلية مسلحة وأطراف إماراتية، ويتكرر اسم منصور في سياقات تربطه بمن وصفوا بدور خلف الكواليس في ملف السودان. هذا الربط بين مال رياضي وسلطة سياسية متهمة يضع رسالة أخلاقية واضحة: هل ستبقى الرياضة منزوعةً عن المسؤولية الأخلاقية حين تكون جزءًا من آلة نفوذ وسياسة؟

المشهد داخل استاد الاتحاد في ليلة مباراة مانشستر سيتي ودورتموند بدا عاديًا إلى حد الصدمة: جماهير مبتسمة، ألعاب نارية، لافتات تجارية، ومجسمات تروّج لنجوم اللعبة. القليل جدًا من علامات التضامن مع ضحايا السودان ظهرت على المدرجات، بينما لا تُذكر في الكثير من وسائل الإعلام الروتينية الصلة بين ملكية النادي وتهم دعم العنف خارج الملعب. وفي المقابل، شهدنا في مباراة أخرى ذهابًا لصوت احتجاجي مكثف: مباراة أستون فيلا ضد مكابي تل أبيب التي تحولت إلى واحدة من أكثر الأحداث الرياضية اعتراضًا في التاريخ البريطاني الحديث، مع مظاهرات مكثفة وضغط شعبي واضح. لماذا يبدو المشهدان مختلفين لهذه الدرجة؟ لماذا يُثار الغضب ويتحرك الشارع في قضية ويُخمد في أخرى؟ الجواب لا يكمن في بساطة أخلاقية، بل في شبكة من العوامل: جهلٌ إخباري لدى الجمهور، انحيازات أيديولوجية مُسبقة تُوجّه الانتباه لجهة دون أخرى، وقدرة فعّالة لمنصات ونماذج تسويقية على تبييض صورة فاعلين سياسيين عبر الرياضة والثقافة.

مصطلح “غسيل رياضي” sportswashing  قد يُستخدم بكثرة، لكنه في هذه الحالة يفسر حقيقة عملية: استثمارٌ ضخم في الرياضة والثقافة وتحريك مؤثرين وإعلانات وصور براقة تُنتج سمةً اجتماعيةً مغايرة لتلك التي تحملها تقارير حقوق الإنسان. الإمارات أثبتت براعة في هذه اللعبة؛ تواجدها في الإعلام والأحداث الثقافية والرياضية خلق هالةً من الودّ والتقبل لدى قطاعات واسعة، ما يسهل تهميش الأسئلة الأخلاقية أو تحويلها إلى نقاشات ثانوية عن “ما إذا كانت الرياضة مكانًا للنشاط السياسي أم لا”. لكن القضية هنا لا تتعلق فقط بجدل عام، بل بمبدأ موضوعي: هل يجوز أن تكون ملكية نادي جماهيري أداةً لطمس مساءلة تتعلق بدعم أو تسهيل يؤدي إلى قتل وتهجير جماعيين؟

الحلول ليست سحرية، لكنها واضحة الطريق. أولًا، ضرورة تحقيقات مستقلة وعلنية في ملابسات الادعاءات حول أي تواطؤ أو دعم تسلح يطال أطرافًا متورطة في جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، وأن تُفتح الملفات بشفافية كاملة أمام جهات قضائية ونوحوية دولية. ثانيًا، مطالبة جهات الرياضة الدولية والوطنية بإعادة تعريف معايير “الملكية المناسبة” بحيث لا تتيح ثغرات للملكية الحكومية أو شبه الحكومية أن تُستخدم كواجهة لتبييض الأنشطة السياسية أو القمعية. ثالثًا، شفافية في هياكل الملكية والعوائد المالية والاستثمارات ذات الصلة، لأن الضوء العام هو أفضل وسيلة للحد من سبل التهرب من المساءلة. رابعًا، الضغوط الدبلوماسية والسياسية على أي طرف يُثبت دعمه لقوى تغذي العنف والمجاعة، مع فرض شروط إنسانية على أي تعاون اقتصادي أو ثقافي طالما تستمر الانتهاكات.

وأخيرًا، المسألة ليست تقنية أو بيروقراطية فحسب، بل أخلاقية وسياسية في آن واحد: إذا احتجنا على انتهاكات هنا ونهمل أخرى هناك لأسباب انتقائية، فإن موقفنا يصبح بلا مصداقية. إن كانت الرياضة تستعير من المجتمع المدني شرعية التواصل والتضامن، فالأندية وملاكها والمؤسسات التي تسمح بتركيز سلطة دولة ما داخل أطرها يجب أن تُحاسب بنفس مقياس القيم التي يطالب بها الجمهور في قضايا أخرى. لا أدعو إلى مواقف عاطفية متسرعة قد تسيء لقضية العدالة، لكنني أحث على اتساق أخلاقي يفرض أن تكون استجابتنا للقتل والمجاعة واحدةً وموحدة، بغض النظر عن من يقف خلف الجريمة أو من يملك درع النادي. إذا كنا نريد أن تُعامل الرياضة بمكانتها الأخلاقية، فعلى من يقفون وراءها أن يخضعوا للمساءلة نفسها التي يُطالب بها ضحايا كل نزاع إنساني.